مقالات تربوية

الإسلام رسالة المبادئ الإنسانية السامية

الإسلام رسالة المبادئ الإنسانية السامية

منذ أن عرفت الشعوب الإسلامية وغيرها من شعوب آسيا وإفريقيا وأوروبا، الإسلام، واعتنقت أغلبيتها ذلك الدين بعقيدة راسخة مؤمنة بأنه دين حق جاء به رسول صادق أمين، وحيا من رب العالمين، صبغ الإسلام كل حياة وجميع أوجه نشاط هذه الشعوب صبغة شاملة كاملة،

وبات المصدران الأساسيان لدين الإسلام  –وهما القرآن والسنة المطهرة التي هي التفسير النظري والتطبيق العملي للقرآن الكريم- المرجع الوحيد لكل ما يتعلق بتنظيم حياة الفرد والعائلة المسلمة والمجتمع المسلم والدولة المسلمة، ولجميع الأنشطة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية والتعليمية والتربوية، وأيضا النظام التشريعي والقضائي

وأضحت العقيدة والشريعة تهيمنان على كل من الحاكم والمحكوم وعلى الفرد والمجتمع، وكانت لها السيادة العليا فلا يملك حاكم ولا محكوم أن يغير مما احتوته شيئا.

وكان من عجيب صنع الله لهذا الإسلام أن ضمنه معنيين كريمين عظيمين:

أولهما: أن جعله رسالة المبادئ الإنسانية السامية التي لا يقوم أمر السماوات والأرضين ومن فيها إلا به: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: 71].

وثانيهما: أن الله تعالى قد اسس هذا الدين العالي على معانٍ من التسامح والسعة والصفح والغفران التي تجعله أمناً وسلاماً أو قسطاً وعدلا مع الذين لا يؤمنون به ولا يدينون له،

ففرض على أتباعه أن يؤمنوا بكل نبي سبق، وبكل كتاب نزل، وهو يثني على الأنبياء والكتب والحواريين والرسل والأمم التي سبقته والمؤمنين ممن تقدموه، ويدعو المؤمنين به إلى أن ينهجوا نهجهم ويأخذوا أخذهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ…﴾ [الصف:14].

وبهذين المعنيين استطاع الإسلام أن يقدم للدنيا حضارة تقوم على الفضائل النفسانية والعزائم العملية، وأن يقيم في التاريخ دولة كبرى لم يمنعها اختلاف الأجناس والعقائد أن تكون مثال العدالة والتسامح.

ولذلك حين قال المولى -جل وعلا- في محكم تنزيله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة : 3]، كان إيذانا بتحول جذري في مسار الإنسانية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

فإذا كان الإسلام قد جاء إكمالا لدين الله الذي أرسله لخلقه بواسطة رسله منذ آدم عليه السلام، وخاتما لرسالات الله إلى الأرض، فإن المولى -سبحانه وتعالى- لم يجعله موجها مثل الرسالات من قبلة لقوم بعينهم، بمن فيهم العرب الذين انزل بلسانهم وكان رسوله منهم، بل كان للانسانية جمعاء قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: 28].

وقد اقتضى شمول رسالة الإسلام للبشر أجمعين، مراعاته لعدد من الاعتبارات الهامة التي تتسم بها الحياة البشرية:

- مراعاة اختلاف الأعراق والأديان

​وأول أثر لذلك، اختلاف الناس وتعدد ألوان حياتهم باختلاف البيئات والازمان قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات : 13]. 

ومن ابرز مظاهر الاختلاف بعد الاعراق، اختلاف الاديان، وتلك فطرة الله فى خلقة قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: 48].

- المحافظة على اختلاف اللغات

ومن مظاهر الإختلاف بين الأمم التي راعاها الإسلام في توجهه للبشرية جمعاء اختلاف الألوان واللغات قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾[الروم : 22].

وقد احترم الإسلام لغات الأمم ولم يفرض على من دخل الإسلام من غير العرب أن يتخذ العربية لسانا رغم أنها لغة القرآن، ولغة الدين، ولاتصح صلاة المسلم إلا بفاتحة الكتاب وآية أو بضع آيات يرتلها بالعربية أثناء الصلاة، أما في غير ذلك فليس ملزما بتعلم العربية... ومن ثم حافظ المسلمون من غير العرب على لغاتهم.

ومثل ذلك كان موقفه من الألوان والأجناس كما قال ﷺ: “لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى”.

- الانفتاح على كل الحضارات

وبما أن العالمية هي سمة الإسلام الكبرى، فإن انفتاحه على العالم اقتضى أمرين في تعامله مع البشر في بيئاتهم المتباينة.

أولهما الإنفتاح على كل الحضارات والثقافات، وثانيهما المرونة والتسامح في التعامل معهما .

أما انفتاحه على كل الحضارات فبرز في استيعابه لكل ما كان معروفا من كتب الأقدمين وعلومهم وفلسفاتهم في المائة سنة الأولى من تاريخه، إذ انتقلت إليه علوم اليونان والرومان والفرس والهنود إلى جانب ما حفظ من تراث الساميين والمصريين ومن إليهم .... وقد تم نقل كل هذه العلوم وإن خالف بعضها أسس الإسلام وتعاليمه.

وكان هذا الإنفتاح على أوسع مداه حين انتقل الإسلام من جزيرة العرب إلى غيرها من الأمصار أولا وإلى كل بلاد المسلمين فيما بعد .

ولم يشترط في التعامل مع موروثات الأمم إلا أمرين :

عدم مصادمتها لوحدانية الله في المقام الأول، فرفض كل مظاهر الوثنية والشرك،

والتزامها بكرامة الإنسان وعدم الإضرار بحياته أو صحته في المقام الثاني .

مراعاة العرف والعادة

وكان من أبرز سمات هذا الانفتاح والمرونة، أن جعل الإسلام العرف والعادة الصالحتين أداتين محكمتين ضمن أصول التشريع، مما انعكس على طبيعة التشريع الإسلامي الذي من أهم أسسه تغير الأحكام بتغير الأحوال .

وكانت لهذه السمة الأساسية للإسلام - أنه يحافظ على كل ماهو صالح ومفيد ويدخله في إطاره - أنه مع اتسامه بالصيغة المحلية التي تحافظ على عادات الناس الكريمة وقيمهم الفاضلة الموروثة في البيئة التي يتواجد فيها، فإن هذه الصبغة المحلية، لا تبقي على محليتها المحدودة، بل تكتسب بفضل عالمية الإسلام وشمول قيمه الإنسانية بعدا عالميا تجعل المصري المسلم مثلا على مصريته أخو الهندي المسلم مثلا على هنديته.

وفي ظل هذه الخصائص، جاء الإسلام الحنيف ليعلن الأخوة الإنسانية، ويبشر بالدعوة إلى العالمية، ويبطل كل عصبية ويسلك إلى تحقيق هذه الدعوة الكريمة السامية كل السبل النظرية والعملية، ويؤكد على كل الأسس اللازمة لتحقيقها:

تقرير وحدة الجنس والنسب:

فقد قرر وحدة الجنس والنسب للبشر جميعا: “فالنَّاسُ لآدمَ، ولا فَضلَ لِعَرَبيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ ولاَ لأسوَدَ عَلَى أحمَرَ إلاَّ بِالتَّقوَى". وحكمة التقسيم إلى شعوب وقبائل إنَّما هي التعارف لا التخالف، والتعاون لا التخاذل، والتفاضل بالتقوى والأعمال الصالحة التي تعود بالخير على المجموع والأفراد، والله رب الجميع يرقب هذه الأخوة ويرعاها ويطالب عباده جميعًا بتقريرها ورعايتها والشعور بحقوقها والسير في حدودها.

ويعلن القرآن الكريم هذه المعاني جميعًا في بيان ووضوح فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].

ويقول النبي محمدٌ- ﷺ- في أشهر خطبه في حجة الوداع: "إنَّ الله قَد أذهَبَ عَنكُم غَيبةَ الجَاهِلِيَّةِ وتَعظُّمَهَا بِالآبَاءِ وَالأجدَادِ؛ النَّاسُ لآدَمَ، وآدَمُ مِن تُرابٍ، لاَ فَضلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ ولاَ لأسوَدَ عَلَى أحمَرَ إلاَّ بِالتَّقوَى". 

ويقول ﷺ: “ليسَ منَّا مَن دَعَا إلى عَصَبيَّةٍ، وليسَ مِنَّا مَن قَاتَلَ عَلَى عصَبِيَّةٍ، وليسَ مِنَّا مَن مَات عَلَى عَصَبيَّةٍ”. [رواه أبو داود].

تقرير وحدة الدين

كما قرر الإسلام وحدة الدين في أصوله العامة، وأن شريعة الله- تبارك وتعالى- للناس تقوم على قواعد ثابتة من الإيمان والعمل الصالح والإخاء، وأن الأنبياء جميعًا مبلغون عن الله- تبارك وتعالى- وأن الكتب السماوية جميعًا من وحيه، وأن المؤمنين جميعًا في أية أمة كانوا هم عباده الصادقون الفائزون في الدنيا والآخرة، وأن الفرقة في الدين والخصومة باسمه إثم يتنافى مع أصوله وقواعده، وأن واجب البشرية جميعًا أن تتدين وأن تتوحد بالدين، وأن ذلك هو الدين القيم وفطرة الله التي فطر الناس عليها، وفي ذلك يقول القرآن الكريم: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ…﴾ [الشورى: 13]. 

ويقول القرآن الكريم مخاطبًا النبي محمدًا -ﷺ-:﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: 15].

ويقول النبي محمدٌ -ﷺ- مصورًا هذا المعنى أبدع تصوير ”مَثَلِي ومَثَلُ الأنبياءَ قَبلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيتًا فَأحسَنَهُ وأجمَلَهُ إلاَّ مَوضِعَ لَبِنَةٍ مِن زَاوِيَةٍ مِن زَوَايَاهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ ويَعجَبُونَ لَهُ ويَقُولُونَ هلاَّ وُضِعَت هَذِه اللَّبِنَة، فَأنَا تِلكَ اللَّبِنَةُ وأنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ” [أخرجه الشيخان] 

وسلك الإسلام إلى تقرير هذه الوحدة مسلكًا عجيبًا، فالمسلم يجب عليه أن يؤمن بكل نبي سبق ويصدق بكل كتاب نزل، ويحترم كل شريعة مضت.  

ويثني بالخير على كل أمة من المؤمنين خلت، يفترض ذلك ويعلنه ويأمر به النبي وأصحابه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 136].

ثم يقفي على ذلك بأن هذه هي سبيل الوحدة، وأن أهل الأديان الأخرى إذا آمنوا كهذا الإيمان فقد اهتدوا إليها وإن لم يؤمنوا به، فسيظلون في شقاق وخلاف وأن أمرهم بعد ذلك إلى الله فيقول: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 137].   

ثم دعم هذه الوحدة بين المتدينين والمؤمنين على أساسين واضحين مسلمين لا يجادل فيهما إلا مكابر: أولهما: اعتبار ملة إبراهيم- عليه السلام- أساسًا للدين وإبراهيم، ولا شك وهو مرجع الأنبياء الثلاثة الذين عرفت رسالاتهم وهم: موسى وعيسى ومحمد- صلوات الله وسلامه عليهم جميعًا.

وثانيهما: تجريد الدين من أغراض البشر وأهوائهم والارتفاع بنسبته إلى الله وحده، فتقرأ في سورة البقرة قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة:130]. إلى قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾“البقرة: 138”، ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة:139]، ثم إلى قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:134].   

ويثني على الأنبياء جميعًا، فموسى -عليه السلام- نبي كريم ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: من الآية69].

وعيسى- عليه السلام-: ﴿رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْه﴾ [النساء: 171]، ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: 45]. ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران:46]، ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَة﴾ [المائدة:75]، أكرمتها الملائكة ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [أل عمران:42]. والتوراة كتاب كريم ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ﴾ [المائدة: 44]، والإنجيل كذلك كتاب كريم فيه هدى ونور وموعظة ﴿وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 46]، وهما والقرآن معهما مصابيح الهداية للناس ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ﴾ [آل عمران:3]

وبنو إسرائيل أمة موسى -عليه السلام- أمة كريمة مفضلة ما استقامت وآمنت ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 122]. 

وأمة عيسى -عليه السلام- أمة فاضلة طيبة ما أخلصت وعملت: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: 27].

والتعامل بين المسلمين وبين غيرهم من أهل العقائد والاديان إنما يقوم على أساس المصلحة الاجتماعية والخير الإنساني ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8] ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:9]. 

والجدال يكون بالتي هي أحسن إلاَّ للذين ظلموا، وأساسه التذكير بروابط الرسالة السماوية ووحدة العقيدة الإيمانية: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:46]. 

تقرير وحدة الرسالة

وأعلن القرآن الكريم هذه العالمية في آيات كثيرة فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾[الفرقان:1]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سـبأ: 28]. 

وقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:158].

ومن هنا كانت رسالته أيضا ختام الرسالات فلا رسالة تعقبها أو تنسخها ولا نبي بعده: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40].  

ومن هنا كذلك كانت معجزته الخالدة الباقية هذا القرآن الكريم: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: 41]، ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42]، ولقد كان الناس يتساءلون من قبل هذا العصر كيف يكون فرد واحد من أمة واحدة رسولاً للبشر جميعًا. 

فجاء هذا العصر الذي انمحت فيه المسافات، وتجمعت فيه أطراف الأرض بهذه المواصلات، وتشابكت فيه مصالح الأمم والدول والشعوب حتى لكأنها بلد واحد كبير، لا ينفك جانب منه عن الجانب الآخر في قليل ولا كثير، وانطلقت في أجواء الفضاء أنباء الشرق يعلمها ساعة حدوثها الغرب، وأنباء الغرب يستمع إليها لحظة وقوعها الشرق.

وتركزت آمال المصلحين اليوم في “العالم الواحد” و”النظام الواحد” و”الضمان الاجتماعي” و”السلام العالمي”، فكان ذلك آية كبرى، ومعجزة أخرى لنبي الإسلام وشريعة الإسلام وصدق الله العظيم: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت:53].

وحدة الشعائر

وقد كان الإسلام “عمليًّا” كعادته فلم يقف عند حد تقرير الأصول النظرية لهذه الوحدة الإنسانية؛ ولكنه رسم وسائل التطبيق، وقرر الشعائر والشرائع التي يتأكد بها هذا المعنى في النفوس، وثبت دعائمه في المجتمعات، وهذا هو الفرق بين الرسالات الفلسفية والرسالات الإصلاحية أو بين الفيلسوف والمصلح، فالفيلسوف يقرر النظريات والمصلح يرسم قواعد التطبيق ويشرف بنفسه على تمامه، ومن هنا كان الإسلام نظريًّا وعمليًّا معًا؛ لأنه رسالة الإصلاح الشامل الخالد، وعلى هذا الأساس قرر الشعائر والشرائع التي يتحقق بالعمل بها ما دعا إليه من إنسانية عالمية وأخوة حقيقية بين البشر على اختلاف أوطانهم وأجناسهم وألوانهم.

فالمساواة التامة هي شعار الإسلام في الحقوق والواجبات ومظاهر العبادات، فالجنس الإنساني مكرم كله مفضل على كثير من المخلوقات: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:70]. 

والناس جميعًا مخاطبون بهذه الدعوة الإسلامية، وكثيرًا ما يستفتح الخطاب في القرآن الكريم بيا أيها الناس إشارة إلى عموم هذه الرسالة، وتسويتها بين الناس في الحقوق والواجبات.

والحقوق الروحية- فضلاً عن الحقوق المدنية والسياسية الفردية والاجتماعية والاقتصادية- مقررة للجميع على السواء، فما من شعب إلا بعث إليه رسول الله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:24]. 

وقل مثل ذلك في جميع الحقوق والواجبات والفرائض والعبادات التي جاء بها هذا الإسلام.

ولقد دعم الإسلام هذه المعاني النظرية والمراسيم العملية ببث أفضل المشاعر الإنسانية في النفوس من حب الخير للناس جميعًا، والترغيب في الإيثار، ولو مع الحاجة: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].   

والإحسان في كل شيء حتى في القتل:﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]، ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف: 30]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90].

وتقرير عواطف الرحمة حتى مع الحيوان، فأبواب الجنة تفتح لرجل سقى كلبًا، وتبتلع الجحيم امرأة؛ لأنها حبست هِرَّةً بغير طعام، كما جاء ذلك وغيره من كثير من مثله في أحاديث النبي محمد - ﷺ- حتى استغرب أصحابه، وقالوا: وإنَّ لَنَا في البَهَائِمِ لأجرًا يَا رَسُول الله؟ قال:”نَعَم، فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطبَةٍ أجرٌ" [رواه البخاري]. 

ولا شك أن هذه المشاعر هي التي تفيض على صاحبها أفضل معاني الإنسانية وتوجهه إلى تقدير قيمة الأخوة العالمية.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم