بحوث ودراسات

النظام الإسلامي ووضع غير المسلمين - المبحث الثاني (2)

النظام الإسلامي ووضع غير المسلمين - المبحث الثاني (2)

حــق الحماية

الحماية من الاعتداء الخارجي

الحماية من الظلم الداخلي

حماية الدماء والأبدان

حماية الأموال

حماية الأعراض

التأمين عند العجز والشيخوخة والفقر

 

حق الحماية

الحماية من الاعتداء الخارجي

أما الحماية من الاعتداء الخارجي، فيجب لهم ما يجب للمسلمين، وعلى الإمام أو ولي الأمر في المسلمين، أن يوفر لهم هذه الحماية، قال في "مطالب أولي النهى" من كتب الحنابلة : "يجب على الإمام حفظ أهل الذمة ومنع مَن يؤذيهم، وفك أسرهم، ودفع مَن قصدهم بأذى إن لم يكونوا بدار حرب، بل كانوا بدارنا، ولو كانوا منفردين ببلد". [مطالب أولي النهى ج ـ 2 ص 602 – 603].

وينقل الإمام القرافي المالكي في كتابه "الفروق" قول الإمام الظاهري ابن حزم في كتابه "مراتب الإجماع": "إن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك، صونًا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله -ﷺ- فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة". [الفروق ج ـ 3 ص 14 - 15 - الفرق التاسع عشر والمائة]. وحكى في ذلك إجماع الأمة.

 

ومن المواقف التطبيقية لهذا المبدأ الإسلامي، موقف شيخ الإسلام ابن تيمية، حينما تغلب التتار على الشام، وذهب الشيخ ليكلم "قطلوشاه" في إطلاق الأسرى، فسمح القائد التتري للشيخ بإطلاق أسرى المسلمين، وأبى أن يسمح له بإطلاق أهل الذمة، فما كان من شيخ الإسلام إلا أن قال: لا نرضى إلا بافتكاك جميع الأسارى من اليهود والنصارى، فهم أهل ذمتنا، ولا ندع أسيراً، لا من أهل الذمة، ولا من أهل الملة، فلما رأى إصراره وتشدده أطلقهم له.

 

الحماية من الظلم الداخلي

وأما الحماية من الظلم الداخلي، فهو أمر يوجبه الإسلام ويشدد في وجوبه، ويحذر المسلمين أن يمدوا أيديهم أو ألسنتهم إلى أهل الذمة بأذى أو عدوان، فالله تعالى لا يحب الظالمين ولا يهديهم، بل يعاجلهم بعذابه في الدنيا، أو يؤخر لهم العقاب مضاعفاً في الآخرة.

وقد تكاثرت الآيات والأحاديث الواردة في تحريم الظلم وتقبيحه، وبيان آثاره الوخيمة في الآخرة والأولى، وجاءت أحاديث خاصة تحذر من ظلم غير المسلمين من أهل العهد والذمة.

يقول الرسول ﷺ: "من ظلم معاهدًا أو انتقصه حقًا أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة". [رواه أبو داود والبيهقي . انظر: السنن الكبرى ج ـ 5 ص 205].

ويروى عنه: "من آذى ذِمِّيًّا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة". [رواه الخطيب بإسناد حسن]. 

وعنه أيضًا: "من آذى ذميًّا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله". [رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن].

وفي عهد النبي -ﷺ- لأهل نجران أنه: "لا يؤخذ منهم رجل بظلمِ آخر". [رواه أبو يوسف في الخراج ص 72 - 73]. 

ولهذا كله اشتدت عناية المسلمين منذ عهد الخلفاء الراشدين، بدفع الظلم عن أهل الذمة، وكف الأذى عنهم، والتحقيق في كل شكوى تأتي من قِبَلِهم.

كان عمر -رضي الله عنه- يسأل الوافدين عليه من الأقاليم عن حال أهل الذمة، خشية أن يكون أحد من المسلمين قد أفضى إليهم بأذى، فيقولون له: " ما نعلم إلا وفاءً" “تاريخ الطبري ج ـ 4 ص 218” أي بمقتضى العهد والعقد الذي بينهم وبين المسلمين، وهذا يقتضي أن كلاً من الطرفين وفَّى بما عليه.

وعليٌّ بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: "إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا" [المغني ج ـ 8 ص 445، البدائع ج ـ 7 ص 111 نقلًا عن أحكام الذميين والمستأمنين ص 89].

وفقهاء المسلمين من جميع المذاهب الاجتهادية صرَّحوا وأكدوا بأن على المسلمين دفع الظلم عن أهل الذمة والمحافظة عليهم؛ لأن المسلمين حين أعطوهم الذمة قد التزموا دفع الظلم عنهم، وهم صاروا به من أهل دار الإسلام، بل صرَّح بعضهم بأن ظلم ال ذمي أشد من ظلم المسلم إثمًا [ذكر ذلك ابن عابدين في حاشيته، وهو مبني على أن الذمي في دار الإسلام أضعف شوكة عادة، وظلم القوي للضعيف أعظم في الإثم].

