حكايات تربوية

البيت المسلم

القمر الذي يتشكّل من الداخل

القمر الذي يتشكّل من الداخل

القمر الذي يتشكّل من الداخل — قصة أسرة علّمتنا الادخار

كانت العلبة تشبه السرّ الذي يعرفه الجميع ولا يقوله أحد.

علبة بسكويت قديمة كانت صفراء ثم صارت بُنّية من كثرة الأيدي التي لمستها، تجلس على أعلى رف في المطبخ كأنها تحكم من فوق، لا قفل عليها. لا ورقة تشرحها. لكن أحدًا في البيت لم يمدّ إليها يده بغير إذن. لأن الأشياء التي تُحترَم لا تحتاج إلى أقفال.

كلّ جمعة بعد صلاة الفجر كان أبو منال يجرّ كرسيه إلى المطبخ، يفتح العلبة، يُعدّ ما فيها بهدوء من يؤدي فريضة، ثم يضيف ما في جيبه ويُغلقها. لا يقول شيئًا. لا يشرح لأحد. فقط يُعيدها إلى مكانها على الرف وكأنه يضع طفلاً نائماً في سريره.

يوماً سألته منال وهي صغيرة، ست سنوات وفضول لا يهدأ، قالت:

ـ يا أبي، ماذا تضع فيها كل جمعة؟

قال بلا تفكير وبلا ابتسام:

أدّخر لنشتري القمر.

نظرت إليه ثم نظرت إلى أمها. كانت أم منال تغسل الأطباق ولم تلتفت، لكن في ظهرها شيء يقول إنها سمعت وإنها توافق.

البيت كان صغيرًا بالمتر ولا نهائياً بما فيه. طابق واحد في بناية قديمة بحيّ يعرف كل سكانه بعضهم. الجيران يعرفون متى تغلي قدر أم منال ومتى يسعل أبو منال في الصباح. وأبو منال يعرف متى يضيق الحال على الجار وكيف يُعين دون أن يُذلّ.

لم يكن غنياً. لم يكن فقيراً. كان في تلك المنطقة التي لا يراها الناس عادةً، الكفاف الذي لا يُفاخَر به ولا يُشكى منه.

راتبه يأتي ويذهب كالضيف المؤدب. لكن من كل ضيف مرّ كان يأخذ شيئاً ويضعه في العلبة، عشرة هنا، خمسة عشر هناك. أحيانًا جنيهات معدودة كأنها خجلى من نفسها.

أم منال من جهتها كانت تُوفّر من حيث لا يرى أحد. تشتري الخضار آخر النهار حين يرخص. تُعيد توظيف ما بقي من أمس في وجبة اليوم بمهارة مَنْ يعرف أن الله يُبارك في القليل حين يُحترم. وكل ما وفّرته كان مصيره الرف الأعلى في المطبخ.

منال مرة قالت لزميلتها في المدرسة:

أهلي يدّخرون لشراء القمر.

ضحكت الزميلة، منال لم تضحك.

الجيران كانوا يتساءلون: هذه الأسرة التي لا تشتري جهاز تلفزيون جديدًا حين يعطل القديم، ولا تُغيّر الأثاث حين يتقادم، ولا تذهب في الصيف إلى حيث يذهب الناس هل هي بخيلة؟ هل هي عاجزة؟ هل لا تعرف أن الحياة تُعاش؟

لكن الجيران لم يروا ما رأته منال، لم يروا أباها يُقرض جاره دون أن يُدوّن، ولم يروا أمها تُرسل الطعام إلى البيت المحتاج في الطابق الثالث، ولم يسمعوا حديثهما في المساء حين يجلسان بعد العشاء وينظران إلى العلبة من بعيد كما ينظر الناس إلى النجوم ليس لأنهم يريدون أن يقبضوا عليها، بل لأن مجرد وجودها يُطمئنهم.

كان أبومنال يقول لزوجته: الدنيا ليست بالكثير، الدنيا بالنيّة. وكانت تردّ وهي تطوي الغسيل: والنيّة تحتاج علبة بسكويت تحفظها.

مرّت السنوات كما تمر الأيام حين تكون مشغولًا بشيء يستحق.

منال كبرت، وكبر أخوها الصغير خالد الذي وُلد بعدها بثلاث سنوات ولم يعرف بيتًا بلا علبة على الرف. خالد كان يتساءل أحيانًا ماذا في العلبة. لكنه لم يفتحها. لأن الأشياء التي لا تُفتح أحيانًا تُعلّم أكثر مما تُعطي.

حين دخل خالد الجامعة جاء يوم صعب، رسوم التسجيل، مبلغ لم يكن في الحساب، مبلغ لا كبير ولا صغير، لكنه في تلك اللحظة كان بحجم الجبل.

جلس أبومنال وأم منال في المطبخ. بينهما العلبة على الطاولة لأول مرة تنزل من الرف إلى مستوى الأعين.

فتحها أبومنال، لم يقل أحد شيئًا.

كانت أوراق النقود مطوية بعناية، كل فئة مع فئتها كأنها تعرف مكانها. والمعدنيات في الزاوية كأطفال جلوس في طابور. وتحت كل هذا ورقة صغيرة بخط أم منال: "بسم الله، هذا ما أعطانا الله، وهو راجع إلى الله". 

عدّا المبلغ معًا، كان يكفي، بالضبط يكفي، لا زيادة تُبهج ولا نقصان يُعقّد.

نظر أبومنال إلى زوجته، في عينيه شيء لا اسم له بالضبط، ليس فرحًا كاملًا وليس حزنًا. شيء يشبه الاطمئنان حين يثبت أن ما آمنت به لم يكذب عليك.

حين أُخبر خالد بأن العلبة دفعت رسومه لم يستطع أن يتكلم. وقف في باب المطبخ. ينظر إلى العلبة الفارغة على الطاولة. العلبة التي ظلت على الرف طوال عمره. العلبة التي لم يفتحها. العلبة التي كان اسمها في البيت "القمر".

قال بصوت فيه شيء يتكسر بهدوء: هذا هو القمر الذي تشترونه؟

قالت أم منال وهي تُعيد العلبة إلى الرف خاويةً: القمر يتشكّل من الداخل يا خالد، لا من الخارج.

بعد سنوات كثيرة كان خالد يجلس مع ابنته الصغيرة. سألته كما تسأل الأطفال بلا مقدمات ولا استئذان

يا أبي، لماذا كان جدّي يضع علبة البسكويت في الأعلى؟

فكّر خالد طويلًا، ثم قال بصوت من يُرتّب كلامًا تعلّمه بالسنوات لا بالكتب. 

لأن ما توفّرينه ليس مالًا فحسب. ما توفّرينه هو أنك تقولين لربك: أنا أرى نعمتك، وأحافظ عليها.

نظرت البنت إليه بعيون تفهم أكثر مما تقول. ثم قالت: وهل يرى ربنا العلبة؟

ابتسم خالد. ابتسامة فيها ما فيها، ربنا يرى العلبة نفسها وما في العلبة وكل شيء.

يا صاحبي: الأسرة التي تدّخر معًا لا تجمع مالًا فقط. تجمع لغة مشتركة. وثقة لا تُشترى. وأطفالًا يرون كل يوم أن الصبر ليس ضعفًا بل بناء.

والقمر الذي تدّخر له قد لا يكون ما ظننت، قد يكون يومًا يأتي فيه ابنك إلى باب المطبخ وينظر إلى علبة فارغة ويفهم كل شيء. وهذا الفهم وحده يساوي كل ما في العلبة وما فوقها.

.

د. علي شيخون

عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم