تأمل معي هذه الآيات..
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾[سبأ: 28]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [الأحزاب: 45-46]
إن هذه الآيات تعني أن دين الإسلام في فكرته وتكوينه وتعاليمه، جاء للبشر جميعًا ليس لشعب دون شعب، وليس لملة دون غيرها، أو طائفة دون أخرى، وهذا يعني أن الإسلام جاء ليسع العالم كله بقيمه الروحية والفكرية وبرنامجه العملي على أرض الواقع، أي أن طبيعة الإسلام جاءت لتخاطب الجميع، وتستمع إلى الجميع، وتتحاور مع الجميع، وتطلق طاقات الجميع، وتوظف الجميع، بما يملكه من لغة مشتركة تتشكل من مجموعة قيم إنسانية يتفق عليها كل البشر مهما اختلفوا فيما بينهم في عقيدة دينية، أو مذهب سياسي، معنى هذا أن الدين الإسلامي وتركيبته قادرة في أي وقت وفي أي مكان على جمع الناس، ولم شملهم ووحدتهم واتفاقهم على دائرة مشتركة كبيرة للتعايش والعمل.
معنى هذا أن الدين الإسلامي قائم على فكرة (الاستيعاب)، استيعاب كل البشر، من أجل إدماجهم في عمل الخير ومواجهة الفساد بكل أشكاله، عن طريق تحفيزهم روحيًّا وتنميتهم فكريًّا وإطلاق طاقاتهم وإبداعاتهم، وهذا هو السر في إقبال الكثيرين من غير المسلمين في دين الإسلام إذا ما عرض عليهم عرضًا صحيحًا، وكانوا من الحرية الشخصية لكي يتخذوا قرارهم دون ضغط.
إن الإسلام يفهم الإنسان جيدًا، ويتحدث إليه ببلاغة، وهل هناك من يستطيع أن يتحدث إلى الإنسان مثل خالقه؟
ومن هنا كان على الدعوة الإسلامية أن تسير في خططها بما يتوافق مع منطق (الاستيعاب) الذي أتى به الإسلام الحنيف، وأن تعتمد برامجها على رؤية تشمل الجميع، وقادرة على استنفار الهمم وتوظيف الطاقات وإطلاق الإبداعات.
استيعاب المجتمع
عندما نتحدث عن استيعاب المجتمع فإننا لا نتحدث (بالدرجة الأولى) عن ضم أعداد لصفوف الحركة ليصبحوا أعضاءً فيها، وإذا استمر التفكير في هذا الاتجاه بصورة أساسية، فهذا يعني أننا نجري وراء سراب، ففضلًا عن أنك تتعامل مع ديانات أخرى ومذاهب قد تختلف معك فمطلوب أن تستوعبها أيضًا، فإن القرار بالانضمام إلى عمل تنظيمي بما له من أصول وقواعد وضوابط حركية، أمر لا يستطيع أن يتماشى معه كل الناس.
معنى ذلك أن استيعاب المجتمع لا يعني (بالدرجة الأولى) السعي إلى ضمهم إلى الحركة- وإن كان ذلك أمرًا مشروعًا بالطبع- إلا أن المنطق هنا يجعلنا نضع الاستيعاب ضمن مفهوم أكثر واقعيةً، وهو:
تقديم خدمات للمجتمع تغطي ولو جزءًا من احتياجاته بصورة منظمة، تكشف عن قدرة الإسلام ورغبة الذين يؤمنون بفكرته في حل مشكلاتهم، على أن يكون هناك تنوع وإبداع في النواحي الخدمية بحيث تصل إلى معالجة ولو جزئية لمشكلات حقيقية للأسر، قال رسول الله ﷺ: "المسلم أخو المسلم: لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة"، ويقول ﷺ: "لا يزال الله في حاجة العبد مادام في حاجة أخيه".
أمثلة:
1- معارض السلع الأساسية، وهي فكرة نفذتها مجموعات من الحركة الإسلامية في مناطق عديدة في الجمهورية، وهي إحدى الوسائل الخدمية القوية التي لها صدى واسع.
2- دورات في اللغات الأجنبية باشتراك مخفض، على أن تشتمل هذه الدورات على برامج تربوية وأخرى خاصة بالتنمية البشرية وثالثة بالمواهب ورابعة بالترفيه، ويتم إشراك أولياء الأمور في هذه البرامج عن طريق عرض مساعدتهم في حل مشاكل أبنائهم، عن طريق دورات تربوية متخصصة، مع جهد المشرفين في التواصل معهم، كما يمكن تنظيم مراجعات للثانوية العامة في فترة الدراسة.
3- قوافل دعوية لأبناء للمدارس، وتقديم تقارير صحية عن الطلبة، وتسجيل توصيات علاجية معينة بكل طالب.
4- ندوات وصالونات ثقافية تتناول مشكلات يعانيها المجتمع، سواء كانت مشكلات عامةً أو مشكلات مهنيةً (تعليم- صيدلة- محاماة- تجارة... إلخ)، ومحاولة الوصول إلى حلول واقعية لحلها.
5- أنشطة تربوية عامة وثابتة المكان والزمان، تدار بأسلوب مبتكر وقادر على جذب الكبار والصغار (رحلات أسرية- استغلال النوادي في تنظيم حفلات ترفيهية... إلخ)
في النهاية.. الحركة الإسلامية تستوعب المجتمع هنا عن طريق دراسة اهتماماته ومشكلاته، ومحاولة حلها، وإشراكه معها في حلها متسلحين بقيم الإسلام الذي ندعو له، وساعتها ستقتنع الفئة المحايدة بالفكرة دون تردد، وسيدعو لها البعض منهم، وسيحترمها المخالفون وإن ظلوا على اختلافهم معها، وسيكون الإسلام هو المظلة التي تستوعب الجميع، لأننا تحدثنا بالفعل أكثر من الكلام.
.