 

حماية الدماء والأبدان

حق الحماية المقرر لأهل الذمة يتضمن حماية دمائهم وأنفسهم وأبدانهم، كما يتضمن حماية أموالهم وأعراضهم ..

فدماؤهم وأنفسهم معصومة باتفاق المسلمين، وقتلهم حرام بالإجماع ؛ يقول الرسول ﷺ: "من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا" .[رواه أحمد والبخاري في الجزية، والنسائي وابن ماجة في الديات من حديث عبد الله بن عمرو]. 

والمعاهد كما قال ابن الأثير: أكثر ما يطلق على أهل الذمة، وقد يطلق على غيرهم من الكفار إذا صولحوا على ترك الحرب. [فيض القدير ج ـ 6 ص 153].

 

ولهذا أجمع فقهاء الإسلام على أن قتل الذمي كبيرة من كبائر المحرمات لهذا الوعيد في الحديث ولكنهم اختلفوا: هل يُقتل المسلم بالذمي إذا قتله؟.

ذهب جمهور الفقهاء ومنهم الشافعي وأحمد إلى أن المسلم لا يُقتل بالذمي مستدلين بالحديث الصحيح: "لا يُقتل مسلم بكافر" [رواه أحمد والبخاري والنسائي وأبو داود والترمذي من حديث علي، كما في المنتقى وشرحه]. 

 

وقال مالك والليث: إذا قتل المسلم الذمي غيلة يُقتل به وإلا لم يُقتل به. [نيل الأوطار ج ـ 7 ص 154] وهو الذي فعله أبَان بن عثمان حين كان أميرًا على المدينة، وقتل رجل مسلم رجلًا من القبط، قتله غيلة، فقتله به، وأبَان معدود من فقهاء المدينة. [انظر: الجوهر النقي مع السنن الكبرى ج ـ 8 ص 34].

وما روي أن عليًّا أُتي برجل من المسلمين قتل رجلًا من أهل الذمة، فقامت عليه البيِّنة، فأمر بقتله، فجاء أخوه فقال: إني قد عفوت، قال: فلعلهم هددوك وفرقوك، قال: لا، ولكن قتله لا يرد علَيَّ أخي، وعوَّضوا لي ورضيتُ . قال: أنت أعلم؛ من كانت له ذمتنا فدمه كدمنا، وديته كديتنا. [أخرجه الطبراني والبيهقي]. [السنن الكبرى ج ـ 8 ص 34].

وقد صح عن عمر بن عبدالعزيز: أنه كتب إلى بعض أمرائه في مسلم قتل ذميًّا، فأمره أن يدفعه إلى وليه، فإن شاء قتله، وإن شاء عفا عنه .. فدُفِعَ إليه فضرب عنقه.  [المصنف لعبد الرزاق ج ـ 10 ص 101، 102].

 

 وأما قوله -ﷺ-: "لا يُقتل مسلم بكافر"، فالمراد بالكافر الحربي، وبذلك تتفق النصوص ولا تختلف. [يراجع في ذلك ما كتبه الإمام الجصاص في كتابه "أحكام القرآن" ج ـ 1 باب قتل المسلم بالكافر ص 140 144 ط . استنابول طبعة مصورة في بيروت]. 

وهذا هو المذهب الذي اعتمدته الخلافة العثمانية ونفذته في أقاليمها المختلفة منذ عدة قرون، إلى أن هُدِمت الخلافة في هذا القرن، بسعي أعداء الإسلام.

 

وكما حمى الإسلام أنفسهم من القتل حمى أبدانهم من الضرب والتعذيب فلا يجوز إلحاق الأذى بأجسامهم، ولو تأخروا أو امتنعوا عن أداء الواجبات المالية المقررة عليهم كالجزية والخراج، هذا مع أن الإسلام تشدد كل التشدد مع المسلمين إذا منعوا الزكاة.

ولم يُجِزْ الفقهاء في أمر الذميين المانعين أكثر من أن يُحبَسوا تأديبًا لهم، بدون أن يصحب الحبس أي تعذيب أو أشغال شاقة، وفي ذلك يكتب أبو يوسف: أن حكيم بن هشام أحد الصحابة رضي الله عنه رأى رجلاً “وهو على حمص” يشمِّس ناسًا من النبط “أي يوقفهم تحت حر الشمس” في أداء الجزية فقال: ما هذا! ‍سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إن الله عز وجل يُعذِّب الذين يعذبون الناس في الدنيا"، وقد رواه مسلم في الصحيح. [الخراج لأبي يوسف ص 125، وانظر: السنن الكبرى للبيهقي ج ـ 9 ص 205].

وكتب عليٌّ -رضي الله عنه- إلى بعض ولاته على الخراج: "إذا قدمتَ عليهم فلا تبيعن لهم كسوة شتاءً ولا صيفًا، ولا رزقًا يأكلونه، ولا دابة يعملون عليها، ولا تضربن أحدًا منهم سوطًا واحدًا في درهم، ولا تقمه على رجله في طلب درهم، ولا تبع لأحد منهم عَرضًا “متاعًا” في شيء من الخراج، فإنما أُمِرنا أن نأخذ منهم العفو، فإن أنت خالفتَ ما أمرتك به، يأخذك الله به دوني، وإن بلغني عنك خلاف ذلك عزلتك". قال الوالي: إذن أرجع إليك كما خرجت من عندك! “يعني أن الناس لا يُدفعون إلا بالشدة” قال: وإن رجعتَ كما خرجتَ". [الخراج لأبي يوسف ص 15 - 16، وانظر: السنن الكبرى أيضًا ج ـ 9 ص 205].

 

حماية الأموال

ومثل حماية الأنفس والأبدان حماية الأموال، هذا مما اتفق عليه المسلمون في جميع المذاهب، وفي جميع الأقطار، ومختلف العصور.

روى أبو يوسف في "الخراج" ما جاء في عهد النبي -ﷺ- لأهل نجران: "ولنجران وحاشيتها جوار الله، وذمة محمد النبي رسول الله -ﷺ- على أموالهم وملتهم وبِيَعهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير... ". [الخراج ص 72].

وفي عهد عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح -رضي الله عنهما- أن: "امنع المسلمين من ظلمهم والإضرار بهم، وأكل أموالهم إلا بحلها". وقد مرَّ بنا قول علي -رضي الله عنه- "إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا" وعلى هذا استقر عمل المسلمين طوال العصور.

فمَن سرق مال ذمي قُطعت يده، ومَن غصبه عُزِّر، وأعيد المال إلى صاحبه، ومَن استدان من ذمي فعليه أن يقضي دينه، فإن مطله وهو غني حبسه الحاكم حتى يؤدي ما عليه، شأنه في ذلك شأن المسلم ولا فرق.

وبلغ من رعاية الإسلام لحرمة أموالهم وممتلكاتهم أنه يحترم ما يعدونه -حسب دينهم- مالاً وإن لم يكن مالًا في نظر المسلمين.

فالخمر والخنزير لا يعتبران عند المسلمين مالاً مُتقَوَّمًا، ومَن أتلف لمسلم خمرًا أو خنزيرًا لا غرامة عليه ولا تأديب، بل هو مثاب مأجور على ذلك، لأنه يُغيِّر منكرًا في دينه، يجب عليه تغييره أو يستحب، حسب استطاعته، ولا يجوز للمسلم أن يمتلك هذين الشيئين لا لنفسه ولا ليبيعها للغير.

أما الخمر والخنزير إذا ملكهما غير المسلم، فهما مالان عنده، بل من أنفس الأموال، كما قال فقهاء الحنفية، فمن أتلفهما على الذمي غُرِّمَ قيمتهما . “اختلف الفقهاء في ذلك، والذي ذكر هو مذهب الحنفية”.

 

حماية الأعراض

ويحمي الإسلام عِرض الذمي وكرامته، كما يحمي عِرض المسلم وكرامته، فلا يجوز لأحد أن يسبه أو يتهمه بالباطل، أو يشنع عليه بالكذب، أو يغتابه، ويذكره بما يكره، في نفسه، أو نسبه، أو خَلْقِه، أو خُلُقه أو غير ذلك مما يتعلق به.

يقول الفقيه الأصولي المالكي شهاب الدين القرافي في كتاب "الفروق": "إن عقد الذمة يوجب لهم حقوقًا علينا، لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا “حمايتنا” وذمتنا وذمة الله تعالى، وذمة رسول الله ﷺ، ودين الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة، فقد ضيَّع ذمة الله، وذمة رسوله ﷺ، وذمة دين الإسلام". [الفروق ج ـ 3 ص 14 الفرق التاسع عشر والمائة].

وفي الدر المختار (من كتب الحنفية): " يجب كف الأذى عن الذمي وتحرم غيبته كالمسلم".

ويعلق العلامة ابن عابدين على ذلك بقوله: لأنه بعقد الذمة وجب له ما لنا، فإذا حرمت غيبة المسلم حرمت غيبته، بل قالوا: إن ظلم الذمي أشد . [الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ج ـ 3 ص 244 - 246 ط . استانبول].

 

التأمين عند العجز والشيخوخة والفقر

وأكثر من ذلك أن الإسلام ضمن لغير المسلمين في ظل دولته، كفالة المعيشة الملائمة لهم ولمن يعولونه، لأنهم رعية للدولة المسلمة وهي مسئولة عن كل رعاياها، قال رسول الله ﷺ: "كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته" . [متفق عليه من حديث ابن عمر].

وهذا ما مضت به سُنَّة الراشدين ومَن بعدهم.

ففي عقد الذمة الذي كتبه خالد بن الوليد لأهل الحيرة بالعراق، وكانوا من النصارى: "وجعلت لهم، أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيًّا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته وعِيل من بيت مال المسلمين هو وعياله". [رواه أبو يوسف في "الخراج" ص 144]. وكان هذا في عهد أبي بكر الصِّدِّيق، وبحضرة عدد كبير من الصحابة، وقد كتب خالد به إلى الصِّدِّيق ولم ينكر عليه أحد، ومثل هذا يُعَد إجماعًا.

ورأى عمر بن الخطاب شيخًا يهوديًا يسأل الناس، فسأله عن ذلك، فعرف أن الشيخوخة والحاجة ألجأتاه إلى ذلك، فأخذه وذهب به إلى خازن بيت مال المسلمين، وأمره أن يفرض له ولأمثاله من بيت المال ما يكفيهم ويصلح شأنهم، وقال في ذلك: ما أنصفناه إذ أخذنا منه الجزية شابًا، ثم نخذله عند الهرم! [المصدر السابق ص 126].

وعند مقدمهِ "الجابية" من أرض دمشق مَرَّ في طريقه بقوم مجذومين من النصارى، فأمر أن يعطوا من الصدقات، وأن يجرى عليهم القوت. [البلاذري في فتوح البلدان ص 177 ط. بيروت]. أي تتولى الدولة القيام بطعامهم ومؤونتهم بصفة منتظمة.

وبهذا تقرر الضمان الاجتماعي في الإسلام، باعتباره "مبدأً عامًا" يشمل أبناء المجتمع جميعًا، مسلمين وغير مسلمين، ولا يجوز أن يبقى في المجتمع المسلم إنسان محروم من الطعام أو الكسوة أو المأوى أو العلاج، فإن دفع الضرر عنه واجب ديني، مسلمًا كان أو ذميًّا.

وذكر الإمام النووي في "المنهاج" أن من فروض الكفاية: دفع ضرر المسلمين ككسوة عار، أو إطعام جائع إذا لم يندفع بزكاة وبيت مال.

ووضح العلامة شمس الدين الرملي الشافعي في [نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج] أن أهل الذمة كالمسلمين في ذلك، فدفع الضرر عنهم واجب.

 

حرية التدين

ويحمي الإسلام فيما يحميه من حقوق أهل الذمة حق الحرية، وأول هذه الحريات: حرية الاعتقاد والتعبد، فلكل ذي دين دينه ومذهبه، لا يُجبر على تركه إلى غيره، ولا يُضغط عليه ليتحول منه إلى الإسلام.

وأساس هذا الحق قوله تعالى:﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ…﴾ [البقرة: 256] وقوله سبحانه:﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ[يونس: 99].

قال ابن كثير في تفسير الآية الأولى: أي لا تُكرِهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بَيِّن واضح، جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه.

وسبب نزول الآية كما ذكر المفسرون يبين جانبًا من إعجاز هذا الدين، فقد رووا عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مقلاة -قليلة النسل- فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تُهَوِّدَه “كان يفعل ذلك نساء الأنصار في الجاهلية” فلما أُجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقال آباؤهم: لا ندع أبناءنا “يعنون: لا ندعهم يعتنقون اليهودية” فأنزل الله عز وجل هذه الآية: “لا إكراه في الدين”. “نسبه ابن كثير إلى ابن جرير، قال: [قد رواه أبو داود والنسائي وابن أبي حاتم وابن حيان في صحيحه وهكذا ذكر مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وغيرهم أنها نزلت في ذلك] [تفسير ابن كثير ج ـ 1 ص 310]ٍ.

فرغم أن محاولات الإكراه كانت من آباء يريدون حماية أبنائهم من التبعية لأعدائهم المحاربين الذين يخالفونهم في دينهم وقوميتهم، ورغم الظروف الخاصة التي دخل بها الأبناء دين اليهودية وهم صغار، ورغم ما كان يسود العالم كله حينذاك من موجات التعب والاضطهاد للمخالفين في المذهب، فضلاً عن الدين، كما كان في مذهب الدولة الرومانية التي خيَّرت رعاياها حينًا بين التنصر والقتل، فلما تبنت المذهب "الملكاني" أقامت المذابح لكل مَن لا يدين به من المسيحيين من اليعاقبة وغيرهم.

رغم كل هذا، رفض القرآن الكريم الإكراه، بل مَن هداه الله وشرح صدره ونوَّر بصيرته دخل فيه على بيِّنة، ومَن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مُكرَهًا مقسورًا ـ كما قال ابن كثيرـ . فالإيمان عند المسلمين ليس مجرد كلمة تُلفظ باللسان أو طقوس تُؤدَّى بالأبدان، بل أساسه إقرار القلب وإذعانه وتسليمه.

ولهذا لم يعرف التاريخ شعبًا مسلمًا حاول إجبار أهل الذمة على الإسلام، كما أقر بذلك المؤرخون الغربيون أنفسهم.

 

وكذلك صان الإسلام لغير المسلمين معابدهم ورعى حرمة شعائرهم، بل جعل القرآن من أسباب الإذن في القتال حماية حرية العبادة، وذلك في قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: 39 - 40].

 

وقد رأينا كيف اشتمل عهد النبي -ﷺ- إلى أهل نجران، أن لهم جوار الله وذمة رسوله على أموالهم وملَّتهم وبِيَعهم.

وفي عهد عمر بن الخطاب إلى أهل إيلياء “القدس” نص على حُريتهم الدينية، وحرمة معابدهم وشعائرهم: "هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان: أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسائر ملَّتها، لا تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم ولا ينتقص منها، ولا من حيزها، ولا من صليبها، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم. ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود. (كما رواه الطبري). [تاريخ الطبري ط . دار المعارف بمصر ج ـ 3 ص 609].

وفي عهد خالد بن الوليد لأهل عانات: "ولهم أن يضربوا نواقيسهم في أي ساعة شاءوا من ليل أو نهار، إلا في أوقات الصلاة، وأن يخرجوا الصلبان في أيام عيدهم". [الخراج لأبي يوسف ص 146].

 

وهذا التسامح مع المخالفين في الدين من قوم قامت حياتهم كلها على الدين، وتم لهم به النصر والغلبة، أمر لم يُعهد في تاريخ الديانات، وهذا ما شهد به الغربيون أنفسهم.

يقول العلامة الفرنسي جوستاف لوبون: "رأينا من آي القرآن التي ذكرناها آنفًا أن مسامحة محمد لليهود والنصارى كانت عظيمة إلى الغاية، وأنه لم يقل بمثلها مؤسسو الأديان التي ظهرت قبله كاليهودية والنصرانية على وجه الخصوص، وسنرى كيف سار خلفاؤه على سنته" .

وقد اعترف بذلك التسامح بعض علماء أوروبا المرتابون أو المؤمنون القليلون الذين أمعنوا النظر في تاريخ العرب، والعبارات الآتية التي أقتطفها من كتب الكثيرين منهم تثبت أن رأينا في هذه المسألة ليس خاصًّا بنا. 

قال روبرتسن في كتابه "تاريخ شارلكن": "إن المسلمين وحدهم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وروح التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى وأنهم مع امتشاقهم الحسام نشرًا لدينهم، تركوا مَن لم يرغبوا فيه أحرارًا في التمسك بتعاليمهم الدينية". [حاشية من صفحة 128 من كتاب "حضارة العرب" لجوستاف لوبون]. 

 

حرية العمل والكسب

لغير المسلمين حرية العمل والكسب، بالتعاقد مع غيرهم، أو بالعمل لحساب أنفسهم، ومزاولة ما يختارون من المهن الحرة، ومباشرة ما يريدون من ألوان النشاط الاقتصادي، شأنهم في ذلك شأن المسلمين.

فقد قرر الفقهاء أن أهل الذمة في البيوع والتجارات وسائر العقود والمعاملات المالية كالمسلمين، ولم يستثنوا من ذلك إلا عقد الربا، فإنه محرم عليهم كالمسلمين وقد رُوِي أن النبي -ﷺ- كتب إلى مجوس هجر: "إما أن تذروا الربا أو تأذنوا بحرب من الله ورسوله".

كما يمنع أهل الذمة من بيع الخمور والخنازير في أمصار المسلمين، وفتح الحانات فيها لشرب الخمر وتسهيل تداولها أو إدخالها إلى أمصار المسلمين على وجه الشهرة والظهور، ولو كان ذلك لاستمتاعهم الخاص، سدًا لذريعة الفساد وإغلاقًا لباب الفتنة.

وفيما عدا هذه الأمور المحدودة، يتمتع الذميون بتمام حريتهم، في مباشرة التجارات والصناعات والحِرَف المختلفة . وهذا ما جرى عليه الأمر، ونطق به تاريخ المسلمين في شَتَّى الأزمان . وكادت بعض المهن تكون مقصورة عليهم كالصيرفة والصيدلة وغيرها . واستمر ذلك إلى وقت قريب في كثير من بلاد الإسلام . وقد جمعوا من وراء ذلك ثروات طائلة معفاة من الزكاة ومن كل ضريبة إلا الجزية، وهي ضريبة على الأشخاص القادرين على حمل السلاح، كما سيأتي، وهي مقدار جد زهيد.

قال آدم ميتز: "ولم يكن في التشريع الإسلامي ما يغلق دون أهل الذمة أي باب من أبواب الأعمال، وكانت قدمهم راسخة في الصنائع التي تدر الأرباح الوافرة، فكانوا صيارفة وتجارًا وأصحاب ضياع وأطباء، بل إن أهل الذمة نظموا أنفسهم، بحيث كان معظم الصيارفة الجهابذة في الشام مثلاً يهودًا. على حين كان أكثر الأطباء والكتبة نصارى . وكان رئيس النصارى ببغداد هو طبيب الخليفة، وكان رؤساء اليهود وجهابذتهم عنده ". [الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري" للأستاذ آدم ميتز أستاذ اللغات الشرقية بجامعة "بازل" بسويسرا . ترجمة الأستاذ محمد عبدالهادي أبو ريدة الطبعة الرابعة، فصل: اليهود والنصارى ج1 ص86]. 

 

تولي وظائف الدولة

ولأهل الذمة الحق في تولى وظائف الدولة كالمسلمين .. إلا ما غلب عليه الصبغة الدينية كالإمامة ورئاسة الدولة والقيادة في الجيش، والقضاء بين المسلمين، والولاية على الصدقات ونحو ذلك.

فالإمامة أو الخلافة رياسة عامة في الدين والدنيا، خلافة عن النبي -ﷺ- ولا يجوز أن يخلف النبي في ذلك إلا مسلم، ولا يعقل أن ينفذ أحكام الإسلام ويرعاها إلا مسلم.

وقيادة الجيش ليست عملاً مدنيًا صرفًا، بل هي عمل من أعمال العبادة في الإسلام إذ الجهاد في قمة العبادات الإسلامية.

والقضاء إنما هو حكم بالشريعة الإسلامية، ولا يطلب من غير المسلم أن يحكم بما لا يؤمن به.

ومثل ذلك الولاية على الصدقات ونحوها من الوظائف الدينية.

وماعدا ذلك من وظائف الدولة يجوز إسناده إلى أهل الذمة إذا تحققت فيهم الشروط التي لا بد منها من الكفاية والأمانة والإخلاص للدولة . بخلاف الحاقدين الذين تدل الدلائل على بغض مستحكم منهم للمسلمين، كالذين قال الله فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: 118].

وقد بلغ التسامح بالمسلمين أن صرح فقهاء كبار -مثل الماوردي في "الأحكام السلطانية"- بجواز تقليد الذمي "وزارة التنفيذ". 

ووزير التنفيذ هو الذي يبلغ أوامر الإمام ويقوم بتنفيذها ويمضي ما يصدر عنه من أحكام.

وهذا بخلاف "وزارة التفويض" التي يكل فيها الإمام إلى الوزير تدبير الأمور السياسية والإدارية والاقتصادية بما يراه.

وقد تولى الوزارة في زمن العباسيين بعض النصارى أكثر من مرة، منهم نصر بن هارون سنة 369 هـ، وعيسى بن نسطورس سنة 380هـ . وقبل ذلك كان لمعاوية بن أبي سفيان كاتب نصراني اسمه سرجون.

 

وقد قال المؤرخ الغربي آدم ميتز في كتابه "الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري" [الجزء الأول ص105]: "من الأمور التي نعجب لها كثرة عدد العمال “الولاة وكبار الموظفين” والمتصرفين غير المسلمين في الدولة الإسلامية، فكأن النصارى هم الذين يحكمون المسلمين في بلاد الإسلام والشكوى من تحكيم أهل الذمة في أبشار المسلمين شكوى قديمة".

 

وآخر ما سجَّله التاريخ من ذلك ما سارت عليه الدولة العثمانية في عهدها الأخير بحيث أسندت كثيرًا من وظائفها الهامة والحساسة إلى رعاياها من غير المسلمين، ممن لا يألونها خبالاً، وجعلت أكثر سفرائها ووكلائها في بلاد الأجانب من النصارى.

 

 

ضمانات الوفاء بهذه الحقوق

لقد قررت الشريعة الإسلامية لغير المسلمين كل تلك الحقوق، وكفلت لهم كل تلك الحريات، وزادت على ذلك بتأكيد الوصية بحسن معاملتهم ومعاشرتهم بالتي هي أحسن.

ولكن مَن الذي يضمن الوفاء بتنفيذ هذه الحقوق، وتحقيق هذه الوصايا؟ وبخاصة أن المخالفة في الدين كثيرًا ما تقف حاجزًا دون ذلك؟

وهذا الكلام حق وصدق بالنظر إلى الدساتير الأرضية والقوانين الوضعية التي تنص على المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، ثم تظل حبرًا على ورق، لغلبة الأهواء والعصبيات، التي لم تستطع القوانين أن تنتصر عليها؛ لأن الشعب لا يشعر بقدسيتها، ولا يؤمن في قرارة نفسه بوجوب الخضوع لها والانقياد لحكمها.

 

ضمان العقيدة

أما الشريعة الإسلامية فهي شريعة الله وقانون السماء، الذي لا تبديل لكلماته، ولا جور في أحكامه، ولا يتم الإيمان إلا بطاعته، والرضا به. 

قال تعالى:﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا [الأحزاب: 36].

ولهذا يحرص كل مسلم يتمسك بدينه على تنفيذ أحكام هذه الشريعة ووصاياها، ليرضي ربه وينال ثوابه، لا يمنعه من ذلك عواطف القرابة والمودَّة، ولا مشاعر العداوة والشنآن .. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [النساء: 135].

وقال سبحانه وتعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾[المائدة: 8]. 

 

ضمان المجتمع المسلم

المجتمع الإسلامي مسئول بالتضامن عن تنفيذ الشريعة، وتطبيق أحكامها في كل الأمور، ومنها ما يتعلق بغير المسلمين ؛ فإذا قصَّر بعض الناس أو انحرف أو جار وتعدى، وجد في المجتمع مَن يرده إلى الحق، ويأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، ويقف بجانب المظلوم المعتدَى عليه، ولو كان مخالفًا له في الدين.

قد يوجد هذا كله دون أن يشكو الذمي إلى أحد، وقد يشكو ما وقع عليه من ظلم، فيجد مَن يسمع لشكواه، وينصفه من ظالمه، مهما يكن مركزه ومكانه في دنيا الناس.

فله أن يشكو إلى الوالي أو الحاكم المحلي، فيجد عنده النُصفة والحماية، فإن لم ينصفه فله أن يلجأ إلى مَن هو فوقه ؛ إلى خليفة المسلمين وأمير المؤمنين، فيجد عنده الضمان والأمان، حتى لو كانت القضية بينه وبين الخليفة نفسه، فإنه يجد الضمان لدى القضاء المستقل العادل، الذي له حق محاكمة أي مُدَّعىً عليه، ولو كان أكبر رأس في الدولة “الخليفة”! .

 

وضمان آخر: عند الفقهاء، الذين هم حماة الشريعة، وموجهو الرأي العام.

وضمان أعم وأشمل يتمثل في "الضمير الإسلامي" العام، الذي صنعته عقيدة الإسلام وتربية الإسلام، وتقاليد الإسلام.

 

والتاريخ الإسلامي مليء بالوقائع التي تدل على التزام المجتمع الإسلامي بحماية أهل الذمة من كل ظلم يمس حقوقهم المقررة، أو حرماتهم المصونة، أو حرياتهم المكفولة.

فإذا كان الظلم من أحد أفراد المسلمين إلى ذمي، فإن والي الإقليم سرعان ما ينصفه ويرفع الظلم عنه، بمجرد شكواه أو علمه بقضيته من أي طريق.

وقد شكا أحد رهبان النصارى في مصر إلى الوالي أحمد بن طولون أحد قوَّاده، لأنه ظلمه وأخذ منه مبلغًا من المال بغير حق، فما كان من ابن طولون إلا أن أحضر هذا القائد وأنَّبه وعزَّره وأخذ منه المال، ورده إلى النصراني. وقال له: لو ادعيتَ عليه أضعاف هذا المبلغ لألزمته به، وفتح بابه لكل متظلم من أهل الذمة، ولو كان المشكو من كبار القوَّاد وموظفي الدولة.

وإن كان الظلم واقعًا من الوالي نفسه أو من ذويه وحاشيته ؛ فإن إمام المسلمين وخليفتهم هو الذي يتولى ردعه ورد الحق إلى أهله.

وأشهر الأمثلة على ذلك قصة القبطي مع عمرو بن العاص والي مصر؛ حيث ضرب ابن عمرو ابن القبطي بالسوط وقال له: أنا ابن الأكرمين! فما كان من القبطي إلا أن ذهب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في المدينة وشكا إليه، فاستدعى الخليفة عمرو بن العاص وابنه، وأعطى السوط لابن القبطي وقال له: اضرب ابن الأكرمين، فلما انتهى من ضربه التفت إليه عمر وقال له: أدرها على صلعة عمرو فإنما ضربك بسلطانه، فقال القبطي: إنما ضربتُ مَن ضربني . ثم التفت عمر إلى عمرو وقال كلمته الشهيرة: "يا عمرو، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا"؟.

ومما يستحق التسجيل في هذه القصة: أن الناس قد شعروا بكرامتهم وإنسانيتهم في ظل الإسلام، حتى إن لطمة يُلطَمها أحدهم بغير حق، يستنكرها ويستقبحها، وقد كانت تقع آلاف مثل هذه الحادثة وما هو أكبر منها في عهد الرومان وغيرهم، فلا يحرك بها أحد رأسًا، ولكن شعور الفرد بحقه وكرامته في كنف الدولة الإسلامية جعل المظلوم يركب المشاق، ويتجشم وعثاء السفر الطويل من مصر إلى المدينة المنوَّرة، واثقاً بأن حقه لن يضيع، وأن شكاته ستجد أذنًا صاغية.

 

وإذا لم يصل أمر الذمي إلى الخليفة، أو كان الخليفة نفسه على طريقة واليه، فإن الرأي العام الإسلامي الذي يتمثل في فقهاء المسلمين، وفي المتدينين كافة يقف بجوار المظلوم من أهل الذمة ويسانده.

ومن الأمثلة البارزة على ذلك: موقف الإمام الأوزاعي من الوالي العباسي في زمنه، عندما أجلى قومًا من أهل الذمة من جبل لبنان، لخروج فريق منهم على عامل الخراج . وكان الوالي هذا أحد أقارب الخليفة وعصبته، وهو صالح بن عليٍّ بن عبدالله بن عباس. فكتب إليه الأوزاعي رسالة طويلة، كان مما قال فيها: "فكيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة، حتى يُخرَجوا من ديارهم وأموالهم؟ وحكم الله تعالى:﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾[النجم: 38]، وهو أحق ما وقف عنده واقتدى به . وأحق الوصايا أن تحفظ وترعى وصية رسول الله -ﷺ- فإنه قال: "من ظلم ذميًا أو كلَّفه فوق طاقته فأنا حجيجه"… إلى أن يقول في رسالته: "فإنهم ليسوا بعبيد، فتكونَ في حل من تحويلهم من بلد إلى بلد، ولكنهم أحرار أهلُ ذمة". [انظر: فتوح البلدان للبلاذري ص 222، والأموال لأبي عبيد ص 170 - 171].

 

ولم يعرف تاريخ المسلمين ظلمًا وقع على أهل الذمة واستمر طويلاَ، فقد كان الرأي العام والفقهاء معه دائمًا ضد الظلمة والمنحرفين، وسرعان ما يعود الحق إلى نصابه.

أخذ الوليد بن عبد الملك كنيسة "يوحنا" من النصارى، وأدخلها في المسجد.. فلما اسْتُخْلِفَ عمر بن عبدالعزيز شكا النصارى إليه ما فعل الوليد بهم في كنيستهم، فكتب إلى عامله برد ما زاده في المسجد عليهم، لولا أنهم تراضوا مع الوالي على أساس أن يُعوَّضوا بما يرضيهم. [فتوح البلدان ص 171 172]. 

وقصة هذه الكنيسة كما يحكيها البلاذري أن خلفاء بني أمية منذ عهد معاوية، ثم عبد الملك، حاولوا أن يسترضوا النصارى ليزيدوا مساحتها في المسجد الأموي، واسترضوهم عنها، فرفضوا، وفي أيام الوليد، جمعهم وبذل لهم مالاً عظيمًا على أن يعطوه إياها فأبوا، فقال: لئن لم تفعلوا لأهدمنها فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين، إن مَن هدم كنيسة جُنَّ وأصابته عاهة! ... 

فأغضبه قولهم، ودعا بمعول وجعل يهدم بعض حيطانها بيده، ثم جمع الفعلة والنقاضين، فهدموها. وأدخلها في المسجد، فلما اسْتُخْلِف عمر بن عبدالعزيز شكا إليه النصارى ما فعل بهم الوليد في كنيستهم . 

فكتب إلى عامله يأمره برد ما زاده في المسجد عليهم! “أي بهدمه وإعادته كنيسة” فكره أهل دمشق ذلك وقالوا: نهدم مسجدنا بعد أن أذَّنَّا فيه وصلينا دبر نبيه وفيهم يومئذ سليمان بن حبيب المحاربي وغيره من الفقهاء وأقبلوا على النصارى يسترضونهم . 

فسألوهم أن يعطوا جميع كنائس الغوطة التي أُخذت عنوة (أي عند الفتح) وصارت في أيدي المسلمين، على أن يصفحوا عن كنيسة يوحنا، ويمسكوا عن المطالبة بها، فرضوا بذلك وأعجبهم . فكتب بذلك إلى عمر فسره وأمضاه”.

وأجلى الوليد بن يزيد مَن كان بقبرص من الذميين، وأرسلهم إلى الشام مخافة حملة الروم، ورغم أنه لم يفعل ذلك إلا حماية للدولة، واحتياطًا لها في نظره، فقد غضب عليه الفقهاء وعامة المسلمين واستعظموا ذلك منه. 

فلما جاء يزيد بن الوليد وردَّهم إلى قبرص، استحسنه المسلمون، وعدوه من العدل وذكروه في مناقبه. [كما يروي ذلك المؤرخ البلاذري. نفس المرجع ص 214].

ومن مفاخر النظام الإسلامي ما منحه من سُلطة واستقلال للقضاء، ففي رحاب القضاء الإسلامي الحق، يجد المظلوم والمغبون -أيًّا كان دينه وجنسه- الضمان والأمان، لينتصف من ظالمه، ويأخذ حقه من غاصبه، ولو كان هو أمير المؤمنين بهيبته وسلطانه.

وفي تاريخ القضاء الإسلامي أمثلة ووقائع كثيرة وقف فيها السلطان أو الخليفة أمام القاضي مُدَّعيًا أو مُدَّعىً عليه، وفي كثير منها كان الحكم على الخليفة أو السلطان لصالح فرد من أفراد الشعب، لا حول له ولا طول، ونكتفي هنا بمثال واحد له دلالته الواضحة في موضوعنا.

سقطت درع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فوجدها عند رجل نصراني فاختصما إلى القاضي شريح، قال علي: الدرع درعي، ولم أبع ولم أهب، فسأل القاضي ذلك النصراني فيما يقول أمير المؤمنين، فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي، وما أمير المؤمنين عندي بكاذب. فالتفت شريح إلى علي يسأله: يا أمير المؤمنين، هل لك من بيِّنة؟ فضحك علي وقال: أصاب شريح، ما لي بيِّنة، وقضى شريح للنصراني بالدرع، لأنه صاحب اليد عليها، ولم تقم بينة عليّ بخلاف ذلك. 

فأخذها هذا الرجل ومضى، ولم يمش خطوات، حتى عاد يقول: أما إني أشهد أن هذه أحكام أنبياء! أمير المؤمنين يدينني إلى قاضيه فيقضي لي عليه! أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، الدرع درعك يا أمير المؤمنين، اتبعت الجيش وأنت منطلق من صفين، فخرجت من بعيرك الأورق. فقال علي رضي الله عنه: أما إذ أسلمت فهي لك. [البداية والنهاية لابن كثير ج ـ 8 ص 4 - 5].

وهي واقعة تغني عن كل تعليق.

 

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم