مقالات تربوية

البيت المسلم

كيف يصبح المسجد بنك التنمية في حَيِّك؟

كيف يصبح المسجد بنك التنمية في حَيِّك؟

كان أحمد يجلس في ركن المسجد بعد صلاة الفجر، عيناه تحدقان في الفراغ، وملامح وجهه تحكي قصة قلق عميق. لاحظه الإمام فاقترب منه بلطف وسأله عما يؤرقه، تردد أحمد قليلًا ثم اعترف: فقد وظيفته منذ ثلاثة أشهر، الديون تتراكم، وهو لا يعرف من أين يبدأ.

في نفس هذا المسجد كان هناك تاجر ناجح يصلي في الصف الأول، ومحاسب متقاعد يقرأ القرآن الكريم في الزاوية، ومهندس شاب يستمع لدرس الفجر، وصاحب مطعم صغير يسبّح بعد الصلاة؛ كلهم على بعد أمتار من أحمد، لكن لم يعرف أحدهم حاجة الآخر. هنا تولَّد السؤال الكبير: لماذا لا يكون المسجد هو الجسر الذي يربط بين كل هؤلاء؟

المسجد ليس مجرد مكان نقف فيه في صفوف منتظمة خمس مرات يوميًّا، إنه القلب النابض لكل حي، المكان الذي تلتقي فيه جميع الطبقات دون تكلف أو حواجز طبقية. الثقة موجودة بالفطرة، والنية طيبة عند الجميع، والرغبة في المساعدة حاضرة في القلوب. لكن ينقصنا شيء واحد فقط هو التنظيم والمبادرة.

تخيل معي مسجدًا لا يُخرج مصلين فقط، بل يُخرج رواد أعمال، ويحل مشكلات البطالة في الحي، ويمحو ديون العائلات المتعثرة ويُحَوِّل الشباب العاطل إلى منتجين يعتمدون على أنفسهم. قد يبدو هذا خيالًا في زمننا، لكنه في الحقيقة الدور الأصلي الذي لعبه المسجد طوال تاريخنا الإسلامي. نحن فقط نسينا هذا الدور وحصرنا المسجد في وظيفة واحدة.

كل مسجد تدخله يحوي كنزًا مخفيًّا لا تراه بالعين المجردة. المهندس الذي يصلي الفجر بجوارك قادر على تدريب عشرة شباب على مهارات تقنية تفتح لهم أبواب الرزق، الطبيب الذي يجلس في الصف الثاني يستطيع أن يُوفِّرَ على عائلات الحي آلاف من النقود من خلال استشارات طبية مجانية، التاجر الناجح الذي يؤم الناس أحيانًا لديه خبرة ثمينة يمكن أن ينقلها للمبتدئين الذين يتخبطون في عالم التجارة، المحاسب المتقاعد الذي يحضر كل الصلوات يملك معرفة قيّمة في إدارة المال لو شاركها مع الناس لأنقذ عشرات الأسر من الإفلاس.

المشكلة الوحيدة أن كل هذه الطاقات موجودة لكنها مُبَعْثَرة، غير مُنَظَمَة، ولا أحد يعرف بها، تحتاج فقط إلى مَنْ يربط بينها. والحل أبسط مما نتخيل، ورقة واحدة تُعَلَّقُ عند باب المسجد بعد صلاة الجمعة تحمل إعلانًا بسيطًا: من لديه مهارة يريد مشاركتها أو يبحث عن عمل أو تدريب، فليسجل اسمه هنا. صدقوني سنذهل من حجم الاستجابة.

المشكلة الأخرى في طريقة مساعدتنا للمحتاجين أننا نعطيهم المال مباشرة، فينفقونه في أسبوع أو أسبوعين ثم يعودون لنفس الحاجة. لماذا لا نغير الطريقة؟ عندما يأتي محتاج للمسجد طالبًا مساعدة، بدلًا من أن نعطيه مبلغًا ينتهي سريعًا، نجلس معه ونسأله: ما المهارة التي تجيدها؟ قد يكون نجارًا عاطلًا عن العمل، أو امرأة تجيد الخياطة، أو شابًّا موهوبًا في البيع لكنه لا يملك رأس مال.

هنا يأتي دور ما يمكن أن نسميه صندوق التكافل الإنتاجي؛ نعطي النجار رأس مال بسيط لشراء منشار وبعض الخشب، ونعطي الخياطة ماكينة خياطة وقماش، ونعطي البائع بضاعة بسيطة يبدأ بها. بهذه الطريقة نكون قد حولنا المحتاج من متلقٍ سلبي إلى مُنْتِجٍ فعَّال، ومن عالة على المجتمع إلى عامل يعتمد على نفسه. وحولنا الصدقة من استهلاك لحظي ينتهي بسرعة إلى استثمار طويل المدى يدوم أثره.

تخيل أن مسجدًا طبق فكرة بسيطة أخرى غيرت حياة كثيرين؛ خصص يوم الخميس بعد صلاة العصر لما أسماه ملتقى المهارات، في الساعة الأولى يقدم أحد المتطوعين ورشة عملية قصيرة عن موضوع مفيد: كيف تدير مالك بحكمة، كيف تبيع منتجك بفعالية، كيف تسوق لنفسك عبر الإنترنت. في الساعة الثانية، يفتحون المجال للقاء مباشر بين الباحثين عن عمل وأصحاب الأعمال الصغيرة الذين يحتاجون موظفين، خلال فترة قصيرة مع صدق النوايا وحسن العمل سيجد شبانًا كُثُر فرص عمل حقيقية، ويبدأ آخرون مشاريعهم الخاصة، كل هذا دون تكاليف باهظة أو تعقيدات إدارية.

هناك فكرة أخرى يمكن أن تنجح بشكل مذهل: تحويل ساحة المسجد مرة واحدة في الشهر إلى سوق صغير للمنتجات المحلية البسيطة. تسمح للعائلات الفقيرة ببيع ما ينتجونه في بيوتهم من طعام منزلي أو حرف يدوية أو خضروات من حدائقهم. هذا السوق البسيط يحقق أمرًا عجيبًا: يعطي دخلًا إضافيًّا للأسر المحتاجة، ويشجع ثقافة الإنتاج بدلًا من الاستهلاك، ويقوي الروابط بين أهل الحي. والأهم من كل ذلك أنه يغير العقلية من أريد مساعدة إلى أستطيع أن أنتج وأبيع وأعتمد على نفسي.

لوحة إعلانات بسيطة معلقة في مدخل المسجد قد تكون كافية لتغيير حياة عشرات الأسر. قسمها إلى ثلاثة أقسام: الأول للعاطلين لكتابة مهاراتهم وأرقام تواصلهم، الثاني لأصحاب الأعمال للإعلان عن احتياجاتهم من موظفين، الثالث للمتطوعين الراغبين في تعليم مهاراتهم مجانًا. تخيل كم الاستفادة من هذه اللوحة!!

ليس كل محتاج يحتاج راتبًا شهريًّا، بعض الناس يحتاجون فقط دفعة واحدة لبدء مشروع صغير يعيلهم بقية حياتهم. شاب في أحد الأحياء احتاج ثلاثة آلاف فقط لشراء عربة طعام ليبدأ رزقه. أعلن الإمام عن القصة بعد صلاة الجمعة، وخلال أسبوع واحد تبرع أربعون شخصًا بمبالغ صغيرة لا تتجاوز الخمسين أو المئة من كل واحد. اليوم هذا الشاب يعيل أسرته بكرامة، بل ويتصدق من ربحه لمساعدة غيره من المحتاجين.

مشكلة كثير من الأسر أنهم لا يعرفون كيف يديرون ما عندهم من مال. الراتب المحدود قد يكفي لو أحسنوا توزيعه وترتيب أولوياتهم، لكنهم لا يعرفون كيف، لذلك فكرة تخصيص ساعة واحدة مرتين في الشهر بعد صلاة العشاء لجلسة استشارات مالية مجانية قد تنقذ أسرًا كاملة من الإفلاس، محاسب متطوع أو مستشار مالي يجلس ويستمع بسرية تامة لمشاكل الناس المالية ويقدم لهم حلولًا عملية. كيف تخرج من الديون؟ كيف توزع راتبك المحدود بحكمة؟ كيف تدخر لتعليم أبنائك؟ هذه الأسئلة البسيطة تحتاج إجابات واضحة عملية قد تغير حياة أسرة بكاملها.

قد يقول قائل هذه أفكار جميلة لكن الظروف العامة لا تسمح أو أن مسجدنا صغير والإمام مشغول والناس غير متعاونين والموارد محدودة. الحقيقة أن البداية لا تحتاج إلا لثلاثة أشياء بسيطة جدًّا: شخص واحد مبادر ومتحمس، ورقة وقلم لتسجيل المهارات والاحتياجات، والإيمان الحقيقي بأن التغيير ممكن.

ابدأ صغيرًا جدًّا؛ لوحة إعلانات واحدة، أو ورشة واحدة في الشهر، أو حتى مجرد ربط شخص واحد محتاج بشخص واحد قادر على مساعدته. كل تغيير كبير في التاريخ بدأ بخطوة صغيرة قام بها شخص واحد آمن بفكرته ولم يستسلم.

تخيل معي لو طبق كل مسجد في بلادنا ولو جزءًا بسيطًا من هذه الأفكار. آلاف المساجد تتحول إلى محركات حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. ملايين العاطلين يجدون فرصًا. الفقر يتحول من مشكلة مستعصية مزمنة إلى تحدٍ قابل للحل بالتعاون والتنظيم.

المسجد الذي تصلي فيه كل يوم يحمل في جنباته طاقات هائلة غير مستغلة. كل ما نحتاجه فقط هو أن نوقظ هذه الطاقات الكامنة ونوجهها في الاتجاه الصحيح نحو البناء والتنمية والنهوض.

لا تنتظر أن يبدأ غيرك، بعد أن تنتهي من قراءة هذه المقالة، توجه مباشرة إلى مسجدك وتحدث مع الإمام أو أي شخص نشط تعرفه هناك. اقترح فكرة واحدة فقط من هذه الأفكار. ابدأ بخطوة صغيرة لا تكلف شيئًا. قد تكون هذه الخطوة البسيطة هي بداية تحول كامل لحيك بأكمله وربما لمدينتك كلها يومًا ما.

المسجد ليس فقط مكانًا للصلاة، بل هو منارة حقيقية للتغيير، ومحرك قوي للتنمية، وبنك ثري بالموارد البشرية والطاقات الكامنة. كل شيء موجود وجاهز، ينقصنا فقط الربط الذكي والتنظيم البسيط والمبادرة الشجاعة. فهل تكون أنت الشرارة الأولى التي تشعل هذا التغيير الكبير؟

.

د. علي شيخون

عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم