مقالات تربوية

رمضان

قلوب على مائدة القرآن في رمضان / المقال الرابع عشر: القلب السليم أعظم مشروع رمضاني

قلوب على مائدة القرآن في رمضان / المقال الرابع عشر: القلب السليم أعظم مشروع رمضاني

 

أولًا: مدخل قرآني: حين يكون إصلاح القلب أعظم من إصلاح العمل

رمضان ليس شهر الجوع ,والعطش فحسب، ولا موسمًا للعبادات الظاهرة وحدها، بل هو مدرسة كبرى لتطهير القلوب، وإعادة بناء الإنسان من الداخل.

فالقرآن الكريم حين تحدث عن النجاة يوم القيامة لم يذكر كثرة المال ,ولا علو الجاه، وإنما ذكر شيئًا واحدًا:﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾[الشعراء: 88–89]. 

يقول الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره: "القلب السليم هو القلب الخالي من الشرك، والشك، السالم من البدعة، المطمئن إلى الله" (ابن كثير: 1999م، ج6، ص168).

فالقلب السليم هو أعظم رأس مال يخرج به المؤمن من رمضان، وهو المشروع الحقيقي الذي ينبغي أن يعمل عليه المسلم طوال هذا الشهر المبارك. 

ثانيًا: ما هو القلب السليم؟

عرّف العلماء القلب السليم بعدة تعريفات متقاربة.

قال الإمام القرطبي: "القلب السليم هو الذي سلم من الآفات والذنوب، وسلم من حب الدنيا والغفلة" (القرطبي:،1964م، ص220).

وقال الإمام ابن القيم في إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان: "القلب السليم هو الذي سلم من الشرك والغل والحسد، والبغضاء، وسائر أمراض القلوب" (ابن القيم: 2008م، ص45).

إذن فالقلب السليم يتميز بخمس صفات كبرى:

١) سلامته من الشرك

٢) سلامته من النفاق

٣) سلامته من الحسد والغل

٤) سلامته من التعلق المفرط بالدنيا

٥) سلامته من الكبر والعجب.

وهذه الصفات هي التي يعمل رمضان على معالجتها وتطهيرها. 

ثالثًا: لماذا كان رمضان موسم إصلاح القلوب؟

لأن كل عبادة في رمضان تخاطب القلب قبل الجسد.

1) الصيام يربي الإخلاص

قال النبي ﷺ: "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به" (رواه البخاري رقم 1904، ومسلم رقم 1151).

قال الإمام ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف: "الصيام سرّ بين العبد ،وربه، لا يطلع عليه إلا الله" (ابن رجب: 2007م، ص278). ولهذا كان الصيام أعظم عبادة لتطهير القلب من الرياء.

2)القرآن يحيي القلب:

قال الله تعالى:﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾(الرعد: 28)

وقال الإمام الشافعي:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي       فأرشدني إلى ترك المعاصي

وقال اعلم بأن العلم نور          ونور الله لا يُهدى لعاصي

فالقرآن الكريم يطهر القلب من ظلمات المعصية والغفلة.

3) قيام الليل يلين القلوب

قال النبي ﷺ: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" (رواه مسلم رقم 1163).

قال الحسن البصري: "ما وجد العابدون شيئًا ألذّ من قيام الليل."

لأن لحظات السحر هي أقرب الأوقات إلى صفاء القلب.   

رابعًا: أخطر أمراض القلوب التي يعالجها رمضان:

  1. الحسد

قال الله تعالى:﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾[النساء: 54].

وقال النبي ﷺ: "إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" (رواه أبو داود رقم 4903).

الحسد مرض يفسد القلب قبل أن يفسد العلاقات.

2) الغِلّ والبغضاء:

قال الله تعالى في وصف أهل الجنة:﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾[الأعراف: 43]. 

قال الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين: "القلب إذا امتلأ بالحقد لم يبق فيه مكان للنور" (الغزالي: ص182).

3)حب الدنيا المفرط:

قال النبي ﷺ: "تعس عبد الدينار وتعس عبد الدرهم" (رواه البخاري رقم 2887).

رمضان يعيد ترتيب القيم في القلب:

الآخرة أولًا… والدنيا وسيلة لا غاية. 

خامسًا: قصة مؤثرة عن سلامة القلب:

كان الصحابة رضي الله عنهم يجلسون يومًا مع النبي ﷺ فقال: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة" (رواه أحمد في المسند).

فدخل رجل من الأنصار، تكرر ذلك ثلاث مرات، فتبعه الصحابي عبدالله بن عمرو ليعرف سر عبادته.

فلما بات عنده لم ير عملًا كثيرًا.

فسأله عن السر، فقال الرجل: "ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي غلًا لأحد من المسلمين، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله."

فقال عبدالله بن عمرو: "هذه التي بلغت بك." (رواه أحمد، المسند، ج3، ص166).

إنه القلب السليم. 

سادسًا: القلب السليم في واقعنا اليوم:

لو تأملنا واقعنا اليوم لوجدنا أن أخطر أزمات الأمة ليست اقتصادية فقط ولا سياسية فقط، بل هي أزمة قلوب:

قلوب امتلأت بالحسد

قلوب امتلأت بالعداوات

قلوب امتلأت بالصراعات الشخصية

ولهذا قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: "صلاح القلوب هو أصل صلاح الدين." (ابن تيمية: 1995م، ص5).

ولو صلحت القلوب لصلحت العلاقات والأمم والحضارات.

سابعًا: أبيات شعرية في سلامة القلب:

قال الإمام الشافعي:

دعِ الأيَّامَ تفعلُ ما تشـاءُ            وطِبْ نفسًا إذا حكم القضاءُ

ولا تجزعْ لحادثة الليالي                فما لحوادث الدنيا بقاءُ

وكن رجلًا على الأهوال جلدًا       وشيمتُك السماحةُ والوفاءُ

فإن كثرت عيوبك في البرايا       وسرّك أن يكون لها غطاءُ

تستّر بالسخاءِ فكلُّ عيبٍ                يغطّيه كما قيل السخاءُ

ثامنًا: كيف نبني القلب السليم في رمضان؟

هناك خمس خطوات عملية:

1) الإكثار من الاستغفار

قال الله تعالى:﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[بالمزمل: 20]. 

2)الدعاء بإصلاح القلب:

كان النبي ﷺ يدعو: "اللهم آتِ نفسي تقواها وزكِّها أنت خير من زكّاها"،(رواه مسلم رقم 2722).

3)ترك الخصومات:

قال النبي ﷺ: "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء."، (رواه مسلم رقم 2565).

4)الصدقة:

لأنها تطهر القلب من البخل.

قال تعالى:﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾[التوبة: 103]. 

5) الإكثار من القرآن:

قال ابن القيم في مدارج السالكين: "ليس شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر." (ابن القيم: 1996م،ص450).

تاسعًا: الواجب العملي:

خلال الأيام القادمة من رمضان:

سامح شخصًا بينك وبينه خلاف.

ادعُ لمن حسدته أو أساء إليك.

أكثر من قول: "اللهم طهّر قلبي."

اقرأ يوميًا صفحة من القرآن بتدبر.

قدّم صدقة خفية لا يعلم بها أحد.

هذه الأعمال تنظف القلب كما ينظف الماء الجسد.

عاشرًا: وصية :

تذكر دائمًا:

أن أعظم خسارة ليست خسارة المال،

ولا خسارة المنصب،

ولا خسارة الجاه.

بل خسارة القلب السليم.

فربّ إنسان يملك الدنيا كلها

لكن قلبه مريض بالحسد والكبر.

وربّ إنسان فقير

لكن قلبه مليء بالسلام والرضا.

وهذا هو الغنى الحقيقي.

قال النبي ﷺ: "ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس" (رواه البخاري رقم 6446، ومسلم رقم 1051).

خاتمة:

رمضان يوشك أن يمضي…

والسؤال الحقيقي ليس:

كم صمنا؟

وكم صلينا؟

بل السؤال الأهم:

هل تغيّرت قلوبنا؟

هل خرجنا من رمضان بقلوب أنقى؟

بقلوب أرحم؟

بقلوب أقرب إلى الله؟

فإن خرجت من رمضان بقلبٍ سليم…

فقد ربحت أعظم تجارة.

قال الله تعالى:﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾[الأعلى: 17]

اللهم طهّر قلوبنا، وأصلح سرائرنا، واجعلنا ممن يأتونك يوم القيامة

بقلوب سليمة.

اللهم فرجا لأهلنا في غزة والسودان يارب العالمين اللهم آمين. 

المراجع:

١) ابن كثير – تفسير القرآن العظيم – دار طيبة – القاهرة – 1999م.

٢) القرطبي – الجامع لأحكام القرآن – دار الكتب المصرية – 1964م.

٣) ابن القيم – إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان – دار عالم الفوائد – مكة – 2008م.

٤) ابن القيم – مدارج السالكين – دار الكتاب العربي – بيروت – 1996م.

٥) الغزالي – إحياء علوم الدين – دار المعرفة – بيروت – دون تاريخ.

6) ابن رجب الحنبلي – لطائف المعارف – دار ابن كثير – دمشق – 2007م.

7) ابن تيمية – مجموع الفتاوى – مجمع الملك فهد – المدينة المنورة – 1995م.

8) أحمد بن حنبل – المسند – مؤسسة الرسالة – بيروت – 2001م.

9) صحيح البخاري – دار طوق النجاة – 1422هـ.

10) صحيح مسلم – دار إحياء التراث العربي – بيروت – 2006م.

.

د. عيد كامل حافظ النوقي

داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم