علاقة التمكين بفهم المسلمين لرسالة الإسلام
والتمكين للإسلام مرتبط بفهم المسلمين لرسالته على الوجه الذي يريده الله منهم، لا على الوجه الذي تمليه عليهم بيئاتهم أو أعرافهم أوعاداتهم وتقاليدهم، (فهناك فرق بين تعاليم إسلامية وتقاليد بشرية)، ولو وعي المسلمون رسالة القرآن والإسلام وأحسنوا عرضها لتغير حالهم وحال من يتعاملون معهم من الأمم، (فالوعي أساس السعي)، ولقد طالب الله المؤمن بهذا الوعي والفهم قبل أي شيء حتى قبل الاعتقاد وسماه الله علما في قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾(1)، فطالب الله المؤمن بالعلم قبل العقيدة والعمل، وضبط المعايير والمفاهيم لدى المسلمين من الأهمية بمكان.
وإذا تتبعنا النماذج التي مكن لها في الأرض وجدنا هذه الصفة معلما من معالم حياتهم، ومن هؤلاء:
يوسف وإحسان الحياة في سبيل الله
وتلحظ هذه الصفة من صفات جيل التمكين وهي: إحسان الحياة في سبيل الله كإحسان الموت في سبيل الله لدي نبي الله يوسف فإنك تلحظ في حياته خطين متوازيين خط الرغبة في الآخرة والحرص على أعلى درجاتها والتحلى بتلك المؤهلات التي تؤهل لها من: الربانية، والإحسان، والإخلاص، وطلب أن يتوفى مسلما، ويلحق بالصالحين، والاعتماد على الله، والالتجاء إليه في السراء والضراء، والعفو عن ظالميه، والإغضاء عن هفوات غيره وعدم ذكر مساءته، .... مع خط الحرص على إعمار الحياة، ونفع الغير، وتصحيح المفاهيم وإرشاد الغير للخير وذكر الجميل وعرفانه وعدم نكرانه وإحسان التعامل مع الناس على اختلاف عقولهم وبيئاتهم، واختيار سجن الجسد على مساس الروح وتقديم النصح الخالص لكل أحد حتى إلى من آذوه وألقوه في غيابت الجب أو غيابات السجن والكيد الحسن للوصول إلى مراده، وحرصه على القيم في عدم أخذ غير من وجد متاعهم عنده، وذكاؤه في التعامل ببدئه بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، ثم استخراجها من وعاء أخيه،وعتبه الجميل الرقيق لإخوته، ولامرأة العزيز، والتماسه العذر لصاحب الذنب، إلى غير ذلك من جوانب الموازنة بين إحسان الحياة والحرص على خيراتها والرغبة في الآخرة والعمل من أجلها... ويمكن أن نرصد بعض المواطن التي برز فيها إحسان يوسف للحياة ومعطياتها والرغبة في تسييرها لله على النحو التالي:
وصفه بأنه من المحسنين
وصف يوسف بأنه من المحسنين وكان هذا الوصف من أصحاب السجن بعدما رأيا منه حسن الخَلق والخُلق من حيث التعامل في الأسلوب إذ ناداهما بأحب نداء وقربهما وأحسن إليهما في تعبير رؤياهما وأحسن في عرض قضيتهما وتفهيمهما، ودعوتهما إلى الإسلام، وكل ذلك وغيره مما قدمه يوسف لهما من دلائل الحياة وعمارة الدنيا بدلالة أهلها على ما يرشدهم إلى منافعهم في الدنيا والآخرة، لقد كان يوسف بهذا التعامل الراقي مع شخصين معدودين في سلك أصحاب الجريمة وممن وجب عليهم العقاب نموذجا لجيل التمكين الذي يحيي في نفوس من حوله قيمة الحياة الهادفة التي ينتقل فيها الفرد من عبد مطامع وشهوات ومنافع دنيوية إلى رجل فكرة وجندي عقيدة، وليس وراء هذه الصورة من تسخير الحياة - مهما كانت وعلى أي صورة إلى حياة راقية من حيث الهدف والقيمة من مطلب.
موقفه من رؤيا الملك
عندما عرض على يوسف أمر رؤيا الملك وقدم لهم التشخيص والعلاج قدمه بصورة جماعية لا يقع فيها العبء على كاهل فرد دون فرد ولا طائفة دون طائفة، ولقد صور القرآن هذا الجانب من جوانب صفات جيل التمكين في قوله-تعالى-: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ (2).
وقوله: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا…﴾ أي يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات ففسر البقر بالسنين لأنها تثير الأرض التي تستغل منها الثمرات والزروع وهن السنبلات الخضر، ثم أرشدهم إلى ما يعتدونه في تلك السنين فقال: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾، أي: مهما استغللتم في هذه السبع السنين الخصب فادخروه في سنبله؛ ليكون أبقى له وأبعد عن إسراع الفساد إليه، إلا المقدار الذي تأكلونه وليكن قليلا قليلا لا تسرفوا فيه لتنتفعوا في السبع الشداد وهن السبع السنين المحل التي تعقب هذه السبع المتواليات، وهن البقرات العجاف اللاتي تأكل السمان لأن سني الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سني الخصب وهن السنبلات اليابسات وأخبرهم أنهن لا ينبتن شيئا وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء ولهذا قال: ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾، ثم بشرهم بعد الجدب العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك عام فيه يغاث الناس أي يأتيهم الغيث وهو المطر وتغل البلاد ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم )([3]).
إن نظرة يوسف للحياة وتسخيرها وإحسان العمل فيها لا تبدو من تعبير الرؤيا فقط بل من وضع هذه الخطة الطويلة التي قسمها بهذه الصورة التي تقي العباد والبلاد من شبح الجوع الكاسر قبل مجيئه، ولقد كان تعبيره بهذه الصورة كان مقدمة لتعرف الملك عليه وإفادته من خبرته وعقله فألقى إليه مقاليد الأمور وكان ذلك تمكينا ليوسف في البلاد كما ذكر القرآن الكريم.
(وقد مزج تعبيره بإرشاد جليل لأحوال التموين والادخار لمصلحة الأمة. وهو منام حكمته كانت رؤيا الملك لطفا من الله بالأمة التي آوت يوسف عليه السلام ووحيًا أوحاه الله إلى يوسف عليه السلام بواسطة رؤيا الملك كما أوحى إلى سليمان -عليه السلام- بواسطة الطير، ولعل الملك قد استعد للصلاح والإيمان
وكان ما أشار به يوسف-عليه السلام- على الملك من الادخار تمهيدًا لشرع ادخار الأقوات للتموين كما كان الوفاء في الكيل والميزان ابتداء دعوة شعيب -عليه السلام- وأشار إلى إبقاء ما فضل عن أقواتهم في سنبله ليكون أسلم له من إصابة السوس الذي يصيب الحب إذا تراكم بعضه على بعض فإذا كان في سنبله دفع عنه السوس وأشار عليهم بتقليل ما يأكلون في سنوات الخصب لادخار ما فضل عن ذلك لزمن الشدة فقال ( إلا قليلا مما تأكلون )، والشداد: وصف لسني الجدب؛ لأن الجدب حاصل فيها فوصفها بالشدة على طريقة المجاز العقلي، وأطلق الأكل في قوله: (يأكلن) على الإفناء كالذي في قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ﴾ (4). وإسناده بهذا الإطلاق إلى السنين إسناد مجاز عقلي لأنهن زمن وقوع الفناء، والإحصان: الإحراز والادخار أي: الوضع في الحصن وهو المطمور. والمعنى: أن تلك السنين المجدبة يفنى فيها ما ادخر لها إلا قليلا منه يبقى في الأهراء. وهذا تحريض على استكثار الادخار، وأما قوله: ( ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس ) فهو بشارة وادخار لمسرة الأمل بعد الكلام المؤيس وهو من لازم انتهاء مدة الشدة ومن سنن الله- تعالى- في حصول اليسر بعد العسر)([5]).
طلبه من الملك أن يكون على خزائن الأرض
لقد طلب يوسف من الملك بعد أن فسر له رؤياه أن يجعله على خزائن الأرض، وكان طلبه في تلك الظروف الحرجة التي يهرب من مشقتها وتبعتها العصبة أولوا القوة من الرجال، ففي إقدامه على هذا الطلب رغم تبينه مخاطره ومحاذيره لمحة من لمحات الرغبة في إرشاد الناس إلى الانتفاع بالحياة وإحسان التعامل معها على منهاج الله، فإنه لم يقبع في بيته ويغلق عليه داره ويقنع من الغنيمة بالإياب، بل غامر في طلب هذا الشرف المروم، - إن صح التعبير بأنه شرف، وقدم يوسف للملك مؤهلات تحمله هذا العبء بأنه حفيظ عليم.
ومن النماذج التي أحسنت الحياة في سبيل الله لها ولمن حولها ذو القرنين وبدا ذلك في :
موقفه من بناء السد
إن ذا القرنين عندما سمع من هؤلاء القوم رغبتهم في بناء السد لم يكتف منهم بالكلام بل أرشدهم إلى الحركة والعمل وبذل الوسع في الوصول إلى حياة آمنة هانئة، وهم طلبوا منه هذه المساعدة لما رأوا فيه من صفات.
(وهم عندما وجدوه فاتحًا قويًّا، وتوسموا فيه القدرة والصلاح، عرضوا عليه أن يقيم لهم سدًّا في وجه يأجوج ومأجوج الذين يهاجمونهم من وراء الحاجزين، ويغيرون عليهم من ذلك الممر، فيعيثون في أرضهم فسادا ; ولا يقدرون هم على دفعهم وصدهم، وذلك في مقابل خراج من المال يجمعونه له من بينهم. وتبعًا للمنهج الصالح الذي أعلنه ذلك الحاكم الصالح من مقاومة الفساد في الأرض فقد رد عليهم عرضهم الذي عرضوه من المال؛ وتطوع بإقامة السد، ورأى أن أيسر طريقة لإقامته هي ردم الممر بين الحاجزين الطبيعيين، فطلب إلى أولئك القوم المتخلفين أن يعينوه بقوتهم المادية والعضلية:﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ…﴾ [الكهف: 95-96] فجمعوا له قطع الحديد، وكومها في الفتحة بين الحاجزين، فأصبحا كأنهما صدفتان تغلفان ذلك الكوم بينهما، قال تعالى:﴿حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا﴾ [الكهف: 96]، وأصبح الركام بمساواة القمتين (قال:انفخوا) على النار لتسخين الحديد (حتى إذا جعله نارًا) كله لشدة توهجه واحمراره (قال: آتوني أفرغ عليه قطرًا) أي نحاسًا مذابًا يتخلل الحديد، ويختلط به فيزيده صلابة) (5).
إن جيل التمكين الذي عاشه وهنئ به جيل يسخر الدنيا للدين، يصلحها به ويعيشها على ضوئه؛ فليس الدين عبادات معزولة عن واقع الحياة، ولا ترنيمات مبتورة الصلة بالواقع المعيش بل هي دوافع للبشر لينعموا بالحياة السوية الصالحة دون وكس ولا شطط.
الأجزاء السابقة:
جيل يحسن الحياة في سبيل الله - 1
https://tarbyaa.com/article-124801
جيل يحسن الحياة في سبيل الله - 2
https://tarbyaa.com/article-124804
(1) - محمد: 19.
(2) - يوسف: 43-49.
(3) - تفسير القرآن العظيم: 2/361.
(4) - البقرة:188.
(5) - التحرير والتنوير: 1/ 2191.
.