حين يطرق رمضان أبواب القلوب: ميلاد الروح من جديد
المقدمة:
حين يهلُّ هلال رمضان لا يتغير التقويم فقط، بل يتغير ميزان القلب.
إنه شهرٌ تعود فيه الأرواح إلى أصلها، وتُستدعى القلوب إلى مائدتها الكبرى: مائدة القرآن.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة: 183].
فالغاية ليست الجوع، بل التقوى؛ وليست العطش، بل صفاء الروح.
قال الإمام ابن القيم:
"الصوم لجام المتقين، وجُنّة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين."
(زاد المعاد، دار الرسالة)
رمضان ليس ضيفًا عابرًا، بل فرصة ربانية لإعادة بناء القلب.
أولاً: رمضان... موسم إعادة تشكيل القلب:
رمضان هو مدرسة تربوية إيمانية، فيها:
تصفية الشهوات
تهذيب الأخلاق
تصحيح المسار
إعادة ترتيب الأولويات
قال الإمام الحسن البصري:
"إن الله جعل رمضان مضمارًا لخلقه يستبقون فيه بطاعته."
فمن سبق فيه فاز، ومن تثاقل خسر.
وقال الإمام ابن رجب الحنبلي:
"كيف لا تفيض قلوب المؤمنين شوقًا إلى رمضان، وفيه تُفتح أبواب الجنان؟".
(لطائف المعارف، دار ابن كثير)
ثانيًا: القرآن... مائدة الأرواح في رمضان
قال تعالى:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾[البقرة: 185]
رمضان هو شهر القرآن لا لأنه نزل فيه فقط، بل لأن القلوب فيه تكون أكثر استعدادًا لتلقي النور.
قال الإمام الشافعي:
"كنت أختم القرآن في رمضان ستين ختمة."
(ذكره البيهقي في شعب الإيمان)
وليس المقصود مجرد العدد، بل الصحبة.
ثالثًا: كيف نستقبل رمضان استقبالًا عالميًا راشدًا؟:
1️⃣ بالتوبة الصادقة
قال تعالى:
﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾[النور: 31 ]
2️⃣ بتحديد أهداف إيمانية واضحة:
عدد ختمات
ورد يومي ثابت
صدقة يومية
إصلاح خلق معين
3️⃣ بتهيئة البيت روحانيًا:
إحياء صلاة الجماعة
مجلس قرآني يومي
خلوة ليلية مع الله
قال الإمام أبو حامد الغزالي:
"القلب كالمرآة، إن لم تُصقله بالذكر علاه الصدأ."
رابعًا: ومضة شعرية:
يا شهرَ خيرٍ هل أتيتَ مناديا للقلب كي يحيا ويغدو ساجدا
يا نفحةً من رحمةٍ ربانيةٍ أيقظت فينا الشوقَ حين تجددَا
إن القلوب إذا أتاها رمضان عادت إلى الرحمن طفلًا مُرشِدَا
خامسًا: حكمة الحلقة:
"رمضان ليس صفحةً في التقويم، بل صفحةٌ في كتاب العمر؛ فإما أن تُكتب فيها من العتقاء، أو تُترك بيضاء".
سادسًا: الوصية:
لا تجعل رمضان عادةً موسمية، بل اجعله منعطفًا مصيريًا في حياتك.
ابدأه بقلبٍ يقول:
"يا رب، هذا رمضان قد أقبل، فاجعلني فيه من المقبولين، ولا تجعلني فيه من المحرومين."
سابعًا: الواجب العملي اليومي (تطبيق الحلقة الأولى):
اكتب ثلاثة أهداف إيمانية واضحة لرمضان.
صلِّ ركعتين بنية استقبال الشهر.
اقرأ نصف جزء بتدبر لا بعجلة.
تصالح مع شخص بينك وبينه خصومة.
قل 100 مرة: اللهم بلغنا رمضان وأعنا فيه على الصيام والقيام.
خاتمة الحلقة:
رمضان ليس زمنًا يتكرر، بل فرصة قد لا تعود.
فكم من صائم معنا العام الماضي أصبح اليوم تحت التراب.
قال تعالى:
﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِن رَّبِّكُمْ﴾[آل عمران: 133]
فلنسرع… قبل أن يُغلق الباب.
.
د. عيد كامل حافظ النوقي
داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية