مقالات تربوية

ملــف أولادنــا

قيم القوة والاتزان كيف تُنشئ سورة لقمان جيلًا قادرًا على التصرّف "5"

قيم القوة والاتزان كيف تُنشئ سورة لقمان جيلًا قادرًا على التصرّف

مقدمة:

ليست التربية في القرآن الكريم تربية ضعفٍ أو انكسار، كما أنها ليست صناعة قسوةٍ أو تهوّر، بل هي تربية قوةٍ منضبطة واتزانٍ حكيم.

وسورة لقمان من أعظم السور التي قدّمت نموذجًا تربويًّا فريدًا، يوازن بين قوة الإيمان، ورجاحة العقل، واستقامة السلوك، ليخرج جيلًا قادرًا على التصرّف الواعي في مواقف الحياة، لا تحكمه الانفعالات ولا تجرّه الشهوات.

أولًا: مفهوم القوة، والاتزان في التربية القرآنية:

القوة في المنظور القرآني ليست مجرد قدرة جسدية، بل تشمل:

- قوة الإيمان.

- قوة العقل.

- قوة الإرادة.

- قوة الأخلاق.

أما الاتزان فهو:

- الاعتدال في المشاعر

- التوازن في الأحكام

- الحكمة في السلوك

قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]

قال ابن كثير رحمه الله: «أي عدلًا خيارًا، لا إفراط ولا تفريط.»

ثانيًا: التوحيد… أساس القوة الداخلية:

افتتح لقمان وصاياه بأعظم مصدر للقوة: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان: 13]

فالتوحيد:

يحرر الإنسان من الخوف إلا من الله تبارك وتعالى. 

يمنحه ثباتًا داخليًّا أمام الضغوط.

يصنع شخصية لا تهتز أمام التحديات.

قال الطبري رحمه الله: «بدأ بالنهي عن الشرك؛ لأنه أصل الفساد وأساس ضعف القلوب.»

وقال ابن القيم: «من عرف الله قوي قلبه، ومن قوي قلبه استقام فعله.»

ثالثًا: المراقبة الإلهي اتزان السلوك:

قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ… يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: 16]

هذا التعليم يربّي:

الضمير الحي.

الاتزان في الخلوة قبل الجلوة.

السلوك المسؤول دون رقابة بشرية.

قال ابن عاشور رحمه الله: «هذه الآية تؤسس لمبدأ المراقبة الذاتية، وهي أساس صلاح الفرد والمجتمع.»

رابعًا: العبادة والانضباط قوة النفس:

قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾[لقمان: 17]

الصلاة:

تدريب يومي على الانضباط.

تهذيب للانفعال

مصدر للسكينة والاتزان

وقال النبي ﷺ: «وجُعلت قرة عيني في الصلاة» (النسائي)

قال الغزالي رحمه الله:

  «الصلاة ميزان النفس، بها تُعرف قوتها أو ضعفها.»

خامسًا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر… قوة الموقف:

قال لقمان: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾[لقمان: 17]

وهنا يتعلّم الأبناء:

الجرأة الإيجابية

تحمّل المسؤولية

قوة الشخصية دون عدوانية

قال القرطبي: «جمع لقمان لابنه بين صلاح النفس وصلاح المجتمع.»

سادسًا: الصبر… مفتاح الاتزان:

﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ﴾[لقمان: 17]

الصبر ليس ضعفًا، بل أعلى درجات القوة النفسية. 

قال النبي ﷺ: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (متفق عليه)

وقال سيد قطب رحمه الله: «الصبر هو السور الواقي للنفس حين تشتد رياح الابتلاء.»

سابعًا: التواضع، وضبط الانفعال:

قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾[لقمان: 18]

وقال ابن كثير: «أي لا تتكبر ولا تتعالى على الناس.»

ثم قال: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾[لقمان: 19]

قال ابن عاشور: «فيها تهذيب للظاهر ليكون مرآة لسلامة الباطن.»

ثامنًا: كيف تُنشئ سورة لقمان جيلًا قادرًا على التصرّف؟

1. تبني الإيمان قبل السلوك

2. توازن بين القوة والرحمة

3. تضبط الانفعالات بالصبر

4. تزرع الجرأة المسؤولة

5. تصنع شخصية واعية غير متهورة

قال مالك بن نبي: «القوة بلا قيم طغيان، والقيم بلا قوة عجز.».

خاتمة:

إن سورة لقمان لا تُربّي أبناءً منساقين، ولا قساةً متسلطين،بل تُنشئ جيلًا قويًّا متزنًا، يعرف متى يتقدّم، ومتى يتريّث، ومتى يقول نعم، ومتى يقول لا… بثبات وحكمة.

أبيات ختامية:

ربِّ النفوسَ على اتزانٍ ثابتٍ              فالقوةُ الأخلاقُ لا الأجسامُ

وازرع بلقمانَ الحكيمِ عقيدةً                 يُبنى بها جيلٌ له إقدامُ

.

د. عيد كامل حافظ النوقي

داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم