مقدمة: أساس حرية المعتقدات — لا تقولوا على الله ما لا تعلمون
وقد شدد الله -تبارك وتعالى- في القرآن الكريم النكير على مَنْ يحرمون ما أحل الله: ﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ثم يختم الآيات بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 32-33].
قال الطاهر بن عاشور ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ من تحريم المباحات التي صدرت الآية بالاستفهام عنه استفهام إنكاره، وتحليل الحرام، أن تقولوا على الله بافتراء من عندكم، فالعلم هنا ليس مقابل الجهل ولكنه مقابل الحق، فالحق في التحليل والتحريم والتشريع ليس إلا لله رب العالمين، أو للنبي -ﷺ- فيما ترك الله لنبيه -ﷺ- أن يسن فيه سنة، وهي سنة يراقبها الوحي، أما من عدا رسول الله -ﷺ- وما عدا القرآن الكريم من النصوص، فلا يجوز أن يأتي بتحليل أو تحريم. فلذلك قال: قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾.
يعني أن تحرموا المباح الذي صدرت بالاستفهام الإنكاري له، والاستفهام الإنكاري هو ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾، صدر الله الآيتين من سورة الأعراف بالاستفهام الإنكاري لكي يقول: هذا غير جائز، وختمها بأنه منا لمحرم أن تقولوا على الله ما لا تعلمون... ليؤكد عدم جواز التحليل والتحريم، أي عدم جواز المساس بحرية الناس إلا بدليل من الشرع – من القرآن أو من السنة – أو القانون الذي يسري في المجتمع برضاء الناس عنه.
أساس حرية المعتقدات في الإسلام، أو أساس الركن الأول أو الجزء الأول من هذه الحرية، هو إبطال المعتقدات الضالة التي أكره أهل الضلال أتباعهم على اتباعها، ففي حديث عدي بن حاتم لما دخل على النبي -ﷺ- وهو يقرأ قول الله تبارك وتعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31].
فغضب عدي وقال له: يا رسول الله إننا لم نتخذهم أربابًا، قال له: أليس قد أحلوا لكم الحرام وحرموا عليكم الحلال فاتبعتموهم؟. قال: بلى، قال: فتلك عبادتكم إياهم.
بين لهم المعنى تقريرًا لا يستطيع أن ينكره، فلم يقص عليه قصة عن الراهب الذي عاش من خمسمائة سنة، أو عن الكنيسة التي اندثرت منذ ألف سنة؛ لأنه لن يصدقها، إنما أخبره عما يقع في دينه في وقته، قال له: أنتم في دينكم الآن يحلون لكم الحرام ويحرمون عليكم الحلال، فهذا هو عبادتكم إياهم.
يقول الطاهر بن عاشور: فحرية الاعتقاد أسسها الإسلام بإبطال المعتقدات الضالة التي أكره دعاة الضلالة أتباعهم ومريديهم على اعتقادها بدون فهم ولا هدي ولا كتاب منير، بمثل تحريمهم زينة الله التي أخرج لعباده، وبمثل تحريمهم الحلال وتحليلهم الحرام.
المتحير الباحث عن الحق — حرية مطلقة وألف عذر
وضرب مثلاً غريبًا جدًّا، بقوله: إن من الأدلة على علو مقصد الحرية وأن حرية العقائد من أهم مقاصده، أن المرء الذي يبحث عن الحق مثل شخص غير مطمئن إلى الإسلام، أبوه ولده مسلمًا وأمه ولدته مسلمًا، لكنه غير مطمئن إلى هذا الأمر، فيفكر في الأديان ويقرأ في الفلسفات، ويقرأ في المسيحية واليهودية، وينظر في الأديان ليهتدي، لا شيء عليه، فمرة يقول صباحًا: أنا آمنت بالمسيحية، وحين يأتي الليل يقول: لقد كنت مخطئًا وسوف أبحث في الإسلام، وعندما يذهب إلى أحد إخواننا المسلمين وكان ممن ينفر الناس من الدين يقول: لن أذهب إلى الإسلام، سوف أذهب إلى حبر يهودي لكي يتكلم معي عن التوراة، فيذهب إلى اليهودي فيقول له: إن أول شيء يجب أن تتعلمه في التوراة أن تأكل مال الغير، فيرفض اليهودية، ويظل متحيرًا، هذا المتحير لو مات في تحيره لا شيء عليه، ولو جاء إلى القاضي المسلم وقال له: أنا متحير لا أعرف هل أبقى على ما ولدت عليه أم أغيره إلى دين آخر؛ لأن الأدلة العقلية عندي متعارضة، فلا يستطيع القاضي أن يُلزمه بشيء، فمن الممكن أن يبعثه إلى أحد العلماء كي ينصحه أو يأتي بعالم لينصحه، لكن فوق ذلك لا يملك له شيئًا.
وقد أخذنا هذا من أصل ديني هو سيدنا إبراهيم -عليه السلام- الذي نظر نظرة في النجوم فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: 89]. وعندما رأى القمر قال: ﴿هَذَا رَبِّي…﴾ [الأنعام: 77]. ثم آمن برب العالمين.
فالتحير مرحلة إذا مر بها العاقل الباحث فلا شيء عليه، وإن لقي الله عليها، لقي الله على ما شاء الله له لا نعرف أهو من أهل النجاة أم من غيرها؟
الزنديق — الذي لا عذر له ولا تُقبل توبته
أما الثاني الذي لا نقدر على أن نعطي له أي قدر من الحرية فهو الزنديق الذي يبطن ما لا يظهر، يبطن الكفر ويظهر الإسلام ويأتي بالمشكلات التي تسمى الآن في الأدبيات الحديثة الإشكاليات، يأتي بالمشكلات فيعرضها على الناس؛ مثل: لماذا تكون المرأة نصف الرجل في الميراث؟ وهو يعلم أنها ليست نصفه بل هي أحكام مترتبة على أشياء أخرى تمامًا.
أو: لماذا لا آخذ كل الربح في عقود المضاربة ولا يأخذ الطرف الثاني أي ربح؛ لأني أنا من عملت والطرف الثاني له رأس المال فقط؟ ولماذا لا يكون الربا حلالًا مع أن كل البنوك تعمل به؟
فهو يفعل هذا ليلبس على الناس أمر دينهم، وظاهره أنه مسلم، فعندما يؤذن الآذان يذهب للصلاة، وعندما يجد الناس يتوضؤون يتوضأ معهم، وعندما يدخلون على الصلاة بوضوء وهو بغير وضوء فإنه يصلي معهم بغير وضوء.
قال الإمام مالك وغيره من العلماء: أما الزنديق فلا تقبل له توبة وإن تاب. أي أنه يأتي أمام القاضي ويقول له: لقد تبت. فيقول له القاضي: لا يجوز فأنت زنديق. ولكن يجب أن تثبت الزندقة أولًا، فإذا ثبتت الزندقة لا تقبل له توبة.
وقد جاء الطاهر بن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة بمقابلة جميلة وقال: إن الزنديق لا عذر له؛ لأنه يبطن ما لا يظهر، ويعرف الحقيقة ويخفيها.
فهذا لا عذر له، أما المتحير فله ألف عذر، لأنه لا يرى الحقيقة، فالذي لا يرى الحق يعذره الإسلام ويعطيه الحرية المطلقة لكي يبحث عن الحق حتى يجده أو يلقى الله وهو باحث عن الحق، أما الذي يظهر خلاف ما يبطن وهو يعرف أين الحق وأين الباطل فهذا لا يعذر بشيء، لا عذر له ولا يقبل القاضي منه توبة وإن تاب.
حرية القول والتعبير بين الحق والواجب
يقول الطاهر بن عاشور: إن من فروع الحرية الفطرية حرية النطق أو حرية القول. وهي ما يطلق عليها في العصر الحديث حرية التعبير؛ لأن التعبير أشمل، فمن الممكن أن تعبر بالكتابة، تعبر بالرسم، تعبر بالشعر، إنما أسماها القدماء حرية القول.
وقال: إن حرية القول مترتبة على خلق القوة الناطقة. لأن الله لو لم يرد لنا النطق لخلقنا بُكمًا نستعمل لغة الإشارة، لكن خلقنا ناطقين بعد أن خلقنا فسوانا فعدلنا في أي صورة ما شاء ركبنا، خلقنا ناطقين لكي نستعمل هذه القوة الناطقة.
فيأتي الطاهر بن عاشور ويقول: ومن هذه الحرية التي كفلها الإسلام بمقتضى الفطرة أن خلقنا ناطقين – والبكم استثناء – فبمقتضى الفطرة ما هو مأمور به أو ببعضه في قول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[آل عمران: 104].
قال: هذه ليست حرية فقط ولكنها حرية مأمور بها أو ببعضها.
وكنت قد فرقت قبل ذلك بين الواجب الذي يجب فعله، مثل واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبين الحق الذي تستعمله إن شئت ولا تستعمله إن شئت.
فحرية القول في الإسلام وحرية التعبير في الإسلام لها درجة أعلى من مجرد حرية التعبير الموجودة في قوانيننا المعاصرة؛ لأن هذه حرية حق إذا أردت أن تستعمله فاستعمله، وإذا لم ترد فأنت حر في ذلك، يسعك السكوت،
أما في الإسلام فلا يسعك السكوت عن منكر تستطيع إنكاره ما دمت تعرفه وتعرف أنه منكر، وترى من يفعله، إلى آخر الشروط الموجودة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: إن هذه الحرية مأمور بها أو بعضها.
وعندنا ما هو أصرح من ذلك، ففي هذه الآية يقول تعالى: ولم يقل: كونوا كلكم، بل قال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ بعضكم، أو مثلما يقول محمد عبده: بعض كافٍ لإزالة المنكرات وإقامة المعروف.
فهذا هو الشرط الذي فهمه العلماء من قول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾.
أما النبي -ﷺ- فقد قال في الحديث: من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل.
ولا يعني التغيير باليد كسر الأضرحة، فإن كسر الأضرحة ليس تغييرًا باليد ولكنه اعتداء على عادات المسلمين التي لا يجوز الاعتداء عليها؛ لأنه يُحدث فتنة، وأنا لست من أهل الأضرحة إطلاقًا، ورُبيت ولا زلت أعيش إن شاء الله وأرجو أن ألقى الله على ما أنا عليه، لكن يجب أن نعرف عادات الناس وتقاليدهم التي عرفوها وعاشوا عليها وأقرتها لهم طوائف من العلماء خلفًا وسلفًا، ولا نستطيع أن نأتي على هذه العادات بخط قلم وتكسرها، لاسيما أننا لا نأمن الفتنة من جهة، وأننا غير مخولين من جهة أخرى، ولم يعطنا أحد هذا الإذن، فالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتغيير المنكر باليد، لا يعني كسر الأضرحة، وتغيير المنكر باليد يجب أن يكون بعد أن تغيره بالقلب وتغيره باللسان، ونبدأ بالأخف وبعد ذلك بالأشد.
فعلى كل حال حديث: من رأى منكم منكرًا.... مع الآية﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾يكون عندنا دليلان من القرآن الكريم والسنة النبوية على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو دليل على وجوب حرية القول على الأقل في بعض صورها إذا تعلقت بمنكر أو معروف.
حرية العلم والتعليم — قصة مالك بن أنس
ثم تكلم على حرية التعليم وأسماها حرية العلم والتعليم والتأليف،
إن حرية العلم تعني أن تحصل العلم الذي تريد، وفرق بين العلم وبين التعليم، العلم أن تتعلم أنت، أما التعليم فأن تعلم غيرك، وضرب مثلين يدلان على هذه الحرية، واحد من أصول الإسلام وواحد من تاريخ الإسلام،
أما الذي من أصول الإسلام فقول النبي -ﷺ- في حجة الوداع: نضَّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وبلغها من لم يسمعها، فرُب مُبلَّغ أوعى من سامع، ورُب حامل فقه غير فقيه، ورُب حامل فقه إلى من هو أفقه منه . فقد وضع النبي -ﷺ- جميع الاحتمالات وقال بلغوا هذا، وقال في حديث آخر: بلغوا عني ولو آية.
ولا يظننَّ أحد أن الحديثين متعارضان كما يقول بعض علماء الحديث المعاصرين، فبعض علماء الحديث المعاصرين يقولون: إن المقصود بالتبليغ الآية وليس الحديث؛ لأن النبي -ﷺ- قال: بلغوا عني ولو آية. قال: وهو حديث صحيح، وقال: نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وبلغها من لم يسمعها... . ومقالتي هنا تعني السنة، فلا يفرق أحد بين القرآن والسنة يقول: إن المقصود تبليغ القرآن، أما السنة فهي موضوع آخر لا دخل لنا به، فبكليهما نحن مأمورون بتبليغه وحفظه؛ لأن معنى قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. يشمل رافدي الذكر، يشمل القرآن الكريم ويشمل السنة النبوية.
قال ابن عاشور: من أصول الإسلام حديث النبي -ﷺ- نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها.... . وذكر من واقع الإسلام ما حدث مع الإمام مالك والخليفة أبي جعفر المنصور – في رواية – أو المهدي العباسي – في رواية ثانية، أن الخليفة استدعاه – أو كان في الحج في مكة – فلقى مالكًا وقال له: إني أريد أن آمر بكتبك – يعني الموطأ – فأنسخ منها نسخًا أجعلها في الأمصار يتبعها الناس ولا يخالفونها.
ونحن الآن إذا جاءنا أحد وطلب منا أن يُدرس كتابًا من تأليفنا في الجامعة فإننا نفرح بشدة ونحمد لله أن كتبنا ستنتشر، وأن الطلبة سوف يتعلمون منها، وإذا جاء مدرس جديد ليدرس في الجامعة فإننا ننصحه بأن يُدرس كتب أساتذته بدلا من أن يضيع الوقت في تأليف كتاب جديد، أما مالك بن أنس بعد أن جمع الموطأ في أربعين سنة فقد قال للخليفة: لا تفعل يا أمير المؤمنين. وفي الحقيقة أنه قال له كلمة أشد من هذه، قال له: عزمت عليك. وهي لا تعني: حلفت عليك. ولكنها تعني: أمرتُك، قال له: عزمت عليك ألا تفعل يا أمير المؤمنين، فإن أصحاب النبي -ﷺ- تفرقوا في البلدان، وسبق إلى كل قوم علم علموه وعملوا به، فلا تفتن الناس فيما عملوا وعلموا. وتوقف الآمر، توقف المشروع عند أمنية للخليفة فلم يحققها له العالم الجليل مالك بن أنس.
فيقول الطاهر بن عاشور: إن هذا دليل على إيمان مالك بحرية العلم والعماء، حرية الإنسان في أن يتعلم ما عنده، وحرية العلماء في أن يعلموا ما عندهم، ولولا هذه الحرية لكان مالك أول الناس فرحًا بأن يُؤخذ كتابه وينتشر في البلدان، لكنه أبى لشدة إيمانه بحرية العلماء في أن يعلموا، وحرية الناس في أن يتعلموا، أبى أن يقهر الناس على كتابه.
قال: ولولا حرية الأقوال (أو حرية التعبير) لما كانت الإقرارات والعقود؛ والالتزامات، ووجبت الوصايا والأوقاف التي نوصي بها أو نوقفها بعد الموت.
قال: كل هذا مُترتب على حرية القول، لو لم يكن الإنسان حرًا في كلامه لما التزم بعقوده وتصرفاته ووصاياه وأوقافه والتزاماته كلها، لأن القدرة الربانية التي أودعها ربنا فينا بأن ننطق هي التي مكنتنا من أن نقول هذا الكلام، سواء كان عقدًا، أو وصية، أو وقفًا، أو التزامًا، أو إقرارًا، وبما أننا قلناه بإرادتنا فإنه يترتب على هذه الحرية المسئولية التي تكلمنا عنها قبل ذلك، فمادمت حرًا فإنك مسئول، لكن لو كنت رقيقًا فلن تكون مسئولًا، لو كنت تنطق بما لا تستطيع أن تعرف فإنك غير مسئول.
حرية العمل بين المنع والتقييد
ويقول الطاهر بن عاشور: إن حرية العمل تعني الإباحة، والمباح ليس لأحد منع الناس منه.
لكن سيقف بعضنا عند هذه العبارة ويقول: إننا علمنا وتعلمنا من مشايخنا أن الحاكم أو الإمام الذي على الناس له أن قيد المباح، وأنه قد يقيده في أوقات الحاجات، وقد يقيده في أوقات الضرورات، وأوقات الضرورات أعلى من أوقات الحاجات. إلى آخر هذا الكلام، فكيف يقول كل علماء الدنيا: له أن يقيد هذا المباح. ويأتي الطاهر بن عاشور ويقول: ليس لأحد أن يمنع الناس المباح عن أحد؟.
نقول: إن الفارق دقيق جدًّا بين المنع والتقييد، المنع مؤبد والتقييد مؤقت، إذا منع الناس من المباح منعهم إلى الأبد من أن يفعلوا شيئًا ما، أما إذا قيد فعل المباح بحسب حالة الضرورة، أو حالة الحاجة، أو بسبب فيضان، أو طوفان، أو بسبب الثورة، فهذا تقييد جائز؛ لأن هذا التقييد لمدة مؤقتة لا يعود على أصل الشيء بنقضه، لا يعود على أصل الإباحة الربانية بالنقض.
فلابد أن نفرق حين ننظر إلى المباح الذي يجوز تقييده بين المباح إباحة أصلية بقول الله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: 13]. وأمثال الآيات والأحاديث الدالة على الإباحة الأصلية وبين المباح إباحة خاصة مثل قوله سبحانه وتعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾، ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: 27]. كل الآيات والأحاديث التي أباحت شيئًا بعينه فهذا الشيء لا يقبل التقييد ولا المنع، لأن الذي يقبل التقييد ولا يقبل المنع هو الإباحة العامة أو الإباحة الأصلية كما يطلق عليها علماء الأصول، أما الإباحة الخاصة والمنصوص عليها نصًا خاصًا في القرآن الكريم أو صحيح السنة، فلا يملك أحد تقييدها؛ لأن النبي -ﷺ- لو شاء أن يقيدها لنص على ذلك، فهي إباحات خاصة مثلما قال القرآن الكريم: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾[النور: 61]. فعندما تجتمع العائلة على المائدة ليأكلوا ويأتي أحدهم متأخرًا فلا نستطيع أن نقول له: لا تأكل؛ لأنك جئت متأخرًا؛ لأن الآية الكريم تقول: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾. فكل الآيات والأحاديث التي في هذا المعنى تدل على إباحة نسميها إباحة خاصة، فالإباحة الخاصة لا تقبل التقييد أو المنع، بينما الإباحة العامة تقبل التقييد دون المنع، وهذا معنى عبارة الشيخ الطاهر بن عاشور التي يقول فيها: ليس لأحد أن يمنع الناس المباح عن أحد.
فلماذا ذكر: ليس لأحد منع الناس من المباح؟ قال: إذ لا يكون أحد أرفق بالناس من الله تعالى. وهل هناك أحد أرفق بنا من ربنا سبحانه وتعالى؟ فلا يمكن أن يكون هناك أحد أرفق من رب العالمين بالعباد، فقال: من يقول: أمنع المباح منعًا كليًا. فإنه يدعي أنه أرفق من رب العالمين، ولذلك فإن قوله مردود عليه، ومنعه مردود عليه، لا نسمع كلامه ولا نأخذ بهذا المنع.
قال: والأصل في حرية العمل ألا يضر المرء بغيره[53]. لأن هناك القاعدة التي تقول: إن حريتك تنتهي حيث تبدأ حرية غيرك. هذه القاعدة الحديثة قالها ابن عاشور، وهي قديمة جدًّا عند العلماء، لكنه أضاف شيئًا آخر، قال: فمتى تجاوز المرء حدود حريته أُوقف عند الحد الشرعي بالضمان[54]، أو بالعقوبة.
ثم ختم بحثه عن الحرية بعبارة جميلة جدًّا، قال: اعلم أن الاعتداء على الحرية نوع من أكبر أنواع الظلم، والعاصم منه القضاء العادل.
فنحن دائمًا ما نطالب بقضاء مستقل، وذلك كي يحكم بيننا بالحق، وكي لا يؤثر على قضاء القاضي هوى السلطان، أو مزاجه، أو رغبته، أو مصلحته، فنحن ننادي بقضاء مستقل لكي تتحقق العدالة.
فقال: ولذلك لزم أن يكون تمحيص مقدار ما يخول للمرء من الحرية في نظر الشارع موكولا إلى ولاة الأمور المنصوبين لفصل القضاء بين الناس، ولذلك كان انتصاف المعتدي عليه لنفسه بنفسه ظلما يستحق التعزير.
ولهذا يقول القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾[الإسراء: 33].
وقال بعض العلماء: يجوز أن يقتل من غير سرف. ولكن هذا لا يجوز فلابد أن يذهب إلى القاضي ويحكم القاضي بالقصاص، إذا وجد سبيلًا للقصاص، وإذا لم يجد سبيلًا للقصاص حُكم بالدية، أو حُكم بالبراءة حسب ما يثبت.
وأضاف إلى ذلك وقال: ومن أجل هذا كان السجن موكولًا للحكام. ويعني بذلك القضاة، ولا يجوز لأحد من الناس أن يتخذ سجنًا؛ لما فيه من تسلط على حرية غيره، فالتسلط على حرية الغير لا يكون إلا للقاضي في قضية منظورة أمامه وتقتضي الحبس، فيجوز للقاضي أن يتخذ حبسًا.
ونحن نطالب منذ سنين عديدة بتبعية السجون إلى وزارة العدل، فهذا ما يعرفه المسلمون، يعرفون أن السجن تابع إلى القاضي وليس إلى وزير الداخلية أو صاحب الشرطة.
فيقول ابن عاشور: لا يجوز لأحد أن يتخذ سجنًا أو حبسًا إلا الحاكم، أما غير الحاكم فلا يجوز له ذلك؛ لأن الحبس تقييد للحرية وهو لا يجوز لآحاد الناس.
هذه صورة موجزة جدًّا لتصور محمد الطاهر بن عاشور لمقصد الحرية ولارتباطه بمقصد المساواة في الشريعة الإسلامية.
.