يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "الجهاد أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين."
جهاد النفس أربع مراتب
إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى، ودين الحق الذي لا فلاح لها، ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها علمه، شقيت في الدارين.
الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها.
الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه، ولا ينجيه من عذاب الله.
الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله، وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله.
فإذا استكمل هذه المراتب الأربع، صار من الربانيين، فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى (ربانياً) حتى يعرف الحق، ويعمل به، ويعلمه، فمن علم وعلّم، فذاك يدعى عظيماً في ملكوت السماوات.
ويقول الشيخ العلامة الدكتور مصطفى السباعي -رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة- في مقالة له بعنوان” الإسلام ودعاته” نشره في مجلة حضارة الإسلام العدد الخامس بتاريخ تشرين الثاني عام 1961م:
“ما يزال الإسلام العظيم يصارع الديانات الباطلة والمذاهب الضالة، ويقاوم المؤامرات التي تحاك ضده من هنا وهناك، ويقف في وجه الفساد والمفسدين، ويعلن للدنيا الغارقة في لجج من الخصومات، مبادئه النبيلة الكريمة في الأمن والسلام، ويدعو الناس جميعاً إلى التعاون على البر والتقوى، وينهاهم على التعاون على الإثم والعدوان، ويدعوهم إلى التعاون على البناء لا الهدم، وعلى الإصلاح لا الفساد، وعلى الهداية لا الضلال، وما يزال الناس غافلين عن دوره الكبير في إصلاح أمورهم، لو أصغوا إلى ندائه، واستجابوا لدعوته، ونزلوا عند أحكامه في أوامره ونواهيه.
والإسلام كدينٍ خالد يمثل الحق في أروع صوره وأعظمها نقاء، يجد في كل جيل جنوداً يبذلون في سبيله المهج والأرواح، ويستلذون في سبيل دعوته المرّ والصعب، لا يعرف اليأس إلى قلوبهم سبيلاً، ولا الملل إلى عزائمهم طريقاً. وهذا تاريخ الإسلام منذ بزوغ فجره حتى اليوم ما يزال تتلاحق فيه أفواج الدعاة جيلاً بعد جيل، كلما هلك منهم علم قام من بعده أعلام، وكلما هوى منهم في الطريق مصلح تتالى من بعده مصلحون وكلّما هزتهم نكبة ارتفعت رؤوسهم من بعدها شرفاء صادقين لا تزيدهم النكبات إلا صدق عزيمة وشدّة مراس.
ودعاة الإسلام اليوم مدعوون لمتابعة طريقهم الذي اختاروه لأنفسهم وهم عارفون بما يلحقهم من أذى وحرمان وهجوم وعدوان، متخذين من الأحداث التي عاصروها فرأوا فيها ما أهوى بالضربات على رؤوسهم أحياناً، وما أحاط بسمعتهم وكرامتهم من افتراء وتشويه أحياناً أخرى، عِبراً تجنبهم عثرات المستقبل، وتبصرهم الطريق الصحيح إلى نشر الإسلام السمح النيّر كما أنزله الله تعالى بين أبناء أمتهم والآخرين الذين لا يزالون يزورّون له ويكيدون له وتمتلئ نفوسهم حقداً عليه.
ولعل من أكبر تلك العظات أن يعرفوا كيف يحزمون أمرهم متعاونين غير مختلفين، قد حددوا أهدافهم ووسائلهم بدقة وإحكام، وقدّموا للناس ما جاء به الإسلام من حل لمشكلات المجتمع بتفصيل ووضوح، وميزوا بين أصدقائه وبين أعدائه بعلامات لا مجال فيها للهوى ولا للحب ولا لا للبغض ولا للمصلحة الذاتية، وإنما تستوحى من المقاييس الواضحة في كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومبادىء الإسلام الثابتة وأهدافه العليا، فلا يلتبس عندهم الأمر بين الصديق والعدو، ولا بين المسالم والمحارب، ولا بين المحب والمبغض.
وقد يكون من تلك العظات أن لا يدلوا على الناس إن أحسنوا العمل، وبذلوا النصح، وصدقوا في الدعوة، فإن الإعجاب بالعمل محبط للأجر مجلبة للذم نوأن لا يتهربوا من علاج الأخطاء حين تتضح لهم، فإن الخطأ منار يهدي السالكين إلى الطريق الصحيح.
ومن أكبر تلك العظات أن يدركوا أن تبليغ رسالة الإسلام إلى الناس وإقناعهم بها ليس بالأمر السهل ولا بالمنال القريب كما كانوا يتصورون، فالأعداء كثر، والأهواء شتى، والغفلة عميقة، وحبائل الشيطان تمتد ذات اليمين وذات الشمال، ولم تكن الضالاة في عصر من العصور كما هي في عصرنا الحاضر، أشد سلطاناً وأكثر خداعاً وأقوى إغراءً وأبلغ فتنة.
إن الإسلام يخوض في عصرنا الحاضر معارك متلاحقة لا أغالي إذ قلت أنها أكثر معارك الإسلام عنفاً وكيداً وبعد مدى، ولسنا نشك في أن الله تبارك وتعالى ناصر دينه، ومعزّ كلمته، ومخزي أعدائه، فليشمر عن ساعده من أعد لهذه المعارك جلباباً من الصبر والتقوى والأمل، وليثق بوعد الله من آمن بالله واليوم الآخر: ﴿إنّا لننصرُ رُسلَنا والذين آمنوا في الحياةِ الدُّنيا ويومَ يقومُ الأشهادُ* يومَ لا ينفعُ الظَّالمينَ معذرتُهم ولهمُ اللَّعنةُ ولهم سوءُ الدَّارِ﴾[غافر 51 ـ 52].
العلم والعمل أساس الدعوة الصادقة
ويقول الشيخ العلامة محمد صالح الفرفور رحمه الله: “أنصح لإخواني من حملة العلم الشريف:
1 ـ يجب على العالم أن يُخلص في علمه لله، ويعلم أنه فريضة عليه ليعبد الله كما أمره، لا كما تهوى نفسه، ويعلم أن ليس له فضل في طلب العلم، بل الفضل لله الذي وفقه لذلك ليعلم كيف يعبده، ويؤدي فرائضه ويجتنب نواهيه.
2 ـ فإذا ذاع ذكره بين المؤمنين أنه من أهل العلم، وأذنه شيوخه وأجازوه حين حصول الأهلية فيه، وقصده الناس ليأخذوا عنه ما يحتاجون إليه من علمه، فعليه بالتواضع والسكينة للناس، فتزداد محبته في قلوب الخلق، فيحبون قربه، وتحنّ قلوبهم إليه، ويكثر الدعاء له في حضوره وغيابه، حتى أنهم ليشتاقون لرؤيته، ويأمنون بطلعته، ويتبركون بدعائه.
3 ـ أنه يجب عليه ألا يطلب بعلمه حظوة ولا منزلة عند الملوك والأمراء، ولا لايبتغي على علمه شيئاً من الدنيا إلا ما ساقه الله إليه من غير استشراف، وإذا قصد الملوك إنما يقصدهم لمهمات الأمة لا لمهمات نفسه، والله مُطلّعٌ على قلبه يعلم السر وأخفى، فإن الملوك والأمراء يريدون أن يكافئوا العلماء إذا جاؤوهم بما ينفعهم في دنياهم، وهنا زلة الأقدام عند حُبِّ الدنيا.
4 ـ أن يقصد من العلوم علماً أكثر نفعاً من غيره للأمّة، وأفضل العلم ما عُمل به وانتفع بثمرته. وقال:(إن أبعدهم من الله عالمٌ لا ينتفع بعلمه) فالعلم أولاً، ثم العمل، ثم الإخلاص، وهو المقصد الأسمى، والركن الأساسي لطلب العلم لما يرضي الله عز وجل. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالمٌ لم ينفعه علمه”.
5 ـ أن يتحمل من العامة ويصبر عليهم، فإنهم قد لا يعلمون قدر العلماء، فليعاملهم بحسن الخلق، ولا يؤخذاهم في العثرات، وأن يكظم غيظه عند الغضب، وليعف وليصفح عمّن أساء إليه، ولا يجيب السفيه بالسفاهة، بل يجيبه بالصمت والإعراض عنه والحلم، ولا ينام إلا سليم القلب، وليسامح كل من أساء إليه وآذاه.
.