نماذج من مواجهة الفكر التغريبي
كان توجيه الثقافة المصرية في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي في يد طبقة من المثقفين تلقت تعليمها في أوروبا، ونشأ أفرادها وكأنهم أجانب عن بلادهم وأهليهم، فتنكروا لدينهم، حتى صار التمسك بالدين دليلاً على الجهل والتأخر والبُعد عن الحضارة والثقافة، ولهذا صدرت مؤلفاتهم متخمة بآراء المستشرقين التي فتنوا بهم، حتى إن بعضهم كان يشعر بالخزي والعار من انتسابه إلى تاريخه وقوميته ودينه (1). وقد اجتهد الإمام البنَّا في مواجهة هذه الأفكار الغريبة على مجتمعنا، تلك الأفكار الصادمة التي تخترق الثوابت والعقائد والمقومات، وتنفي عن الأمة الإسلامية أي جانب من جوانب العبقرية والنبوغ، وفنَّدها في مقالاته ومحاضراته، ومن ذلك تصديه للرد على الشيخ علي عبدالرازق وطه حسين ومحمد حسين هيكل وغيرهم.
1 – إسلام المستشرقين:
لم يَمض غير عام واحد على سقوط الخلافة الإسلامية سنة 1924م حتى صدر كتاب لشيخ أزهري يتناول أمور الحُكم في الإسلام، وهو كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبدالرازق (2). وكان هذا "أول كتاب يكتبه مسلم – بل وشيخ أزهري، يتولى منصب القضاء الشرعي – يزعم فيه أن الإسلام دين لا دولة.. وأن الخلافة الإسلامية كانت دائمًا وأبدًا وعلى مرِّ تاريخها سلطة قهر.. وأنها لا علاقة لها بالإسلام" (3)، وأن الإسلام ليس إلا رسالة روحية، وأن محمدًا ما كان إلا صاحب سلطان روحي على القلوب، ولم يُقِم دولة، ولم يرأس حكومة، ولم يبلور جماعة سياسية (4).
تسبب هذا الكتاب في صدمة كبيرة لمشاعر المسلمين، وأحدث ضجيجًا كبيرًا، ونشبت معارك فكرية ضارية حول مضمونه المتأثر بكتابات الغرب عن الإسلام وتاريخه. وكان الإمام البنَّا واحدًا ممن تصدوا للكتاب بتفنيد ما ورد فيه والرد عليه.
لقد استمد المؤلف أفكاره من أقوال المستشرقين من أمثال توماس آرنولد (5)، وهي أفكار عمل الاستعمار الغربي على تشجيعها ونشرها بين المسلمين حتى يعتقدوا أن الإسلام دين تعبدي لا علاقة له بالحكم والقوة والسياسة والجهاد، ولهذا أطلق الإمام البنَّا على هذا النوع من الإسلام القائم على فصل الدين عن الدولة اسم "الإسلام الاستعماري الخانع الذليل"(6)، وفَسَّر هذه التسمية في تأصيله لهذه الأفكار الغريبة على الإسلام والمسلمين في قوله: "إن غير المسلمين حينما جهلوا هذا الإسلام، أو حينما أعياهم أمر وثباته في نفوس أتباعه، ورسوخه في قلوب المؤمنين به، واستعداد كل مسلم لتفديته بالنفس والمال، لم يحاولوا أن يجرحوا في نفوس المسلمين اسم الإسلام ولا مظاهره وشكلياته، ولكنهم حاولوا أن يحصروا معناه في دائرة ضيقة تذهب بكل ما فيه من نواح قوية عملية، وإن تركت للمسلمين بعد ذلك قشورًا من الألقاب والأشكال والمظهريات لا تسمن ولا تغني من جوع.. فأفهموا المسلمين أن الإسلام شيء والاجتماع شيء آخر، وأن الإسلام شيء والقانون شيء غيره، وأن الإسلام شيء ومسائل الاقتصاد لا تتصل به، وأن الإسلام شيء والثقافة العامَّة سواه، وأن الإسلام شيء يجب أن يكون بعيدًا عن السياسة" (7).
فنَّد الإمام البنَّا هذه الأفكار، فأكد في البداية على شمولية الإسلام، فقال: إن الإسلام شيء غير هذا المعنى الذي أراد خصومه والأعداء من أبنائه أن يحصروه فيه ويقيدوه به، وأن الإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، وسماحة وقوه، وخلق ومادة، وثقافة وقانون، وأن المسلم مطالب بحكم إسلامه أن يعنى بكل شؤون أمته، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم (8). وهذا المعنى هو نفسه الذي وضعه الإمام البنَّا في الأصل الأول من الأصول العشرين التي يجب أن يفهم المسلم إسلامه في ضوئها (9).
ثم استشهد الإمام على بطلان أقوال علي عبدالرازق بأدلة من القرآن والسُنَّة النبوية المطهرة وسيرة السلف الصالح تدل على اهتمام الإسلام بالشأن السياسي، وأن أمور الحكم ورعاية شؤون البلاد والعباد من أخص خصائص الإسلام الذي "وضع الأصول الكلية، والقواعد العامَّة، والمقاصد الجامعة، وفرض على الناس تحقيقها، وترك لهم الجزئيات والتفاصيل يطبقونها بحسب ظروفهم وعصورهم، ويجتهدون في ذلك ما وسعتهم المصلحة وواتاهم الاجتهاد"(10).
وقسَّم الإمام البنَّا السياسة إلى داخلية وخارجية، وذكر أن الإسلام قد عني بالسياسة الداخلية التي تقوم على "تنظيم أمر الحكومة وبيان مهماتها وتفصيل حقوقها وواجباتها ومراقبة الحاكمين والإشراف عليهم ليطاعوا إذا أحسنوا وينقدوا إذا أساءوا"(11)، كما أنه لا يتعارض مع الحكم الدستوري الشوري الذي تنادي به المجتمعات المتمدنة، فقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ...﴾ [الشورى: 38].
أمَّا السياسة الخارجية فقد عرَّفها الإمام بأنها "تعني استقلال الأمة وحريتها، وإشعارها كرامتها وعزتها، والسير بها إلى الأهداف المجيدة التي تحتل بها مكانتها بين الأمم ومنزلتها الكريمة في الشعوب والدول، وتخليصها من استبداد غيرها بها وتدخله في شؤونها، مع تحديد الصلة بينها وبين سواها تحديدًا يفصل حقوقها جميعًا، ويوجه الدول كلها إلى السلام العالمي العام وهو ما يسمونه القانون الدولي"(12)، ثم استشهد بأدلة من القرآن الكريم على اعتناء الإسلام بكل هذه التفاصيل، فقد قرر الإسلام سيادة الأمة الإسلامية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ…﴾ [آلعمران: 110]، وأرشدها إلى طريق صيانتها وإلى ضرر تدخل الغير في شئونها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ...﴾ [آلعمران: 118]، وأشار إلى مضار الاستعمار وأثره السيئ على الشعوب: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: 34]، وأمرها بالمحافظة على سيادتها والاستعداد لحماية حقوقها بالقوة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]، ووضع لها قواعد التعامل مع الأقليات والأجانب في السلم والحرب: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: 58]، ﴿إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 4]، ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا...﴾ [الأنفال: 61].
ويسأل الإمام البنَّا أولئك الذين يريدون فصل الدين عن الدولة بعد أن بَيَّن لهم من القرآن والسنة النبوية اهتمام الإسلام بالسياسة: "هل كان رسول الله -ﷺ- حين يأمر بهذا التدخل، يخالف تعاليم الإسلام فيخلط السياسة بالدين؟ أم أن هذه هي طبيعة الإسلام الذي بعث الله به نبيه ﷺ؟"(13).
2 – الانسلاخ من العروبة والإسلام:
صدر كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" لطه حسين(14) في عام 1938م، ولم يكن هذا الكتاب هو أول كتاب يصدم فيه طه حسين قطاعًا كبيرًا من المصريين بأفكاره، فقد سبق له أن صدم مشاعر المسلمين الدينية في كتابه "الشعر الجاهلي" الذي سار فيه على خطا المستشرقين، "حيث شكك في عقائد قرآنية، من مثل قصة الخليل إبراهيم ورحلته الحجازية وإقامته مع ابنه إسماعيل -عليهما السلام- قواعد البيت الحرام"(15).
ونستطيع القول: إن الفكرة المحورية التي يدور حولها كتاب مستقبل الثقافة هي سلخ مصر من عالمها العربي الإسلامي وإلحاقها بالعالم الغربي. ويستند طه حسين في ذلك إلى أن مصر ثقافيًّا وحضاريًّا، هي دولة غربية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من دلالة. فالعالم ينقسم إلى حضارتين لا ثالث لهما:
- الأولى، تأخذ جذورها من الحضارة المصرية القديمة وفلسفة اليونان والقانون الروماني.
- والثانية، تأتي من الهند.
ويقول إن مصر تنتمي إلى الحضارة الأولى. فلماذا إذن ينظر المصريون إلى أنفسهم على أنهم من أهل الشرق؟ يأتي هذا بسبب اللغة والدين. والمشاركة في هموم الاحتلال والتخلف. وما دمنا متخلفين مثل دول الشرق، ونتحدث بلغتهم، فنحن مع حضارة الشرق. ولكن تاريخ مصر يقول عكس ذلك. ويرى طه حسين أن المسلمين كانوا غزاة فاتحين لمصر، وأن المصريين كانوا ساخطين على هذا الاحتلال، ويقول: "والتاريخ يحدثنا كذلك بأن رضاها عن السلطان العربي بعد الفتح لم يبرأ من السخط، ولم يخلص من المقاومة والثورة، وبأنها لم تهدأ ولم تطمئن إلا حين أخذت تسترد شخصيتها المستقلة..."(16).
ثم يدعي طه حسين أن خلاص مصر من التخلف لن يتحقق إلا عبر تبني المشروع الحضاري الغربي، وذلك بأن "نسير سير الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يُحب منها وما يُكره، وما يُحمد منها وما يُعاب"(17)، وذلك بدعوى أننا جزء من طبيعة هذا المشروع الغربي، لأننا جميعًا أبناء حضارة البحر المتوسط.. وعقلنا يوناني لم يغير القرآن من يونانيته"(18).
وقد رد الإمام البنَّا على هذه الدعوة التي تبنَّاها طه حسين في كتابه(19)، وسبقه إليها آخرون مثل سلامة موسى(20)، حيث رأى فيمن يحمل لواءها ضغنًا على العربية وحفيظة على الإسلام، وأنهم يخدعون الأمة ويزينون لها مثل هذه الأفكار بنعوت جميلة وألفاظ زائفة حتى وقع في حبالها البعض(21).
ثم بين الإمام الأخطاء التي وقع فيها طه حسين في طرحه لهذه الأفكار، وناقشها من ثلاث نواح، وهي:
أ - الخطأ التاريخي، فقد حكم التاريخ بأن الفتح العربي للبلدان لا يُقاس بغيره من استعمار الأمم، لأن استعمار الأمم يُقصد به الفتح والغنيمة واستبداد الأمة الفاتحة بالأمة المغلوبة، أما الاستعمار العربي فهو استعمار ثقافي إرشادي روحي مهمته تمثيل الشعوب، وصبغها بالصبغة العربية الإسلامية (حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)، فالعرب أمة طَوّعها الله لهداية العالم، ولنشر القرآن العربي بين ربوعه، وإيصال الهداية المحمدية إلى كافة البشر: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]؛ ولهذا كان الفاتح العربي مثال الوفاء والعدالة، لا تمضي عليه فترة قصيرة حتى يمتزج بالأمم التي افتتح بلدانها فيكون منها وتكون منه، وهناك تُمحى الفوارق والأنساب والعصبيات، ولا تبقى إلا الأخوة حول القرآن العربي واللسان العربي والهداية المحمدية (22).
ب – الخطأ الاجتماعي، فالأمة إنما تتكون قوميتها من لغتها ودينها وعاداتها وثقافتها وما إلى ذلك من مظاهر الحياة. ولهذا يتساءل الإمام البنَّا متعجبًا: "هل يرى الدكتور طه وغيره أن لمصر لغة غير اللغة العربية، وأن لها دينًا غير الدين الذي حمل لواءه العرب؟ وهل يرون أننا نستطيع أن نتخلى عن اللغة العربية والقرآن العربي والشعور العربي، ونحل محل ذلك كله لغة ودينًا وثقافة تختص بمصر والمصريين؟ وما هي يا ترى هذه اللغة، وما هذا الدين، وما تلك الثقافة؟ لعل القوم يقصدون الهيروغليفية ودين أبيس وآمون وهورس وفتاح؟"(23).
ج – الخطأ القومي، فالتمسك بالقومية العربية "يجعلنا أمَّة تمتد حدودها من الخليج الفارسي إلى المحيط الأطلسي، بل إلى أبعد من ذلك، ويبلغ عددها أضعاف أضعاف الملايين المحصورة في وادي النيل، فأي مصري يكره أن تشاطره هذه الشعوب التي تظلها العربية شعوره وآماله وأفراحه وآلامه؟!"(24).
ثم وصف الإمام البنَّا من يدعون إلى هذا الفكر على ما فيه من أخطاء واضحة بأنهم يحاولون سلخ قطر عربي من الجسم العام للأمة العربية، وأنهم يعينون الخصوم الغاصبين على قطع شوكة وطنه، وإضعاف قوة بلاده، ويصوب معهم الرصاصة إلى مقتل هذه الأوطان المتحدة في قوميتها ولغتها ودينها وآدابها ومشاعرها ومطمحها (25).
3 – الافتتان بالمادية الغربية:
صدر كتاب "حياة محمد" سنة 1933م، ومؤلفه هو الدكتور محمد حسين هيكل (26). ولا يمكن فصل هذا الكتاب عن الحركة التغريبية في عصره، حيث كانت بحوث المستشرقين وكتبهم مراجع أساسية في التاريخ واللغة والسيرة والفقه والعقائد لطبقةٍ من القائمين على أمور الثقافة في مصر، خاصَّة أولئك الذين ذهبوا في بعثات إلى أوروبا ثم عادوا للعمل في الجامعة والمعاهد العالية، وحملوا معهم ما تلقوه من الغرب من سموم باسم التجديد والتنوير وحرية البحث (27).
والكتاب متميز في أسلوبه وطريقة عرضه وتحليله للموضوعات، وهو ما وفَّر له رواجًا حتى اليوم، غير أن فيه من المزالق ما قد يخفى على كثيرين، ويعود السبب في هذه المزالق إلى أمرين:
أولاً: اقتداء حسين هيكل بالمستشرقين، فقد بدأ في نشر ترجمة كتاب "حياة محمد" La vie de Mahomet للمستشرق الفرنسي ديرمنجِم Émile Dermenghem في مجلة السياسة الأسبوعية، ثم جمع الترجمة مع تعليقه عليها وأخرجها في كتابه المذكور(28). وقد اعترف هيكل في كتابه بالاعتماد على كتابات المستشرقين، وهذا ليس عيبًا في ذاته، وإنما العيب في نقل مطاعنهم في رسول الإسلام. وقد ظهرت آثار المستشرقين في ثنايا كتابه، فقد تعامل مع شخصية النبي الأكرم كما يتعامل المؤرخ مع سيرة أي بطل أو زعيم (29)، وتحدث في كثير من المواضع عن الرسول -ﷺ- بما يدفع القارئ إلى أن التفكير والذكاء والرياضة الروحية هم عماد حياته ولا أثر للوحي فيها، كما ردد أقوال المستشرقين من أن الرسول -ﷺ- كان حريصًا على التعرف على ديانة اليهود والنصارى والتردد عليهم والسماع لهم، ونقل وصف ديرمنجم للإسراء والمعراج بكل ما فيه من أخطاء لا يقبلها عقل مسلم ولم تصح به رواية (30).
ثانيًا: استناد هيكل إلى ما جرت عليه الحضارة المادية الغربية من إخضاع كل شيء للمقاييس العلمية التي هي نفسها المقاييس المادية مما يطلقون عليه اصطلاح "العلم التجريبي"، وقد صرح هيكل بمنهجه هذا في بداية كتابه فقال: "إنما أردتها دراسة علمية على الطريقة الغربية"(31). ومن ذلك حديثه عن معجزة "الطير الأبابيل" التي أهلك الله بها أبرهة وجيشه حينما أردا هدم الكعبة، فقد فَسَّرها على أنها وباء أصاب هذا الجيش فأهلكه، وقال: "فلما انصرفوا وخلت مكة منهم وآن لأبرهة أن يوجه جيشه ليتم ما اعتزم فيهدم البيت... كان وباء الجدري قد تفشى بالجيش وبدأ يفتك به"(32)، ولم يُشر إلى الجانب الإعجازي في الموضوع، ولم يذكر شيئًا مما ورد في المصادر الإسلامية حول هذه الحادثة.
لقد أعرض هيكل في كتابه عن معجزات النبي -ﷺ- جميعًا، ولم يستثن منها إلا القرآن الكريم، وهو أعظم معجزات النبي بلا شك، ولكن هناك من المعجزات ما ثبت في صحيح السُنَّة، ولا يجوز إنكارها(33)، وقد أخطأ هيكل حينما أراد إخضاع معجزات الأنبياء إلى العلم التجريبي، لأن مقاييس العلم التجريبي إن صحت في كل ما يتصل بالمادة فإنها لا تصلح أن تكون مقياسًا لما هو وراء المادة؛ وهو الجزء الأعظم والأهم الذي يقوم على أساسه الدين (34)، ومعجزات الأنبياء من باب الغيب، والغيب هو ما وراء الطبيعة أو ما لا يُحيط به العقل البشري ولا تدركه الحواس الخمس(35)، وإذا سرنا وراء العلم التجريبي في إنكار أمور غيبية فإننا نصطدم مع ما قرره القرآن الكريم من أن الإيمان بالغيب هو أول أساس في الدين وصفة المتقين، يقول تعالى: ﴿الـم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 1-3].
وقد ردَّ الإمام البنَّا على هيكل ردَّا عمليًّا حينما أقام حفل تكريم للأستاذ محمد أحمد جاد المولى(36) صاحب كتاب "محمد المثل الكامل"، وكان الحفل في دار المركز العام للإخوان المسلمين، وحضره كبار المشتغلين بالأدب والعلم من العاملين في الدعوة الإسلامية، وقام الإمام بتكريم جاد المولى بوصفه الرائد الأول وصاحب اللواء في مجال كتابة السيرة في عصرنا الحديث، وأنه كان له الفضل في توجه غيره – حتى المتردد والمُعرض – إلى هذا المجال(37)، ثم أفاض الإمام في الحديث عن المعجزات التي أغفلها هيكل في كتابه، وأشار إلى المادية الغربية وافتتان بعض الكتاب المسلمين بها في كتاباتهم عن الإسلام وتاريخه وسيرة نبيه الأكرم(38).
وحلل الإمام هذا الاتجاه الذي اتبعه هيكل ومن هو على شاكلته من المفتونين بالمادية الغربية بالرجوع إلى أنواع التفكير التي عرفها العقل البشري، فقد تذبذب العقل بين ثلاثة أطوار، أو ثلاثة ألوان من التفكير، أولها طور الخرافة، حيث التسليم المطلق للغيب المجهول والقوى الخفية، وثانيها طور المادية والتنكر لهذا الغيب المجهول، ومحاولة تفسير مظاهر الكون جميعًا محاولة مادية صرفة وفق قوانين تجريبية اهتدي إليها الإنسان بطول تجاربه ودوام بحثه وتفكيره. وهذا هو النمط الذي طغى على العقل الإنساني في هذه العصور الحديثة، التي وصل فيها الإنسان إلى الكشف عن كثير من مجهولات الطبيعة، وعرف فيها الكثير من خواص الكائنات، فظن أنه واصل لا محالة بهذا الأسلوب إلى معرفة ما هناك، وإن كان الذي يعرفه بالنسبة إلى ما يجهله كالذرة من الرمال في الفلاة الواسعة الفسيحة (39). ويرى الإمام البنَّا أن النوع الثاني من التفكير ينطوي على خطورة كبيرة، فقد أنكر الإنسان المادي الألوهية وما يتصل بها والنبوات وما يمت إليها والآخرة والجزاء والعالم الروحي بكل ما فيه، ولم ير شيئًا إلا هذا العالم الأدنى المحدود يفسر ظواهره بحسب قوانينه المادية الصرفة، وهذا يؤدي بالتبعية إلى ظهور مجتمع لا يعترف بغير المادة ولا يحس بوجود غيرها، مجتمع تموت في نفوس أبنائه عواطف الرحمة الإنسانية، وتخبت فيه الروحانية الربانية (40).
ثم يأتي بعد ذلك الطور الثالث، وهو أسلوب التفكير الذي يُقره الإسلام ويحث أتباعه على الأخذ به، ويجمع بين العقلية الغيبية والعقلية العلمية، وفيه إيمان بالغيب ووصف لذلك العالم الغيبي بطريقة تُقربه إلى الأذهان ولا تتنافى مع بدهيات العقول، كما أن فيه إقرار بفضل هذا العالم المادي وما يحتوي عليه من خير للناس لو عمروه بالحق وانتفعوا به في حدود الخير ودعوة إلى إعمال العقل والتفكر في أمور الكون (41).
خاتمة
تعرضت الأمَّة الإسلامية لحملة تغريبية شديدة في العصر الحديث، وكانت هذه الحركة تهدف إلى مسخ الشخصية المسلمة وصهرها في الحضارة الغربية، واستعان الغرب المستعمر في ذلك بالتبشير والاستشراق، وهما حركتان عمدتا إلى تشويه الإسلام وإثارة الشبهات حول حضارته وإبعاد المسلمين عن مكامن القوة لحرمانهم من النهضة والمدنية وتحطيم روح المقاومة في نفوسهم، وظهر أثر الحركة التغريبية في الثقافة والسياسة والاقتصاد والتعليم والسلوكيات والأخلاق. وقد تصدى الإمام حسن البنَّا لحركة التغريب في عصره، فدعا المسلمين إلى المشروع الإسلامي بأصوله وقواعده وحضارته ومدنيته، وحذر من مخاطر التبعية والتقليد للمشروع الغربي بمنهجه المخالف للمنهج الإسلامي ونظمه ومظاهر حياته، وعلى الرغم من ذلك فإن البنَّا لم يكن يدعو إلى القطيعة مع الغرب، وإنما كان يدعو إلى الاستفادة مما ينفعنا من تقدمه والعلوم الحديثة التي ظهرت فيه وترك ما يضرنا ولا يناسبنا من المظاهر التي ترتبت على هذا التقدم المادي من موجات الإلحاد والإباحية والأثرة الفردية والصراعات الطبقية والتعصب القومي والمعاملات الربوية المدمرة.
لقد أكد البنَّا على ضرورة اختيار المنهج الأمثل للوصول بأمتنا المسلمة إلى نهضة شاملة، وتجنب المناهج التي نشأت في بيئات تختلف عن بيئتنا وثبت فشلها عند التجربة، ولم يجد أفضل من المنهج الإسلامي الذي يهتم بالروح والمادة معًا، وهو منهج واضح وعملي وشامل ومحاط بنوع من القداسة ويجمع كلمة الأمة بكل طوائفها. ثم بحث البنَّا عن عوامل النهضة في الأمم الأخرى فوجدها كاملة متكاملة في كتاب الله وسُنَّة نبيه ، من قوة نفسية قوامها الإرادة والوفاء والتضحية والأمل، وتمسك بالأخلاق الفاضلة، وتعظيم للعزة القومية، وحث على الأخذ بالعلوم النافعة، وقواعد اقتصادية راشدة، وجندية تحمي ولا تعتدي.
وشارك الإمام البنَّا في المعارك الفكرية التي نشبت في المجتمع المصري حول بعض الآراء التي تبنَّاها أصحاب المشروع التغريبي من المتأثرين بآراء المستشرقين عن الإسلام وحضارته وتاريخه، ومن ذلك تصديه لكتاب "الإسلام وأصول الحكم" الذي زعم صاحبه أن الإسلام دين تعبدي لا علاقة له بالسياسة، وكتاب "مستقبل الثقافة في مصر" الذي نادى صاحبه بسلخ مصر عن محيطها العربي الإسلامي وإلحاقها بالغرب، والأخذ عن الغربيين تجربتهم بكل ما فيها من خير وشر كي نلحق بركب التقدم الغربي المادي، وكتاب "حياة محمد" الذي أراد صاحبه إخضاع الأمور الغيبية للعلم التجريبي.
(1) عبدالحليم، محمود. الإخوان المسلمون: أحداث صنعت التاريخ، ج1، الطبعة الخامسة، القاهرة، دار الدعوة، 1994م، ص302.
(2) الشيخ علي عبدالرازق، (1888-1966م)، شيخ أزهري وقاض شرعي، ولد في محافظة المنيا لأسرة ثرية. حفظ عبدالرازق القرآن في قريته، وحصل على درجة العالمية من الأزهر، ثم ذهب إلى جامعة أكسفورد البريطانية. عمل عبدالرازق في المحاماة وتولى وزارة الأوقاف، كما انتخب في مجلسي النواب والشيوخ.
(3) عمارة، محمد. معالم المشروع الحضاري في فكر الإمام الشهيد حسن البنَّا، القاهرة، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2006م، ص31. وانظر: عبدالرازق، علي. الإسلام وأصول الحكم، الطبعة الثالثة، القاهرة، مطبعة مصر، 1925م، ص24، 29، 35، 83.
(4) المصدر السابق، ص64-80.
(5) الغريب أن المؤلف قد أحال في مزاعمه عن انعدام الأدلة على وجوب إقامة الخلافة الإسلامية إلى كتاب (الخلافة) The Caliphate للمستشرق السير توماس آرنولد Thomas W. Arnold، وقال إن "فيه بيان ممتع مقنع"، وكأن قول المستشرق هو المرجع للمسلمين في قضية من أخص قضاياهم!. انظر: عبدالرازق، علي. الإسلام وأصول الحكم، ص15.
(6) البنَّا، حسن. مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنَّا، ص299.
(7) المصدر السابق، ص296.
(8) نفس المصدر، ص297.
(9) نفس المصدر، ص372.
(10) نفس المصدر، ص298.
(11) نفس المصدر والصفحة.
(12) نفس المصدر، ص300.
(13) نفس المصدر، ص299.
(14) طه حسين (1889-1973م)، أديب وناقد مصري، لُقِّب بعميد الأدب العربي، وهو من أبرز الشخصيات في الحركة الأدبية العربية في العصر الحديث، يراه البعض رائدًا للتنوير، في حين يراه آخرون رائدًا للتغريب. تأثر طه حسين بآراء المستشرقين ورددها في مؤلفاته، ولم يتورع عن نقل الآراء والأقوال الصادمة وتبنيها في أعماله.
(15) عمارة، محمد. مصدر سابق، ص32.
(16) حسين، طه. مستقبل الثقافة في مصر، الطبعة الثانية، القاهرة، دار المعارف، 1996م، ص 23.
(17) نفس المصدر، ص39.
(18) عمارة، محمد. مصدر سابق، ص32-33.
(19) ذكر الأستاذ محمود عبدالحليم، وهو من الرعيل الأول للإخوان المسلمين، أن جمعية الشبان المسلمين استضافت الإمام البنَّا في محاضرة عامَّة حضرها عدد كبير من المثقفين لمناقشة كتاب "مستقبل الثقافة في مصر"، وأن طه حسين قد حضر المحاضرة بالاتفاق مع إدارة الجمعية، وجلس في مكان يسمع منه ولا يراه أحد، ثم التقى بالإمام في مكتبه بوزارة المعارف وأثنى على مناقشته للكتاب، ولم يُنكر عليه انتقاده لكثير من الأفكار الواردة فيه. انظر: عبدالحليم، محمود. الإخوان المسلمون: أحداث صنعت التاريخ، ج1، ص241.
(20) سلامة موسى (1887-1958م)، كاتب مصري قبطي، مضطرب الاتجاه والتفكير، أكمل دراسته في لندن وباريس حيث اطلع على التيارات الفكرية الغربية، وكان يجحد الدين في شبابه ويتطاول عليه. شارك موسى في تكوين حزب اشتراكي، وكان يدعو إلى استخدام الحروف اللاتينية ويتجنى على التراث، وينادي بفرعونية مصر، وهو في ذلك كطه حسين، بريد أن يفصلها عن عروبتها وإسلامها.
(21) البنَّا، حسن. مصر عربية.. فليتق الله المفرقون للكلمة، جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد 15، السنة الأولى، 21 سبتمبر 1933م، ص1-3.
(22) المصدر السابق، نفس الصفحة.
(23) نفس المصدر والصفحة.
(24) نفس المصدر والصفحة.
(25) نفس المصدر والصفحة.
(26) محمد حسين هيكل (1888-1956م)، أديب وسياسي مصري، درس القانون وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة السربون في فرنسا سنة 1912م، وعمل في المحاماة وكتب في الصحافة، ووصل إلى رئاسة حزب الأحرار الدستوريين، كما تولى وزارة المعارف عدة مرات.
(27) جريشة، علي محمد. مصدر سابق، ص26.
(28) عبدالحليم، محمود. مصدر سابق، ص301-302.
(29) الناصر، محمد حامد. مصدر سابق، ص161.
(30) انظر: هيكل، محمد حسين. حياة محمد، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997م، ص107، 120، 163-164.
(31) المصدر السابق، ص61.
(32) نفس المصدر، ص97.
(33) عبدالحليم، محمود. مصدر سابق، ص303.
(34) المصدر السابق، نفس الصفحة.
(35) نفس المصدر والصفحة.
(36) أحمد جاد المولى بك، مفتش أول اللغة العربية في وزارة المعارف، تلقى تعليمه في أوروبا، ولكنه لم يفتن عن أصله، ولم تبهره أضواء المدنية الغربية. لجاد المولى كتابان عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهما "محمد المثل الكامل" و"محمد الخلق الكامل"، وقد أثبت فيهما أن محمدًا وحده هو الذي حقق المُثل العليا التي تحدث عنها الفلاسفة وتخيلها الحكماء. حظي الكتابان بشهرة ورواج عظيمين، حتى إن بعض الكتاب قد كتب في السيرة من بعده أملاً في الربح المادي والمعنوي، ولكن غلبت عليهم ثقافتهم الغربية، فذهبوا إلى دراسات المستشرقين ونقلوا عنها على الرغم مما تحتوي عليه من طعن وتشويه للإسلام ورسوله.
(37) ذكر الأستاذ عبدالحليم محمود أن هيكل استغل منصبه كوزير للمعارف في معاقبة الإمام البنَّا بسبب موقفه من كتابه "حياة محمد" وأشياء أخرى كانت توغر صدره على الإمام، وأنه نقله من المدرسة التي كان يعمل بها في القاهرة إلى قنا في صعيد مصر. انظر: الإخوان المسلمون: أحداث صنعت التاريخ، ج1، ص304.
(38) المصدر السابق، ص303.
(39) البنَّا، حسن. مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنَّا، ص120-121.
(40) المصدر السابق، ص121-122.
(41) نفس المصدر، ص121.
.