مقالات تربوية

المربي

الصلاح زاد الإصلاح

الصلاح زاد الإصلاح

الصلاح زاد الإصلاح

د. محمد حامد عليوة

إن مسؤولية المربين والدعاة تجاه غيرهم يجب ألا تشغلهم عن واجباتهم نحو أنفسهم بالتزكية والرعاية، وأن انشغالهم بإصلاح قومهم –وهذا واجب عليهم– يجب ألا يصرفهم عن رعاية أنفسهم وإصلاح حالهم، قال تعالى:﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10)﴾. [سورة الشمس: 9-10]. 

 

من هنا وجب علينا أن نعطي المسئولية نحو أنفسنا حقها من التزكية والرعاية والتعهد والإصلاح، لأن فاقد الشيء لا يُعطيه، ورحم الله الإمام حسن البنا حين قال: "يا أخي: فاقد الشيء لا يُعطيه، والقلب المنقطع الصلة بالله كيف يسير بالخلق إليه؟ والتاجر الذي لا يملك رأس المال من أين يربح؟ والمعلم الذي لا يعرف منهاجه كيف يُدرسه لسواه؟ والعاجز عن قيادة نفسه كيف يقود غيره؟"(1).

 

وقوله في ضرورة رعاية المرء لنفسه حتى يقدر على سياسة غيره: «ميدانكم الأول أنفسكم، فإذا انتصرتم عليها كنتم على غيرها أقدر، وإذا أخفقتم في جهادها كنتم عما سواها أعجز، فجربوا الكفاح معها أولًا». من هنا كان الصلاح أساس الإصلاح، وكانت العبادة طريق القيادة.

 

الصلاح أساس الإصلاح

والتربية تلقي وعطاء، كما أنها زاد وحركة، ولنا في (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ)، و(يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ)، أوضح البيان وأصدق الدليل. وعمليًّا ربَّى النبي محمد -ﷺ-أصحابه فكانوا: (رهبانًا بالليل فرسانًا بالنهار).

وقد أوصى الإمام البنا –رحمه الله- إخوانه بذلك فقال: "يا أخي: اجتهد مااستطعت أن تغترف من ذخائر الليل ما توزعه على إخوانك بالنهار".

 

مع جلسة ابن تيمية:

كان شيخ الإسلام ابن تيمية يجلس في مصلاه بعد الفجر يقرأ القرآن الكريم ويذكر الله حتى ترتفع الشمس فيصلي ويقول: هذه غدوتي، إن لم أفعلها انهارت قوتي. قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ﴾. [طه: 130]

هكذا يجب أن يكون أصحاب الدعوات، لهم زاد يستمدون منه القوة؛ التي تعينهم على أداء واجب الدعوة، والقيام بمتطلبات التربية وإصلاح الأتباع والرعية.

 

وقد تعلمنا من أهل الفضل وأصحاب السبق:

أن ما عند الله –تعالى- لا يُنال إلا بطاعته، وأن ما عند الناس لن تناله إلابأمر الله ومشيئته، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29]، فلنحرص أولًاعلى تقوية وتحسين حالنا مع الله، حتى يقوى ويتحسن حالنا مع خلق الله.

فلن ننال حب الناس ورضاهم إلا من خلال حب الله لنا ورضاه عنا، فقلوبناوقلوب الناس بيده سبحانه.

ولن نتبوأ مكانة في قلوب الخلق دون أن يكون لنا مكانة عند الخالق. فلنحرص أولًا على إصلاح ما بيننا وبين الله، يُصلح الله ما بيننا وبينالخلائق كلها.

 

وفي ضرورة إقبالك على الله وأثره في الناس من حولك، يقول هرم بن حيان: «ما أقبل عبد على الله بقلبه إلا أقبل الله عز وجل بقلوب المؤمنين إليه حتىيرزقه مودتهم ورحمتهم». وقد علق الإمام ابن القيم على ذلك فقال: "ويكفىفي الإقبال على الله ثوابًا عاجلًا أن الله سبحانه وتعالى يُقبل بقلوب عبادهإلى مَنْ أقبل عليه، كما أنه يُعرض بقلوبهم عمَّنْ أعرض عنه، فقلوب العبادبيد الله لا بأيديهم".(2)

 

نعم.. إنه الصلاح طريق الإصلاح، وإنها العبادة أساس القيادة، ورحم اللهالإمام حسن البنا يوم قال: «كونوا عبادًا قبل أن تكونوا قوادًا تصل بكمالعبادة إلى أحسن قيادة». إنه الانقياد لله تعالى الذي يُعين العبد علىحُسن سياسة الناس وقيادة أمورهم. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِيالْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِعَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)﴾ [سورة الحج: 41].

 

ولنتأمل قول الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي –رحمه الله– حين قال: «إن الخطأ أكبر الخطأ، أن تنظم الحياة من حولك، وتترك الفوضى فيقلبك».(3) نعم.. إنها قضية محسومة في فقه التغيير والإصلاح، مفادها،أنك لن تستطيع الإصلاح ونفسك تفتقر للصلاح، وأنك حين ترغب في تغييرما حولك دون أن ترتب ما بداخلك؛ فاعلم أنك تسلك طريق الخطأ الذي لايُؤدي إلى نتائج، وحتى إن بدت لك ولمَنْ حولك بعض نتائج جهدك فاعلم أنهاعلى حساب نفسك التي أهملت تزكيتها ورعايتها وإصلاحها .

 

وكلام الأديب الرافعي -رحمه الله- له دلالات كبيرة، وتأكيد واضح على مبدأ(الصلاح زاد الإصلاح). فالإنسان لا يمكنه إصلاح الحياة من حوله، وهوصاحب قلب خرب وعقل خرف، لأن فوضى النفس لا يمكنها أن تجعل منصاحبها مؤثرًا في محيطه أو مصلحًا لمن حوله.

والحمد لله رب العالمين

—————————-

(1) من مقال للإمام حسن البنا، بعنوان (سبيل الظفر. عبادة ثم قيادة)، نُشر في جريدة(الإخوان المسلمون) بتاريخ (25 ربيع الأول 1356 هـ، الموافق 4 يونيو 1937م. 

(2) المجموع القيم من كلام ابن القيم 

(3) وحي القلم، للأديب مصطفى صادق الرافعي. المجلد الثاني. 

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم