مقدمة:
تأتي سورة لقمان كأحد أعظم النماذج العملية للتربية الإيمانية، والخلقية، والاجتماعية، حيث قدّم لقمان الحكيم منهجًا ربانيًا متماسكًا في صناعة، وتربية الأبناء، يقوم على الاعتدال، والوسطية، ويهدف إلى تشكيل شخصية مستقيمة، متوازنة، وواعية بواقعها، ورسالتهـا في الحياة.
إن التربية الوسطية ليست موقفًا عابرًا، بل هي قانون قرآني يضبط حركة النفس، وينسّق العلاقات، ويوجّه السلوك، ويرسم طريق النهضة. ولذا فإن وصايا لقمان تمثل — كما يقول ابن عاشور — "نموذجًا راقيًا لاجتماع أمهات الأخلاق والفضائل في خطاب تربوي بديع".
أولًا: الوسطية… فلسفة القرآن الكريم في صناعة الأبناء:
قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان: 13].
يفسّر ابن كثير هذه الآية بأن التوحيد هو أصل الاستقامة، وأن الانحراف العقدي هو الطريق إلى الانحراف السلوكي، فالوسطية تبدأ من نقاء الإيمان، لأن القلب الذي يستقيم على التوحيد يستقيم على السلوك، والخلق، والنية، والعمل.
وفي الآية التالية:﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان: 14].
يبيّن الزمخشري أن ذكر برّ الوالدين بعد التوحيد دليل على أن الدين ليس عزلة، وإنما علاقة متوازنة بين العبد وربه، وبين العبد وأهله، وهذا هو لبّ التربية الوسطية:
توازن بين العقيدة والأخلاق، وبين العبادة والمعاملات.
وفي قوله تعالى:﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكَ بي شَيئًا فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]
يشرح ابن عاشور: أن هذه الآية قمة الوسطية، إذ تجمع بين الثبات على الحق مع الإحسان في السلوك، وهو درس تربوي عظيم للأبناء:
ليس كل خلافٍ خصومة، وليس كل اختلافٍ قطيعة.
ثانيًا: الاعتدال سلوكًا… بناء الشخصية المتوازنة:
يرسم لقمان في الآيات التالية منهجًا متدرجًا لبناء سلوك الابن:
1. إقامة الصلاة: ميزان الاتزان الداخلي:﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [لقمان: 17].
يقول الطبري: "هي عمود الاستقامة ورأس الوسطية"، لأنها توازن بين الروح والجسد، وبين العمل والراحة، وتضبط إيقاع اليوم، وتعطي الابن معيار ضبط السلوك.
2. الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: وسطية الإصلاح:﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان: 17].
يذكر الرازي أن هذا التعليم ينقل الابن إلى وسطية التأثير؛ فهي ليست سلبية، ولا اندفاعًا غير محسوب، بل دعوة بالحكمة، والموعظة الحسنة.
3. الصبر جدار الحماية النفسي:﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: 17].
يرى ابن كثير: أن الصبر هو وقود الطريق، وأنه لا استقامة بلا صبر.
وهذا درس تربوي للأبناء:
التوازن الانفعالي أساس التوازن السلوكي.
ثالثًا: الوسطية الاجتماعية… تهذيب الهيئة والسلوك:
جاءت سورة لقمان برسمٍ عملي لسلوك الابن في المجتمع:
1. نبذ الكبر والتعالي:﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: 18].
يفسر ابن كثير "تصعير الخد" بأنه هيئة المتكبر الذي يُعرض عن الناس ويحتقرهم.
التربية القرآنية هنا تزرع التواضع في القلب، ،وهو لبّ الوسطية الاجتماعية.
2. رفض المشي المرح — توازن الحركة ،والانفعالات:
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: 18].
يقول الزمخشري رحمة الله عليه: "المرح هو الخيلاء التي تُخرج الإنسان عن حد الاعتدال".
فالابن المعتدل لا يعيش بسطحية، ولا يتحرك بطيش، ولا يعامل الناس بغرور.
3. القصد في المشي — إيقاع الحياة:
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: 19].
ويرى ابن عاشور: أن هذه الآية تشمل:
_الاعتدال في الحركة
_الاعتدال في الكلام
_الاعتدال في الطموح
_الاعتدال في إدارة الوقت
إنها فلسفة توازن شاملة، وليست مجرد حركة القدم.
4. غَضُّ الصوت: تهذيب المشاعر:
﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: 19].
يقول الرازي رحمه الله: "غض الصوت دليل على كمال العقل"، وفي الآية إشارة تربوية بأن الابن المتزن لا يصرخ، ولا ينفعل، ولا يفرض نفسه على الآخرين بعلو صوته، بل بهاء منطقه؛ وعلمه ،ورقيّ تعامله.
رابعًا: قيم الاستقامة الثمرة الكبرى للتربية الوسطية:
تتجلى الاستقامة في السورة عبر ثلاثة محاور:
1. استقامة القلب: مراقبة الله:
﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ...﴾ [لقمان: 16].
هذه الآية -كما يبين ابن كثير- تزرع في الأبناء الرقابة الداخلية، فلا ينحرفون حين يغيب الرقيب، ولا يفتعلون الاستقامة أمام الناس فقط.
2. استقامة الأخلاق وتهذيب السلوك تتجسد في:
الصبر، التواضع، اللين، غض الصوت.
وهي — كما يقول ابن عاشور — "أوسع أبواب التربية وأشدها أثرًا".
3. استقامة العلاقات: توازن التعامل:
وصية:﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا...﴾ [لقمان:15] نموذج راقٍ للتعامل الإنساني المتزن، مع المخالف والمؤيد على حد سواء.
خامسًا: اللمسات التربوية المستفادة من السورة (تطبيقات عملية):
1. التربية بالقدوة، لا بالخطاب فقط:
حرص لقمان على الخطاب اللطيف: "يا بُنَيَّ"،
وهو نداء يفيض محبةً وحنانًا، يدل على أن التربية تبدأ من دفء العلاقة.
2. بناء القيم بالترتيب الصحيح:
يعلّق المفسرون أن ترتيب الوصايا (عقيدة – عبادة – أخلاق – سلوك – ضبط اجتماعي)
يمثل منهجًا تربويًا متكاملًا يجب أن تتبعه الأسر اليوم.
3. تعليم الأبناء التدرّج لا القفز نحو الكمال:
من التوحيد إلى الصلاة، ثم الأخلاق، ثم السلوك…
إنه — كما يقول الطبري — "تدرّج حكيم في تثبيت الاستقامة".
4. الربط بين العبادة، وبين السلوك العملي
الصلاة ليست هدفًا شكليًا؛ بل أساس الاستقامة:
والابن الذي يصلي حقًا يتميّز بتوازن مشاعره وذكائه الأخلاقي.
5. التربية على القوة والرحمة معًا
قوة في الحق (لا تشرك بالله – الأمر بالمعروف).:
ورحمة في التعامل (وصاحبهما… انخفاض الصوت… التواضع).
وهذه هي الوسطية الذهبية التي تبني إنسانًا راشدًا.
خاتمة:
إن التربية الوسطية، والاستقامة ليست كلمات جميلة، بل منهج حياة، قدمته سورة لقمان في أعظم لوحة تربوية. فالابن الذي ينشأ على الاعتدال، ويتربى على التوازن، ويتعلم ضبط نفسه، سيصبح شابًا قادرًا على قيادة ذاته، وأسرته، وأمته.
وما تحتاجه الأمة اليوم ليس كثرة الأبناء، بل جودة الأبناء…
أبناء يحملون عقل لقمان، وروحه، ورسالته، ووسطية القرآن الكريم التي تبني أممًا وتنهض حضارات.
.
د. عيد كامل حافظ النوقي
داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية