بحوث ودراسات

المربي

الإمام حسن البنَّا والمشروع التغريبي (1)

الإمام حسن البنَّا والمشروع التغريبي  (1)

مقدمة

ورقة بحثية (1)

تجتاح العالمَ الإسلامي اليوم موجة جديدة من موجات الصحوة، وتشهد بلدانه بشائر نهضة منتظرة، بَعد أن أفاق المسلمون من ثباتهم، ووقفوا في وجه الطغاة من حكامهم، فأسقطوا عروشًا طال الجلوس عليها، وتخلصوا من ثلة حالت بينهم وبين التقدم، وتنسموا نسيم الحرية، وبدأوا في البحث عن الصراط المستقيم الذي يسيرون فيه لتحقيق آمال الأمة التي طال انتظارها وتأخر تحقيقها. والآن، حيث تتوق النفوس إلى طي صفحة الظلم والجهل والفقر، يُطل أصحاب الدعوات الغريبة على أمتنا الإسلامية من جديد، ويدعون إلى مناهج لم يكن لها من نصيب غير الفشل، ولم تَجُر على أمتنا غير العذاب، فينعق أحدهم مناديًا بالاشتراكية أو الشيوعية، ويرد عليه آخر مناديًا بالليبرالية، وتناسى هذا وذاك أن في الإسلام بشموله ما يُغنينا عن التبعية والتقليد.

وما أشبه الليلة بالبارحة، فما هذا إلا تكرار لما حدث في العالم الإسلامي حينما خرج من معارك الاستقلال الوطني إلى معركة أشد ضراوة، هي معركة تحديد الهوية، تلك الهوية التي اجتهد الغرب في طمس معالمها، وساعده في ذلك أعوانه من المنتسبين إلى الشرق بحكم الميلاد وأرواحهم هائمة بالغرب مولعة بثقافته، أولئك الذين انبهروا بالتقدم المادي الغربي، وأرادوا لنا أن نستبدل الحضارة الغربية المادية بحضارتنا الإسلامية، ظنًّا منهم أن الوصول إلى المدنية الحديثة مرهون باتباع الغرب وتقليده.

لقد ظهرت دعوة الإمام حسن البنَّا (2) في النصف الأول من القرن العشرين بهدف إصلاح العالم الإسلامي المنكوب في ذلك الوقت، وإيقاظه من غفلته، والعمل على نهضته. وقد آمن الإمام منذ البداية بأنه لابد لكل صحوة من نهضة تتبعها، وأنه لابد لكل نهضة من مشروع تتبناه وسبيل تسلكه، ولابد لهذا المشروع أن يستند إلى ثوابت الأمة ويتفق مع معتقداتها. ومن هنا كانت دعوته صرخة في وجه المشروع التغريبي الذي أراد أصحابه سلخ الأمة عن تاريخها المجيد وطمس معالمها الفريدة والقضاء على مكامن القوة فيها.

التغريب: تعريفه وأدواته ومجالاته

1 – تعريف التغريب:

التغريب مصطلح فرض نفسه على عالمنا الإسلامي بعد حركة الاتصال بين الشرق والغرب في عصرنا الحديث، وهو "محاولة تغيير المفاهيم في العالم العربي والإسلامي والفصل بين الأمة وبين ماضيها وقيمها، والعمل على تحطيم هذه القيم بالتشكيك فيها وإثارة الشبهات حول الدين واللغة والتاريخ ومعالم الفكر ومفاهيم الآراء والمعتقدات جميعًا"(3)، وهو "دعوة كاملة، لها نظمها وأهدافها ودعائمها، ولها قادتها الذين يقومون بالإشراف عليها. وهي حلقة من مخطط واسع في تأكيد الاستعمار ودعمه، قوامها عمل استعماري فكري بعيد المدى، قصد به القضاء على معالم شخصية هذه الأمة وتحويلها إلى صورة غريبة الملامح، لتخليصها من القيم والمثل والتراث الذي يتصل بها والذي كان عاملاً على تكوينها خلال الأجيال الطويلة"(4).

وهناك مصطلحات أخرى تدل على هذه الظاهرة، منها "الاغتراب الثقافي"، بما يحمله هذا المصطلح من دلالة على وجود ذات غير منسجمة مع واقعها، وتشعر باغتراب نفسي أو ديني أو فلسفي، وهو ما يجعلها مُهيأة للتغريب بمعنى الوقوع في فخ الآخر، فتنسى خصائصها وسماتها كلها لتصبح هي الآخر، وتبدو بعدئذ وكأنها لم يكن لها وجود سابق عليه (5)، كما تُستخدم مصطلحات أخرى لهذه الظاهرة، منها الصراع الثقافي والاختراق الثقافي والغزو الثقافي والاستلاب الثقافي والتحديث والمسخ و... وكلها مصطلحات تدل على محاولات للقضاء على حالة ثقافية واستبدالها بحالة جديدة.

ويُرجع البعض الجذور الأولى لحركة التغريب إلى عصر الحروب الصليبية، حينما أدرك الغرب الصليبي أنه لن ينتصر على المسلمين إلا بعد تزييف عقيدتهم الراسخة التي تحمل طابع الجهاد والمقاومة وتقف في وجه التوسع الأوروبي المسيحي في البلاد الشرقية (6)، غير أن هذه الحركة صارت أكثر انتظامًا وتأثيرًا بالتزامن مع مرحلة الغزو العسكري الأوروبي للعالم الإسلامي وبدايات الاستعمار الغربي الحديث، وكانت واحدة من أسلحة المستعمر، حيث عمل على تفريغ عقول المسلمين من موروثاتها وخصائصها ليضمن السيطرة على الشعوب الإسلامية دون مقاومة.

2 – أدوات التغريب:

لم يكن الاستعمار العسكري وحده هو أداة التغريب في بلاد المسلمين، بل لعله كان أضعف الأدوات، فقد أدرك الغرب أنه لا سبيل للانتصار على المسلمين عن طريق الحروب، لأن تدينهم يدفعهم إلى المقاومة والجهاد وبذل النفس في سبيل الله، ولهذا بحث عن سبيل آخر، وهو تحويل التفكير الإسلامي وترويض المسلمين عن طريق الغزو الفكري، ومن هنا كان الاعتماد على التبشير والاستشراق.

التبشير:

التبشير مصطلح مسيحي يعني نشر الديانة المسيحية بين غير المؤمنين بها بهدف تنصيرهم، ويُشرف على هذه العملية منظمات دينية، ثم ارتبطت هذه الحركة بالسياسة الاستعمارية، وصارت أداة من أجل تنصير الشعوب وربطها بالعالم المسيحي، خاصَّة الشعوب الإسلامية.

كان للتبشير أساليب وأنشطة عديدة، وكلها تحت مظلة العمل الإنساني ومساعدة الفقراء، ومنها إقامة المدارس في العالم الإسلامي، وقد أثرت هذه المدارس على الأطفال والشبيبة من المسلمين، كما استخدم المبشرون الإرساليات الطبية وفتح المستشفيات وأعمال الإغاثة في محاولات تنصير الفقراء في العالم الإسلامي، واستخدموا أيضًا المحاضرات والندوات والكتب والمجلات والصحف والنشرات (7).

الاستشراق:

أمَّا الاستشراق فهو مصطلح يُطلق على حركة ظهرت بين العلماء الأوروبيين لدراسة الحضارة الإسلامية، وذلك ليأخذوا منها سلاحًا يغزون به الفكر الإسلامي (8). وكانت هذه الحركة تهدف إلى تشويه الإسلام وحجب محاسنه وإثارة الشبهات والأباطيل حوله لإقناع الشعوب النصرانية بعدم صلاحيته كنظام حياة من ناحية، وتأييد الغزو الاستعماري لبلاد المسلمين من ناحية أخرى، وذلك بالعمل على تحطيم المقاومة بتأويل الجهاد وتحطيم وحدة المسلمين وعزل الشريعة الإسلامية عن التطبيق في المجتمع وإحلال الأنظمة القانونية والاقتصادية والسياسية والتربوية الغربية محل الإسلام، وفصل المسلمين عن جذورهم بتشويه تلك الأصول وعزلها عن مصادرها وهدم المقومات الأساسية للكيان الفردي والاجتماعي والنفسي والعقلي للمسلمين (9).

وقد ظهرت آثار الحركة الاستشراقية في مناهج التعليم والثقافة والفكر في العالم الإسلامي بواسطة الأتباع والأنصار الذين تربوا على أفكار المستشرقين وأخذوا في ترديدها والدعوة لها وافتعال معارك التشكيك في عقائد الأمة وآدابها (10).

لقد عاون التبشير والاستشراق كل منهما الآخر في تشويه الإسلام في أذهان الأوربيين وإضعاف تأثيره بين أبنائه، كما استطاعا أن يكونا سلاحين ماضيين بيد الاستعمار، فمهدا له القيام بمهمته العسكرية والسياسية والثقافية أحسن تمهيد، بل إنهما صنعا جيوبًا دينية وفكرية موالية للاستعمار ساهمت في توطيد أركان حكمه (11).

3 – مجالات التغريب:

تحرك التغريب في مسارات عديدة، وعمل على مستويات مختلفة لطمس معالم الشخصية الإسلامية، وظهرت آثاره في كل مجالات الحياة في العالم الإسلامي، في الثقافة والسياسة والاقتصاد والتعليم والسلوكيات والأخلاق و... إلخ.

التغريب الثقافي، وهو أخطر جوانب التغريب، فالثقافة مصطلح يدل على "الرقي الفكري والأدبي والاجتماعي للأفراد والجماعات بما تحتويه من العقائد واللغة والقيم والمبادئ والسلوك والمقدسات، ولا يمكن أن تنشأ حضارة لأمة مالم يكن وراءها ثقافة قوية تمتلك من الدين والقيم والأخلاق ما يسمو بها فوق الأمم"(12)، ولهذا استهدف الاستعمار الثقافة الإسلامية، وأخذ في تشويهها ليمهد الطريق للغزو الفكري ونشر النمط الغربي، وذلك بالتشكيك في المصدر الأول للثقافة الإسلامية وهو القرآن الكريم، وتشجيع العامية في مواجهة اللغة العربية الفصحى التي هي وعاء الفكر والثقافة، وإنكار الأصالة الفكرية عند العرب والمسلمين، والادعاء بأنهم نقلوا علوم القدماء ولم يكن لهم إسهام في الحضارة الإنسانية (13).

التغريب السياسي، وتتمركز حركته حول فصل الدين عن الدولة، بدعوى أن هذا الفصل سيحقق الرقي والتطور والرفاهية كما حدث في أوروبا وأمريكا(14)، في حين أن الهدف الحقيقي منه كان إبعاد المسلمين عن المصدر الذي يحثهم على الاهتمام بأمور السياسة والجهاد والوقوف في وجه المستعمر، وهذا المصدر هو الدين.

التغريب الاقتصادي، وتتمركز حركته حول تكبيل الاقتصاد في العالم الإسلامي وربطه بعجلة الاقتصاد الغربي للإبقاء على الشرق فقيرًا مُعدمًا لا يملك أدوات الصناعة والتجارة، ولهذا فقد "أغروا كبار المسلمين بالاستدانة منهم والتعامل معهم، وسهَّلوا عليهم ذلك وهوَّنوه عليهم، واستطاعوا بذلك أن يكتسبوا حق التدخل الاقتصادي، وأن يُغرقوا البلاد برؤوس أموالهم ومصارفهم وشركاتهم، وأن يديروا دولاب العمل الاقتصادي كما يريدون، وأن يستأثروا دون الأهلين بالأرباح الطائلة، والثروات العظيمة"(15).

تغريب التعليم، وتتمركز حركته حول تغيير العقول، ولهذا "أنشأ الغرب المدارس والمعاهد العلمية والثقافية في عقر ديار الإسلام، تقذف في نفوس أبنائه الشك والإلحاد وتعلمهم كيف ينتقصون أنفسهم، ويحتقرون دينهم ووطنهم، وينسلخون من تقاليدهم وعقائدهم، ويقدسون كل ما هو غربي، ويؤمنون بأن ما يصدر عن الأوروبيين وحده هو المثل الأعلى في هذه الحياة. واحتوت هذه المدارس على الطبقة العليا وحدها وصارت وقفًا عليها، وأبناء هذه الطبقة هم العظماء والحكام، ومن سيكون بيدهم بعد قليل مقاليد الأمور في هذه الأمم والشعوب، ومن لم يتم نضجه في هذه المعاهد الموضعية، فإن في البعثات المتلاحقة ما يكفل لهم التمام"(16).

تغريب السلوكيات والأخلاق، وتتمركز حركته حول نقل السلوكيات والأخلاق الغربية إلى ديار المسلمين، ولهذا فإنهم "جلبوا إلى هذه الديار نساءهم الكاسيات العاريات، وخمورهم ومسارحهم ومراقصهم وملاهيهم، وقصصهم وجرائدهم، ورواياتهم وخيالاتهم، وعبثهم ومجونهم، وأباحوا فيها من الجرائم ما لم يُبيحوه في ديارهم، وزينوا هذه الدنيا الصاخبة العابثة، التي تعج بالإثم وتطفح بالفجور، في أعين البسطاء الأغرار من المسلمين الأغنياء، وذوي الرأي فيهم، وأهل المكان والسلطان"(17). وتظهر آثار التقليد للسلوكيات الغربية في بيوت الأعيان وكبراء الأمة، حيث لا ترى فيها إلا مظاهر أوروبية، وعادات غربية، ولغة أجنبية، وخدمًا لا يمتون إلى مصر ولا ينتسبون إليها بنسب، وأولادًا من بنين وبنات في مدارس الأعاجم ومعاهد الأعاجم؟!، وهؤلاء هم الذين سيقودون البلاد في مستقبلها، وتنظر إليهم عيون المقلدين من بقية الشعب(18).

 

 

(1) قدمت هذه الورقة في مؤتمر الصحوة الإسلامية، في إيران، سنة 2012م

(2) حسن أحمد عبدالرحمن البنَّا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين ومرشدها الأول. ولد البنَّا في محافظة البحيرة سنة 1906م، وحفظ القرآن الكريم في صغره، وتدرج في مراحل التعليم المختلفة إلى أن تخرج في كلية دار العلوم سنة 1927م وكان الأول على دفعته. أسس البنا جماعة الإخوان المسلمين سنة 1928م، وانتشرت دعوته في مصر والعالم كله، ومازالت الجماعة تمارس دورها الإصلاحي على جميع المستويات في العالم الإسلامي. أرسل الإمام البنًا آلاف المجاهدين من جماعة الإخوان المسلمين لمحاربة اليهود على أرض فلسطين، ووقف بقوة في وجه الاستعمار الأوروبي لبلاد المسلمين. استشهد الإمام في عام 1949م بعد حادثة اغتيال آثمة دبرها له النظام الملكي في مصر بالتعاون مع القوى الاستعمارية التي خشيت من الصحوة الإسلامية التي قادها وظهرت آثارها في محاربة اليهود والجهاد ضد الإنجليز.

(3) الجندي، أنور. تغريب الشرق، منبر الإسلام، العدد 6، السنة الثانية والعشرون، جمادى الآخرة 1384هـ، ص94.

(4) المصدر السابق، ص93.

(5) عبود، شلتاغ. الثقافة الإسلامية بين التغريب والتأصيل، الطبعة الأولى، بيروت، دار الهادي، 2001م، ص31.

(6) الناصر، محمد حامد. العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب، الطبعة الثانية، الرياض، مكتبة الكوثر، 2001م، ص95.

(7) المصدر السابق، ص96-97.

(8) جريشة، علي محمد. أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي، الطبعة الثالثة، القاهرة، دار الاعتصام، 1979م، ص19.

(9) المصدر السابق، ص22.

(10) نفس المصدر ، ص23.

(11) عبود، شلتاغ. مصدر سابق، ص49.

(12) عللوه، محمد. سياسة تغريب العالم الإسلامي، رسالة التقريب، العدد 26، ذو الحجة 1420هـ، ص160.

(13) المصدر السابق، ص161-163.

(14) نفس المصدر، ص158.

(15) البنَّا، حسن. مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنَّا، القاهرة، دار الدعوة للطبع والنشر والتوزيع، 2002م، ص151.

(16) المصدر السابق، ص151-152.

(17) نفس المصدر، ص151.

(18) البنَّا، حسن. لابد من أن نستكمل استقلالنا، جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد 7، السنة الخامسة، 2 يوليو 1937م، ص1.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم