المقدمة:
حين يتأمل المسلم رسالة القرآن يجد أن الذكر يحتل مكانة مركزية في بناء الإنسان المؤمن؛ فهو الغذاء الروحي للقلب، والدواء الناجع للقلق والاضطراب، والطريق الأقرب إلى رضا الله تعالى.
ولذلك كان الذكر حاضرًا في كل أحوال المؤمن: في العبادة والعمل، في السراء والضراء، في الصيام والقيام.
قال الله تعالى:﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾[الرعد: 28]. فهذه الآية الكريمة تكشف حقيقة عظيمة، وهي أن الطمأنينة التي يبحث عنها الإنسان في المال أو الشهرة أو القوة لا تتحقق إلا بذكر الله.
قال الإمام ابن كثير في تفسيره: "أي تسكن قلوبهم إلى ذكر الله وترضى به وتأنس إليه". (ابن كثير: 1999م، ج4 ص448)
أولًا: مفهوم الذكر في القرآن الكريم:
الذكر في اللغة هو الحضور وعدم الغفلة.
أما في الاصطلاح فهو استحضار عظمة الله في القلب مع النطق أو العمل بما يرضيه.
قال الراغب الأصفهاني في كتابه المفردات في غريب القرآن: "الذكر حضور الشيء في القلب أو القول". (الراغب الأصفهاني: 2002م، ص328).
ولذلك فالذكر في الإسلام لا يقتصر على التسبيح فقط، بل يشمل:
قراءة القرآن، الدعاء، التفكر في خلق الله، العمل بطاعة الله، قال ابن القيم في الوابل الصيب: "الذكر يكون بالقلب واللسان والجوارح". (ابن القيم: 1997م، ص65)
ثانيًا: مكانة الذكر في القرآن الكريم والسنة:
لقد تكرر ذكر الذكر في القرآن عشرات المرات، مما يدل على أهميته في حياة المؤمن.
قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾[الأحزاب: 41].
وقال سبحانه:﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾[البقرة: 152].
قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: "في هذه الآية وعد عظيم بأن من ذكر الله ذكره الله بالرحمة والفضل". (القرطبي: 1964م، ج2 ص159)
أما في السنة النبوية فقد وردت نصوص كثيرة في فضل الذكر.
قال النبي ﷺ: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت" رواه البخاري.
وقال ﷺ: "سبق المفردون" قالوا: وما المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات" رواه مسلم.
قال الإمام النووي: "المفردون هم المنفردون بذكر الله تعالى". (النووي، شرح صحيح مسلم:،2002م، ج17 ص21)
ثالثًا: رمضان موسم الذكر الأعظم:
رمضان في حقيقته شهر الذكر بامتياز.
فالقرآن الكريم نزل فيه، وهو أعظم الذكر.
قال تعالى:﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾[البقرة: 185].
وقال سبحانه:﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾[الحجر: 9].
قال ابن عاشور في التحوير والتنوير: "سُمِّي القرآن الكريم ذكرًا لأنه يذكّر الناس بالله وشرعه". (ابن عاشور: 1984م، ج14 ص104)
ولذلك كان الصحابة يجعلون رمضان موسمًا للذكر والقرآن الكريم.
كان جبريل -عليه السلام- يدارس النبي -ﷺ- القرآن الكريم في رمضان كل ليلة. (رواه البخاري)
رابعًا: آثار الذكر في حياة الإنسان:
1)الطمأنينة النفسية:
في عالم اليوم المليء بالضغوط والقلق، يبحث الإنسان عن السكينة في كل مكان.
لكن القرآن يقرر قاعدة واضحة:﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾[الرعد: 28].
قال ابن القيم: "لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف". (الوابل الصيب، ص74).
2) قوة الإيمان:
الذكر يجدد الإيمان في القلب.
قال النبي ﷺ: "إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم" رواه الطبراني.
3) الحماية من الشيطان:
قال النبي ﷺ: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت". فالذكر حصن منيع للمؤمن.
قصة مؤثرة:
يروي التاريخ أن الإمام أحمد بن حنبل كان في مرض الموت يكثر من الذكر.
فقيل له: ارفق بنفسك. فقال: "حتى أموت". أي أنه أراد أن يلقى الله ولسانه رطب بذكره.
أبيات شعر:
قال الشاعر:
إذا ضاق صدرك من همِّ الحياةِ فأقبل على الذكر تلقَ النجاةِ
ففي ذكر ربِّ العباد حياةٌ وفيه القلوب تنال الثباتِ
الواجب العملي:
برنامج الذكر في رمضان:
100 استغفار يوميًّا
100 تسبيحة
100 صلاة على النبي ﷺ
ورد يومي من القرآن الكريم.
وصية المقالة:
قال الحسن البصري: "تفقدوا الحلاوة في ثلاثة: في الصلاة والذكر وقراءة القرآن".
الخاتمة:
رمضان قد يمر سريعًا، لكن أثره الحقيقي يظهر بعده.
فإن خرج المسلم من رمضان وقد تعود على الذكر، فقد ربح أعظم مدرسة إيمانية في حياته.
المراجع:
١)ابن القيم، الوابل الصيب، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997م.
٢ )ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة، الرياض، 1999م.
٣)القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1964م.
٤)ابن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م.
٥)النووي، شرح صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1996.
.
د. عيد كامل حافظ النوقي
داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية