تابع الورقة البحثية من إعداد الدكتور أحمد بكر حسين.
ثانيًا: البنَّا والمشروع التغريبي
واجه الإمام حسن البنَّا -رحمه الله- حركة التغريب قولاً وعملاً، في مقالاته وخُطبه وعن طريق التنظيم الحركي الجماهيري الذي أسسه وخاض به معارك عديدة ضد مظاهر التغريب في المجتمع المصري، حتى إننا نستطيع القول إن مشروعه الإصلاحي يقوم على أساس نهضة إسلامية في مواجهة النهضة الغربية، وذلك من خلال تعرية المشروع التغريبي وتجلية حقيقته لأبناء الأمة وإطلاعهم على مساوئه.
1 – الموقف من الغرب:
لم ينطلق الإمام البنَّا في موقفه من التغريب من منطلق الكاره للغرب المنادي بالقطيعة مع حضارة الآخر المخالف لنا في الدين والعرق، وهو يستند في ذلك إلى ثلاث قواعد راسخة في الإسلام، الأولى أن الله تعالى قد خلق الناس شعوبًا وقبائل للتعارف لا للعداء والتناحر. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا...﴾ [الحجرات: 13]، والثانية أن الله تعالى لم يمنعنا عن التعامل مع من لا يعادينا في الدين. يقول تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8]، والثالثة أن "الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق الناس بها" كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد حسم الإمام البنَّا موقفه في قضية التعامل مع الغرب والأخذ عنه في قوله: "الإسلام لا يأبى أن نقتبس النافع وأن نأخذ الحكمة أنَّى وجدناها، ولكنه يأبى كل الإباء أن نتشبه في كل شيء بمن ليسوا من دين الله على شيء، وأن نطرح عقائده وفرائضه وحدوده وأحكامه لنجري وراء قوم فتنتهم الدنيا واستهوتهم الشياطين"(1). وأثنى الإمام على فريق من العاملين في مجال الدعوة لموقفهم المعتدل من الحضارة الغربية وقدرتهم على انتقاء الصالح منها والاستفادة به، وقال عن هذا الفريق إن "عماده في ذلك كتاب الله وسُنَّة رسوله وفقه السلف الصالحين، وهم أعرف الناس بهذا الدين، جعل هذا أساسًا يرتكن إليه وترتكز دعوته عليه، ومقياسًا يُقاس به كل ما عداه من مظاهر النهوض وآثار اليقظة، فإن اعترضته المدنية الأوروبية ومطالب العصر الجديد طبقها على هذا الأساس وقاسها بهذا المقياس، فما وافقه أخذ به وما خالفه أخذه بالتحوير والتغيير والتهذيب والتشذيب حتى يعود صالحًا لهذه القواعد، متناسبًا مع روح الإسلام وأصوله وعقائده، فإن استعصى على التهذيب وأبى إلا أن يناقض هذه الأصول ويشذ عليها حذر الناس منه ونفرهم عنه، وأبان لهم عن أضراره، وذكرهم بقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ. بَلِ اللهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾[آلعمران: 149-150] (2).
وينتقد الإمام البنَّا موقف فريقين من العالم الإسلامي تطرف كلاهما في علاقته بالغرب وحضارته، أولهما فريق من الناس "يدعو إلى الحضارة الغربية ويحض على الانغماس فيها وتقليد أساليبها، خيرها وشرها، حلوها ومُرِّها، نافعها وضارها، ما يُحب منها ما يُعاب، ويرى أنه لا سبيل للنهوض والرقى إلا بهذا"(3). وثانيهما فريق "يُنفر من هذه الحضارة أشد التنفير، ويدعو إلى مقاومتها أشد المقاومة، ويُحملها تبعة هذا الضعف والفساد الذي استشرى في الأخلاق والنفوس"(4).
لقد رفض الإمام البنَّا هذا التطرف، ودعا إلى دراسة أعمق وأدق لعلاقتنا مع الغرب، والعدل والإنصاف في الحُكم على مشروعه الحضاري، والنظر فيما ينفعنا من مدنيته وترك ما لا ينفعنا منها. واعترف الإمام للشعوب الغربية بأنها قد وصلت من حيث العلم والمعرفة واستخدام قوى الطبيعة والرقي بالعقل الإنساني إلى درجة سامية عالية، يجب أن تؤخذ عنها وأن يُقتدى بها فيها، وأثنى الإمام على اعتمادهم على النظام في حياتهم وطالب بالاقتداء بهم في هذا الجانب فقال: "وهي إلى جانب ذلك قد عنيت بالتنظيم والترتيب وتنسيق شئون الحياة العامَّة تنسيقًا بديعًا يجب أن يؤخذ عنها كذلك"(5). ويؤكد الإمام على أن هذه الحقائق لا يُكابر فيها إلا جاهل أو معاند.
2 – اختلاف أسس النهضة:
استند الإمام البنَّا -رحمه الله- في رفضه للمشروع التغريبي إلى ركيزة أساسية تتمثل في اختلاف المنهج الذي أخذ به الأوروبيون في نهضتهم عن المنهج الإسلامي، وما ينتج عن هذا المنهج من مظاهر لا تتناسب مع الإسلام ولا تتفق مع شرائعه ومبادئه وتقاليد معتنقيه. واستعرض في مواضع عديدة تاريخ النهضة الغربية، والبيئة التي ظهرت فيها، فأكد أن الأوروبيين قد استفادوا من اتصالهم بالإسلام وشعوبه في الشرق بالحروب الصليبية وفي الغرب بمجاورة المسلمين في الأندلس، فنقلوا عنهم علومًا ومعارف كثيرة، وظهرت عندهم نهضة أدبية وعلمية واسعة النطاق، ولكن الكنيسة لم تكن على وفاق مع هذه اليقظة الذهنية والعقلية الجديدة، فقامت تُنَاقض هذه الظاهرة الغريبة بكل ما أوتيت من قوة، وتذيق رجالها من الأدباء والعلماء مُرَّ العذاب، وتعتدي عليهم محاكم التفتيش وتثير ضدهم الدول والشعوب، ولكن ذلك كله لم يُجْدِها نفعًا ولم تثبت تعاليمها أمام حقائق العلم وكشوفه، وخرجت النهضة العلمية منتصرة كل الانتصار، وتنبهت الدولة بذلك، فصارعت الكنيسة هي الأخرى حتى صرعتها، وتخلص بذلك المجتمع الأوربي تخلصًا تامًّا من سلطانها، وطارد رجالها إلى المعابد والأديرة، وألزم البابا الإقامة في الفاتيكان، وحصر عمل رجال الدين في نطاق ضيق من شؤون الحياة لا يخرجون عنه ولا يتطلعون إلى سواه، ولم تُبْق أوروبا على المسيحية إلا كتراث تاريخي(6).
أمَّا النتيجة التي ترتبت على هذا الصراع فهي جنوح الحضارة الغربية إلى المادية وما صاحبها من خصومة بين علماء الدنيا وحراس الدين، وسقط فيها جلال الربانية والتسامي بالنفس الإنسانية، والاعتقاد بالجزاء الأخروي. واضطربت بذلك بين يديها المقاييس الخلقية، وانطلقت غرائز الشر من عقالها تحت ستار الحرية الشخصية أو الاجتماعية، ونجم عن ذلك أن تحطمت الفضائل في نفوس الأفراد، وتهدمت الروابط بين الأسر، وفسدت الصلات بين الأمم، وصارت القوة -لا العدالة- شريعة الحياة، واندلعت نيران هذه الحرب فتذوق حرَّها المحاربون والآمنون على السواء(7).
وقد عاب الإمام البنَّا على البعض انحرافه عن الإسلام واختياره تقليد الغرب بعد أن درس أسباب النهضة الغربية واقتنع أن نهضتهم لم تقم إلا على أساس تحطيم الدين والتخلص من سلطة القساوسة ورجال الكهنوت والفصل التام بين الدين والدولة، وأن نهضتنا لابد أن تقوم على نفس الأساس. وأكد على أن قراءتهم للواقع الإسلامي خاطئة، ومحاولتهم تطبيق النموذج الغربي على العالم الإسلامي مصيرها إلى الفشل، وأن نجاح الفصل بين الدين والدنيا في إحداث نهضة مادية في البلاد الغربية ليس مؤشرًا لنجاحه في عالمنا الإسلامي، وفسَّر ذلك بقوله إن "طبيعة التعاليم الإسلامية غير طبيعة تعاليم أي دين آخر، وسلطة رجال الدين المسلمين محصورة محدودة لا تملك تغيير الأوضاع ولا قلب النظم، مما جعل القواعد الأساسية في الإسلام على مَرِّ القرون، تساير العصور وتدعو إلى الرقي وتعضد العلم وتحمي العلماء، فما كان هناك لا يصح أن يكون هنا... وعلى ذلك فلا يجوز أبدًا أن يكون هذا الشعور رائدنا في نهضتنا الجديدة، التي يجب أن ترتكز أول ما ترتكز على دعائم قوية من الخلق الفاضل والعلم الغزير والقوة السابغة، وهو ما يأمر به الإسلام"(8).
ثم ردَّ الإمام البنَّا على شبهة تُثار في هذا المجال، وهي تشهير البعض برجال الدين الذين آثروا المنافع الشخصية والمطامع الدنيوية على مصلحة البلد، فوقفوا في وجه النهضة الوطنية، وكانوا عونًا للغاصبين والظالمين، فأكد الإمام على أن هذا إن صح فهو ضعف في رجال الدين أنفسهم، وليس ضعفًا في المنهج الإسلامي، وهذا يُحسب عليهم بذواتهم ولا يُحسب على الإسلام. واستشهد الإمام بسيرة الأفاضل من علماء الأمَّة الذين كانوا "يقتحمون على الملوك والأمراء أبوابهم وسدودهم، فيقرعونهم ويأمرونهم وينهونهم ويرفضون أعطياتهم ويبيّنون لهم الحق ويتقدمون إليهم بمطالب الأمة، بل ويحملون السلاح في وجوه الجور والظلم"(9).
3 – خطورة التغريب:
حذر الإمام البنَّا من خطورة الحركة التغريبية التي اجتاحت العالم الإسلامي، وكان تحذير الإمام منطلقًا من إدراكه للأهداف التي من أجلها ظهرت حركة التغريب وفهمه لخطورة مظاهرها على المجتمع المسلم.
لقد أشار الإمام في مناسبات عديدة إلى الغاية من التغريب، فأكد على أن هناك ما هو أشد أثرًا من الاحتلال الغربي العسكري المباشر للبلدان الإسلامية، وهو احتلال العقول والأنفس. يقول الإمام: "نحن نعتقد أن احتلال الأعداء للأموال والأولاد والرءوس والنفوس أبعد في الأمة أثرًا، وأشد عليها خطرًا، وأطول أمدًا من احتلال الدواوين والثكنات والقلاع والمعسكرات، وبعبارة أخرى: إن العدو إذا كان حظه من الأمة إضعاف قوتها الحربية يومًا ما، وفرض القيود السياسية عليها حينًا من الدهر، فسيأتي عليها اليوم الذي تقوى ويضعف، وتنتفض مطالبة بحقوقها غاضبة لحريتها فتحرر، ولكن إذا كان حظه منها أن يحتل أرواحها وأفكارها ويُنسيها مقوماتها ومميزاتها فإنها ستفنى فيه طائعة ويعز عليها بعد ذلك أن تجد نفسها بين الأمم، ومن هنا قال الاجتماعيون بخطورة الاحتلال الروحي، وأنه أقوى على هضم الشعوب وابتلاع الأمم من الاحتلال العسكري السياسي"(10). ويؤكد واقع العالم الإسلامي صدق هذا الكلام، فهناك بلاد إسلامية تحررت من الاستعمار العسكري، ولكنها مازالت حتى الآن أسيرة للمستعمر في ثقافتها وسياستها واقتصادها وعقول أبنائها وسلوكهم.
ثم رصد الإمام البنَّا المظاهر والآثار التي ترتبت على الاتجاه المادي في الحضارة الغربية، وهي مظاهر طبيعية الظهور في ظل المنهج الذي اتبعه الغربيون والطريق الذي ساروا فيه منذ البداية، وقد تسرب منها الكثير إلى مجتمعاتنا المسلمة، وهي على النحو التالي:
- الإلحاد والشك في الله وإنكار الروح ونسيان الجزاء الأخروي والوقوف عند حدود الكون المادي المحسوس:﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:7]
- الإباحية والتهافت على اللذة والتفنن في الاستمتاع وإطلاق الغرائز الدنيا من عقالها، وإشباع شهوتي البطن والفرج، وتجهيز المرأة بكل صنوف المفاتن والمغريات، والإغراق في الموبقات إغراقا يحطم الأجسام والعقول ويقضي على نظام الأسر ويهدم سعادة البيوت: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد: 12].
- الأثرة في الأفراد، فكل إنسان لا يريد إلا خير نفسه، وفي الطبقات، فكل طبقة تتعالى على من سواها وتود أن تحظى بالمغانم دونها، وفي الشعوب، فكل أمة تتعصب لجنسها وتنتقص غيرها وتحاول أن تلتهم من هي أضعف منها.
- الربا والاعتراف بشرعيته واعتباره قاعدة التعامل، والتفنن في صوره وضروبه وتعميمه بين الدول والأفراد. (11)
ونبَّه الإمام إلى تسرب الموجة المادية وما يصاحبها من مظاهر إلى مجتمعاتنا الإسلامية وظهور من يدعو إليها ويشجعها من المسلمين، وحدد سرعة انتشار هذه الموجة فقال: "ومع هذا فالموجة تمتد بسرعة البرق لتصل إلى ما لم تصل إليه بعد من النفوس و الطبقات و الأوضاع"(12). أمَّا السبب في هذه السرعة فهو قدرة خصوم الإسلام على خداع عقلاء المسلمين، فقد وضعوا ستارًا كثيفًا أمام أعينهم، وصوروا الإسلام لهم تصويرًا قاصرًا في ضروب من العقائد والعبادات والأخلاق، إلى جانب مجموعة من الطقوس والخرافات والمظاهر الجوفاء، وأعانهم على هذه الخديعة جهلُ المسلمين بحقيقة دينهم، حتى استراح كثير منهم إلى هذا التصوير واطمأنوا إليه ورضوا به، وطال عليهم في ذلك الأمد، حتى صار من العسير إفهامهم أن الإسلام نظام اجتماعي كامل يتناول كل شؤون الحياة(13).
(1) البنَّا، حسن. مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنَّا، ص107.
(2) البنَّا، حسن. طريقان، جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد 17، السنة الثالثة، 6 أغسطس 1935م، ص3-6.
(3) البنَّا، حسن. الأمة العربية بين حضارتين، مجلة الإخوان المسلمين، العدد 55، السنة الثانية، 17 مارس 1945م، ص12.
(4) المصدر السابق، ص12.
(5) نفس المصدر، ص12.
(6) البنَّا، حسن. مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنَّا، ص149.
(7) البنَّا، حسن. الأمة العربية بين حضارتين، ص12.
(8) البنَّا، حسن. مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنَّا، ص80.
(9) المصدر السابق، ص81.
(10) البنَّا، حسن. لابد من أن نستكمل استقلالنا، ص1.
(11) البنَّا، حسن. مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنَّا، ص150.
(12) المصدر السابق، ص152.
(13) نفس المصدر، ص152-153.
.