مقالات تربوية

الإتقان في العمل: استثمار تجني أرباحه مدى الحياة

الإتقان في العمل: استثمار تجني أرباحه مدى الحياة

مقدمة: هل تعمل لتنتهي أم لتُتقن؟

 

في زحام الحياة المهنية حيث تتشابك المهام وتتراكم الضغوط، ثمة سؤال يطرح نفسه بهدوء لكنه يحمل ثقلًا كبيرًا:

هل تعمل لتنتهي... أم تعمل لتُتقن؟

الفرق بين الإجابتين ليس فرقًا في الوقت ولا في المجهود فقط، فالذي يعمل لينتهي يرى في عمله عبئًا يُلقيه عن كاهله مع نهاية الدوام، أما الذي يعمل ليُتقن فهو يرى في كل مهمة فرصة لا تتكرر وفي كل تفصيلة صغيرة أمانة لا تُهان.

والغريب أن كثيرًا منا يعرف قيمة الإتقان ويُحب أن يرى أثره في من حوله لكنه حين يجلس إلى عمله ينسى هذا كله ويكتفي بـ"ما يكفي".

الإتقان قرار يصنعه الإنسان كل يوم في كل مهمة صغيرة كانت أم كبيرة. وحين يصبح هذا القرار عادة راسخة يتحول من مجرد سلوك مهني إلى استثمار حقيقي يتراكم يوماً بعد يوم، ويجني أرباحه في الرزق والسمعة والنفس المطمئنة.

هيا بنا نكتشف معًا لماذا الإتقان هو أغلى ما يمكن أن تضعه في رصيدك المهني.

الاتقان أكثر من جودة في العمل

حين تسمع كلمة إتقان ربما يتبادر إلى ذهنك فورًا صورة الحرفي الماهر أو المهندس الدقيق أو الطبيب الذي لا يتسامح مع الخطأ، وهذه الصورة صحيحة لكنها ناقصة.

الإتقان في جوهره وصف لصاحب العمل وليس وصفا للعمل، هو حالة داخلية قبل أن تكون نتيجة خارجية، وهذا تحديداً ما جعل الإسلام يرفع الإتقان إلى مستوى لم يبلغه أي نظام عمل آخر في التاريخ. فحين جاء الأمر النبوي الكريم بأن الله يحب من أحدنا إذا عمل عملًا أن يتقنه، كان تأسيساً لفلسفة كاملة تربط العمل بالإحسان والإحسان بمراقبة الله. فالإتقان في هذا المنظور عبادة، والتهاون فيه تقصير لا تُعوّضه النيات الحسنة وحدها.

وهذا يعني شيئاً عميقاً فالمسلم المتقن لا يحتاج إلى رقيب خارجي يضبط جودة عمله لأنه يحمل رقيبه في داخله، وحين يغيب المدير ويخلو المكان يظل مستوى العمل ثابتاً لأن الدافع أعمق من الخوف أو الطمع.

الاتقان استثمار لا يُرى في الراتب

حين يتحدث الناس عن الاستثمار تسبق أذهانهم إلى الأسهم والعقارات والمشاريع. وهذا حق. لكن ثمة استثمار أقدم من كل هذا وأبقى، لا يحتاج رأس مال ولا يخشى خسارة، ولا تأكله الأزمات ولا تبدده الأسعار. هو ما تضعه في عملك كل يوم من صدق وإتقان وضمير حي.

ومن هذا المنطلق الروحي تنبثق ثمار دنيوية لا يسعى إليها المتقن ابتداءً لكنها تلحقه لا محالة. السمعة التي تُبنى سنة بسنة وتفتح أبواباً لا تفتحها الشهادات ولا تفتحها العلاقات، فالإنسان المتقن لا يحتاج أن يُسوّق نفسه كثيراً لأن عمله يتكلم قبله ويمشي أمامه. والثقة التي تجعله الأول حين تُوزَّع المهام الكبيرة، لأن من حوله يعرفون أنه لا يُسلّم عملاً إلا وقد أعطاه حقه. والفرص التي لا تُعلَن ولا تُطرح في إعلانات، الترقية التي تأتي دون طلب، والشراكة التي تُعرض دون مفاوضة، والباب الذي يُفتح دون طرق، كل هذا ثمار الإتقان المتراكم الذي لا يراه صاحبه وهو يزرعه لكنه يجنيه في أوقات لا يتوقعها.

لكن هذه الثمار ليست الغاية وإنما هي الأثر. والفرق بينهما جوهري يغيب عن كثيرين فمن جعل هذه الثمار غايته أتعبه السعي إليها وأقلقه الخوف من فقدانها. أما من جعل رضا الله غايته وأتقن عمله ابتغاء وجهه وجد الدنيا تأتيه من حيث لا يحتسب مصداقاً لوعد الله: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. 

وفي هذا درس بالغ لمن يظن أن الإتقان مجرد أداة للنجاح الدنيوي. الإتقان أوسع من ذلك بكثير. هو طريقة في النظر إلى العلاقة بالله وطريقة في النظر للعمل، وطريقة في النظر إلى النفس. وحين تتحد هذه النظرات الثلاث في قلب إنسان واحد يستريح ويريح ويربح.

وهذا ما يُفسّر لماذا كان كثير من علماء الإسلام وأئمته يُتقنون حرفهم ومهنهم إتقاناً يُذهل من حولهم. لأنه كان يقيناً بأن الله لا يُقدَّم بين يديه إلا الأجود والأكمل، في العبادة وفي العمل على حد سواء. 

لكن لابد من الاعتراف بأن الإتقان ليس مجانياً. الوقت والجهد الذي تضعه في إتقان مهمة معينة هو وقت كان يمكن أن تستثمره في تطوير مهارة أخرى، أو في راحة تستعيد بها طاقتك، أو حتى في مهمة منفصلة تحقق لك عائداً أسرع. تكلفة الفرصة البديلة هذه لا يغفل عنها إلا من يظن أن الإتقان استثمار خالٍ من التضحية. المتقن الحقيقي هو من يختار أين يُتقن، فلا يُبدد كمال جهده في تفصيل ثانوي، ولا يُهمل أصول عمله من أجل هوامش لا تُرى. 

والسؤال الأصعب: ماذا لو أتقنتَ عملك وجاءك الرزق من غير توقع، ثم جاء يوم ووجدت أن الإتقان لم يُكافأ؟ مدير جائر، مؤسسة فاسدة، زميل أقل منك كفاءة يُترقى قبلك لأن له محسوبية. هنا ينهار منطق الإتقان الذي = النجاح المادي إن كان هو الرابط الوحيد. الحقيقة أن الإتقان في بيئة فاسدة قد لا يأتي بثماره الدنيوية لكنه يظل استثماراً في جهتين الأولى أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، والثانية أن الإتقان هو بطاقة خروج من البيئة الفاسدة إلى غيرها. من أتقن عمله وهو مظلوم بنى لنفسه سمعة تمشيه إلى مكان آخر يقدره. ومن أتقن انتظاراً لمكافأة دنيوية فقط خسر النية وخسر الأجر.

درس من التاريخ الإسلامي

حين تقرأ تاريخ الحضارة الإسلامية في أوج عطائها تجد أن الإتقان كان نسيجاً يسري في ثقافة كاملة من المسجد إلى السوق ومن المدرسة إلى الورشة.

الحرفي المسلم في عصور الازدهار كان  يتقن ما يصنع لأن ما يخرج من يديه شهادة على دينه وعلى ربه. ولهذا تجد في المباني التي شيّدها أجدادنا وفي المخطوطات التي كتبوها وفي الأدوات التي صنعوها من الدقة والجمال ما يُعجز التفسير المادي وحده. لم يكن أحدهم يملك أدوات أرقى مما يملكه غيره لكنه كان يحمل دافعاً أعمق.

تأمل الجامع الكبير في القيروان أو المكتبات التي ضمّت مئات الآلاف من المخطوطات في بغداد والأندلس، أو آلات الرصد الفلكي التي بُنيت في سمرقند. كل هذا لم يخرج من مجتمع يعمل بمنطق "ما يكفي"، لكن من مجتمع آمن بأن العمل المتقن قربة وأن التقصير فيه تفريط في الأمانة.

والحضارة الإسلامية حين ازدهرت لم تزدهر بالموارد وحدها، ولا بالجغرافيا، ولا بعدد السكان. ازدهرت لأنها أنتجت إنساناً يرى في عمله معنى يتجاوز الراتب والمكانة. إنساناً يعمل لأن الله يرى، ويتقن لأن الله يحب المتقنين.

وحين غاب هذا المعنى، لم تغب معه الأعمال فحسب، بل غابت الحضارة.

لماذا يقبل الإنسان في قرارة نفسه أن يُقصّر؟

والجواب غياب المعنى، فالإنسان لا يُتقن حين لا يعرف لماذا يعمل، وحين يكون العمل مجرد راتب في آخر الشهر يؤدي بمقدار الراتب، وحين يكون رسالة وأمانة وعبادة يؤدي بمقدار ضميره.

وهذا ليس كلامًا مثاليًّا بعيدًا عن الواقع فالتاريخ يشهد عليه حين فتح المسلمون الأندلس وورثوا حضارة عريقة فلم يكتفوا بما وجدوا بل أضافوا وبنوا وأتقنوا، لم يكن ذلك إلا لأنهم حملوا قناعة راسخة بأن العمل المتقن قربة، وأن التقصير فيه تفريط في الأمانة. وحين تراجعت هذه القناعة في أجيال لاحقة لم تنفع الأنظمة ولا القوانين في استعادة ما فُقد.

وهذا ما فهمه الحرفي المسلم القديم حين كان ينقش على عمله آيات أو أدعية. لم يكن ذلك زخرفة بل كان تذكيراً لنفسه قبل غيره بأن هذا العمل بين يدي الله قبل أن يكون بين يدي الناس، ولهذا تجد في المباني والمخطوطات والأدوات التي صنعها أجدادنا من الدقة والجمال ما يعجز التفسير المادي وحده عن تفسيره، لم يكونوا يملكون أدوات أرقى لكنهم كانوا يحملون دافعاً أعمق.

والعجيب أن علم النفس المعاصر توصل إلى الحقيقة ذاتها من طريق مختلف. فالدراسات التي تتناول دوافع الإنسان في العمل تُجمع على أن الأجر وحده لا يصنع الإتقان، وأن الإنسان حين يجد في عمله معنى يتجاوز المادة يعطي أكثر ويُبدع أكثر ويصمد أمام الضغوط أكثر. وهو ما سبق إليه الإسلام بأربعة عشر قرنًا حين جعل النية أساس كل عمل.

من استحضر هذا المعنى لم يحتج رقيباً خارجياً يضبط جودة عمله ومن فقده لم ينفعه رقيب ولم تُصلحه لوائح ولم تُعوّضه حوافز، لأن الإتقان الحقيقي يُولد من الداخل.

خطوات عملية لبناء عادة الإتقان

الإتقان إذن ليس حظًّا يُولد مع بعض الناس دون غيرهم، ولا هو امتياز يملكه من أوتي موهبة خاصة. هو عادة تُبنى وطريق يُسلك خطوة خطوة، حتى يتحول من قرار إرادي مجهود إلى طبع راسخ لا يحتاج إلى جهد. وهذه الخطوات ليست وصفة جاهزة إنما هي مفاتيح يفتح بها كل إنسان بابًا كان موصدًا في علاقته مع عمله:

جدّد النية قبل كل عمل،  لحظة قصيرة تستحضر فيها أنك تعمل لله تُغيّر كل شيء. تُحوّل المهمة العادية إلى عبادة، والتعب إلى أجر، والضغط إلى احتساب.

طوّر كفاءتك باستمرار، لا إتقان بلا معرفة متجددة فمن وقف عند ما تعلّمه أمس سيجد نفسه يتراجع غداً وهو واقف.

راجع عملك قبل أن تُسلّمه،  دقيقة واحدة من المراجعة تكشف ما لم تره ساعات من العمل. وهذه الدقيقة هي الفرق بين من يُسلّم ومن يُتقن.

أعطِ التفاصيل حقها، الفرق بين العمل الجيد والمتقن لا يكمن في الكبير وإنما في الصغير الذي يظنه كثيرون لا يستحق الاهتمام.

حاسب نفسك في نهاية كل يوم،  سؤال واحد كافٍ هل أعطيت عملي اليوم ما يستحق؟ من اعتاد هذا السؤال لم يستطع أن يتهاون طويلًا.

اطلب التغذية الراجعة ولا تخشَها، من يعمل في فقاعة مغلقة يظن دائمًا أنه يُتقن. الرأي الآخر مرآة تكشف ما لا تراه عين صاحبه، وتقبّله شجاعة قبل أن يكون تواضعاً.

تعلّم من أهل الإتقان، الجلوس إلى متقن واحد يُعلّمك ما لا تُعلّمك إياه سنوات من العمل المنفرد، ابحث عنهم في بيئتك واقترب منهم.

 لا تنتظر الظروف المثالية، كثيرون يؤجلون الإتقان حتى تتحسن الأدوات أو يرتفع الراتب أو تتغير الإدارة، والإتقان الحقيقي هو الذي يصمد رغم الظروف لا بسببها.

علّم من حولك، حين تنقل ثقافة الإتقان إلى زميل أو مرؤوس تمنحه مهارة وتُرسّخها في نفسك أنت قبله.

هذه الخطوات لا تحتاج ميزانية ولا إذنا من أحد. تحتاج فقط قراراً يتجدد كل يوم، وضميراً يرفض أن يقبل بأقل مما يستطيع.

الإتقان... حين يصبح هوية

في نهاية المطاف الإتقان ليس مجرد أسلوب عمل يمكن تبديله أو الاستغناء عنه هو هوية، حين يتجذّر في الإنسان يصبح جزءاً منه، لا يستريح إلا حين يُعطي عمله حقه، ولا يطمئن إلا حين يخرج من بين يديه ما يستحق أن يُنسب إليه.

والمسلم تحديدًا أمام معادلة لا تحتمل التهاون، فهو لا يعمل في فراغ ولا يعيش لنفسه وحده، عمله شهادة على دينه وإتقانه رسالة بلا كلمات تقول لمن حوله إن الإسلام يُخرج أناساً يُؤتمنون ويُعتمد عليهم.

وحين يجلس في نهاية عمره ويتأمل ما صنعت يداه وما أثّر فيه عقله، لن يسأل نفسه كم راتبًا قبض وإنما كم عملًا أتقن وكم إنسانًا نفع، وكم مرة أعطى أكثر مما طُلب منه.

الاستثمار الحقيقي مدى الحياة هو ما تزرعه في كل يوم عمل تعيشه. وهذا الزرع لا يضيع لا في الدنيا حين تحصد ثماره في رزقك وسمعتك، ولا في الآخرة حين تجد كل عمل متقن في ميزانك.

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]. 

.

د. علي شيخون

عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم