بركة الرزق
يمر النهار بعد النهار، وتتقلب الأوراق في محافظنا كما تتقلب الأحوال، وتتجدد الأرقام في سجلات حساباتنا، وتبقى تلك العين الثالثة التي لا تنام، تنظر من خلف ستائر الحياة إلى ما في أيدي الناس. نفتح نوافذنا الرقمية فتدخل رياح المقارنات العاتية، تحمل صوراً لعقارات الآخرين الفارهة وشركاتهم المزدهرة وسياراتهم اللامعة، وكلها تهمس في أذننا السؤال نفسه: وأين أنت من كل هذا؟ لكن الحقيقة التي تغيب عنا في خضم هذه العاصفة هي أننا حين ننظر إلى قصور الناس وعماراتهم، ننسى سقف بيتنا الذي يأوينا، وحين نحدق في أساطيل سياراتهم، نغفل عن مركبتنا التي تقلنا، وحين نحصي أموالهم واستثماراتهم، نتناسى بركة الرزق الذي بين أيدينا.
لنسأل أنفسنا في لحظة صفاء ما قيمة أن نعرف كم يملك الناس من عقارات وشركات؟ أتزيدنا هذه المعرفة سعة في دارنا؟ أم تضاعف أرباح تجارتنا؟ لا شيء من هذا، إنها فقط تزيد القلب قلقًا، والنفس تطلعًا لما لم يكتب لنا، وتزرع في الصدر حسرة على الأقدار التي لم تُعطَ لنا. إنها السرقة الوحيدة التي نقدم عليها بأنفسنا، سارقين راحتنا وطمأنينتنا مقابل نظرة عابرة إلى قصور لا نسكنها، وشركات لا نديرها، وسيارات لا نقودها.
القناعة الحقيقية
القناعة ليست استسلامًا للفقر، ولا تواكلًا على الأماني، بل هي فن النظر إلى ما نملك قبل النظر إلى ما يملك الآخرون. هي تلك الهدية الربانية التي تجعل الشقة المتواضعة قصرًا، والمركبة البسيطة نعمة، والمشروع الصغير بركة. القناعة هي العين التي ترى البركة في المسكن الواسع بما يحويه من ذكريات، لا في ضيقه بالمقارنة بغيره. هي القلب الذي يطمئن إلى عدل الله –عز وجل- في قسمة الأملاك والعقارات، مدركًا أن الدنيا دار اختبار لا دار استعراض.
ما أسوأ تلك اللحظة التي تتحول فيها النعمة إلى نقمة، لمجرد أننا رأينا عند الآخرين ما نظنّه أفضل! كم من نعمة بين أيدينا لا نذوق حلاوتها إلا عندما نراها في عيون المحرومين! البيت الذي يأوينا من حر الصيف وبرد الشتاء، السيارة التي تنقلنا حيث أردنا، العمل الذي يكفل لنا كرامة العيش، كلها كنوز حقيقية، لكن عين المقارنة تعمي عن رؤية بريقها. ونظل نعد ما نملكه بإصبع واحد، ونعد ما يملكه الناس بعشرة أصابع!
وحين تدخل المقارنة قلوبنا، فإنها لا تكتفي بسرقة فرحتنا، بل تمتد إلى علاقاتنا، فتحول الصديق إلى منافس، والجار إلى مقياس، والقريب إلى مرآة نرى فيها تقصيرنا. وتلك آفة تهدد كيان المجتمع قبل أن تهدد التوازن المالي للأفراد. فالمقارنة تفتت اللحمة الاجتماعية، وتزرع بذور الحسد والكراهية، وتجعلنا ننظر إلى نجاح الآخرين على أنه فشل لنا. وهي في الوقت نفسه تضرب التربية المالية في مقتل، لأنها تجعل الملكية والعقارات غاية بدلًا من وسيلة، ومعيارًا للقيمة بدلًا من أداة للخير.
فكيف ننتهي من هذه الدائرة المفرغة؟
تلك النظرات المتلصصة إلى ما في أيدي الناس -يا للعجب- لا تكف عن سؤالنا: وأين أنت من كل هذا؟ وكأني بها عينٌ ثالثة تنبت في جباهنا بلا إذن، تفتح جفونها مع كل صباح على صور القصور والسيارات والعقارات، وتطبقها ليلًا على همسات الحسرة. لكن الوقفة الحقيقية لا تكمن في إقفال العين الثالثة، بل في إعادة توجيه بصرنا وبصيرتنا نحو مسارٍ أكثر إنسانيةً وحكمة.
كيف ننتهي؟
السؤال يحتاج إلى جرأة الاعتراف أولًا: أننا نعيش في زمن صار فيه التملك صنمًا، والمقارنة طقسًا يوميًّا. الاعتراف ليس ضعفًا، بل هو نقطة الانطلاق نحو التحرر. فلنقلها بصدق: لقد حولنا مرايا الآخرين إلى سجون لأنفسنا، وصور سعادتهم إلى قيود لطموحنا. وهذا الوعي وحده كفيل بأن يهز جذوة التغيير في نفوسنا.
الخطوة الثانية تكمن في إعادة اكتشاف الذات. ما الذي يهمك حقًا؟ ما الذي يمنح حياتك معنى حقيقيًّا يتجاوز امتلاك العقارات والسيارات؟ اكتشف شغفك الذي يوقظك قبل شروق الشمس، وقيمتك التي لا ترتبط برقم في بنك، وسعادتك التي لا تتوقف على إعجاب الآخرين. أنت لست تقييمًا لما تملك، بل أنت ما تقدمه للعالم من خير، وما تزرعه في قلوب الآخرين من طمأنينة، وما تتركه في دنياك من أثر طيب.
كيف ننتهي؟ بالتوقف عن عدّ النعم وبدء عدّ الاستثمارات الإنسانية. بدلًا من حساب مساحة بيتك، احسب مساحة قلبك التي تستوعب أحلامًا وآمالًا بدلًا من متابعة أسعار السيارات، تابع سرعة تطورك الشخصي ونموك الروحي. بدلًا من مراقبة عقارات الآخرين، اهتم ببناء عقارات العلاقات الإنسانية الراسخة في محيطك. حوّل نظرتك من ماذا أملك؟ إلى كيف أعيش؟ ومن كم لدي؟ إلى كيف أستثمر ما لدي في خدمة حياتي وقيمي؟
العلاج الحقيقي يبدأ عندما ندرك أن السعادة ليست في حجم الممتلكات، بل في عمق التجربة الإنسانية. وأن الغنى الحقيقي ليس في كمية ما نخبئه في الخزائن، بل في جودة ما ننفقه على الحياة. وأن الحرية ليست في امتلاك كل شيء، بل في عدم احتياجنا إلى امتلاك كل شيء لنشعر بقيمتنا.
ننتهي عندما نتعلم فن الاقتصاد الروحي:
أن نستثمر في علاقاتنا أكثر من استثمارنا في عقاراتنا، وأن نهتم بصحتنا النفسية كما نهتم بصحة محافظنا المالية، وأن نعطي للقناعة من قيمة ما نعطيه للطموح. عندما يصبح رصيدنا من الرضا أغلى من رصيدنا البنكي، وعندما تصبح ثقتنا بأنفسنا أقوى من تأثير إعلانات السيارات الفاخرة.
ننتهي عندما نكتشف أن أجمل ما في الحياة لا يُشترى بالأموال: ضحكة طفل، قبضة يد صديق، لحظة صمت مع الذات، شعور بالإنجاز لا يقدر بثمن، راحة الضمير، طمأنينة القلب. هذه هي العقارات الحقيقية التي لا تفقد قيمتها، والسيارات التي تسير بنا إلى حيث نريد دون وقود من حسد أو مقارنة.
ولنتذكر دائمًا أن ميزان الله غير ميزان الدنيا. قد يملك إنسان قصور الدنيا كلها، لكن قلبه فقير إلى السلام، ونفسه تعبة من الفراغ، وروحه عطشى إلى الطمأنينة. وقد يملك إنسان بيتًا صغيرًا، لكن قلبه غني بالإيمان والطمأنينة، ونفسه راضية بقسمة الله، وروحه مطمئنة بلقائه. فأيهما نختار لأنفسنا؟ وأي الكنوز نعتز به؟ هل كنوز الدنيا الزائلة من عقارات وشركات أم كنوز الآخرة الباقية؟
ننتهي عندما نستبدل ميزان الدنيا بميزان الآخرة. عندما نُدرك أننا في امتحانٍ دقيق، والمال والممتلكات ليست جوائز النجاح، بل أدوات الاختبار. فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بما جمعتَ في خزانتك، بل بما قدّمتَ في صحيفتك. والمؤمن الفطن هو من يجعل الدنيا في يديه لا في قلبه، فيسخرها لبناء ما يبقى، لا لتملك ما يفنى.
ننتهي عندما نعود إلى المنهج الرباني الذي يعلّمنا أن ننظر إلى ما تحت أقدامنا، لا إلى ما فوق رؤوس الآخرين. أن تكون عيناك على ما أُعطيت، لا على ما حُرمت. وأن تدرك أن الله لو أرادك تملك كل ما تراه، لأعطاك إياه. ولكن الحكمة أن تعطي كل ذي حق حقه، والاختبار أن ترضى بحظك من الدنيا، لتفوز بحظك من الآخرة.
الطريق واضح:
الشكر على القليل يُنسيك النظر إلى الكثير. والقناعة بالنصيب تُحررك من أسر التمني. والتوكل مع السعي يُريح القلب والجوارح. فلتسعَ كما لو أن الرزق عليك مكتوب، وكن راضيًا كما لو أن القسمة بين يديك.
العلاج ليس في تجريم النظرة، بل في تصحيح النية. اجعل نظرتك إلى نعم الآخرين تذكيرًا لك بنعمك عليهم، وحافزًا للشكر لا للحسد، ودافعًا للعطاء لا للجشع. واعلم أن أجر القانع الشاكر أعظم في ميزان الله من ثروة القانط الحاسد.
فالتحرر من سجن المقارنة يبدأ بلحظة يقين: أن ما عند الله خير وأبقى، وأن السعيد في الدارين مَنْ جعل همّه رضا ربه، لا حسد خلقه.
فالسعيد حقًّا ليس مَنْ يملك القصور والشركات، بل مَنْ يشعر بأن ما يملكه يكفيه، ويشكر عليه، ويستخدمه فيما يرضي ربه، وعندها حتى لو كانت الدنيا كلها بين يديه، لن ينظر إلى ما في يد غيره، لأنه مشغول بالشكر على ما في يديه، وبالعطاء مما أعطاه الله، وبالبذل مما منحه الخالق. وعندها فقط، تتحول الممتلكات من أوعية للمادة إلى أوعية للبركات، ومن سجلات للأملاك إلى سجلات للأعمال الصالحة، ومن أماكن للسكن والتنقل إلى أماكن للأمانات الإلهية.
فليكن قرارنا اليوم هو تحرير أنفسنا من سجن المقارنة، ليس بإغلاق العيون، بل بفتح القلب على معنى جديد للحياة، حيث تكون قيمتنا فيما نقدمه، لا فيما نملكه، وفيما نبنيه في داخلنا، لا فيما نشاهده في عروض الآخرين.
.
د. علي شيخون
عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.