كلنا يقول إنه يقبل الاختلاف، حتى يُختلف معه. عندها فقط يظهر معدن الرجل: أيبقى الخلاف عنده في دائرة الرأي، أم يتسلل إلى القلب فيصير جفوةً، ثم إلى اللسان فيصير طعنًا، ثم إلى الصف فيصير فرقة؟ إن أزمتنا الحقيقية ليست في وجود الاختلاف ــ فهو سنة كونية لم يسلم منها جيل الصحابة أنفسهم ــ بل في غياب فقه الاختلاف: تلك المنظومة من الأصول التي تجعل تباين الآراء ثراءً للجماعة لا معول هدمٍ فيها.
القاعدة الذهبية
وتتلخص هذه المنظومة كلها في قاعدة جامعة: لأن نجتمع على الصواب خير من أن نفترق على الأصوب. فكم من جماعةِ عملٍ تمزقت لا لأن أحد الفريقين على باطل، بل لأن كلًّا رأى رأيه أرجح فأبى إلا أن يفرض الأرجح ولو انشقّ الصف. وفاتهم أن وحدة الكلمة نفسها من أعظم الصواب، وأن مصلحة الاجتماع مقدَّمة على نفاسة الاجتهاد؛ فالرأي الأصوب إذا تُرك لأجله الاعتصام صار هو نفسه خطأً في الميزان الشرعي: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾[آل عمران: 103]. ومن هذه القاعدة تتفرع أختها: الاجتماع على الأصول أولى من التفرق على الفروع؛ فما اتفقنا عليه من الثوابت أعظم بما لا يقاس مما اختلفنا فيه من الاجتهادات، والعاقل يبني على المشترك الأعظم لا على الفرع المختلَف فيه، متعاونين فيما اتفقنا عليه، يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.
أدب المختلفين
لكن القاعدة وحدها لا تكفي ما لم تحرسها آداب تحفظ القلوب ساعة احتدام الرأي:
إحسان الظن أولًا. فالأصل في أخيك المخالف أنه طالب حقٍّ أخطأ الطريق إليه في نظرك، لا صاحب هوى؛ ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12]. ومتى فسّرتَ خلاف أخيك بسوء نيته، أغلقت باب الحوار قبل أن يبدأ.
ترك الجدل والمكابرة. فرق بين حوارٍ يُطلب به الحق ولو ظهر على لسان الخصم، وجدالٍ تُطلب به الغلبة ولو بالباطل؛ وقد حذّر النبي ﷺ: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل". وعلامة المجادل أنه يستمع ليردّ لا ليفهم.
الرحمة بالمخطئ لا الشماتة به. فإذا تبين خطأ أخيك فارحمه ولا تشمت؛ وكان الفاروق عمر رضي الله عنه يردد: "لا تعينوا الشيطان على أخيكم، ولكن أعينوه على شيطانه". فالشامت يدفع المخطئ إلى التمترس خلف خطئه، والراحم يفتح له باب الرجوع بلا انكسار.
اللين مفتاح القلوب. وهو التوجيه الرباني لأكمل الخلق: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]؛ فإذا كان الحق نفسه يُهجر إذا حمله فظّ، فما بالك بالاجتهادات؟
المربي معلّم فقه الاختلاف
وهذا الفقه لا يُلقَّن في محاضرة، بل يُتشرَّب من مربٍّ يمارسه. فالمربي الذي يدير حوارًا بين طلابه فيُنصف المخالف، ويثني على سؤال من عارضه، ويقول أمامهم "أخطأتُ ورأي فلان أصح" — يزرع في جيل كامل أن الخلاف لا يفسد للود قضية. أما الذي يغضب للمخالفة ويكافئ الموافقين، فيخرّج قومًا لا يعرفون إلا لغتين: التبعية أو الخصومة. اجعل في محضنك تمارين مقصودة: قضية اجتهادية تُطرح للنقاش، وأدب يُشترط قبل الحوار، وتعقيب يُثنى فيه على أحسنهم إنصافًا لا أقواهم حجة فقط.
خاتمة
لن يرتفع الاختلاف من بيننا، فقد اختلف من هم خير منا؛ لكن الذي بأيدينا أن نرتفع نحن بالاختلاف: من معول هدمٍ إلى مِشحذ عقول، ومن قاطع أرحامٍ وصفوف إلى دليل عافيةٍ في أمة تفكر. وكونوا عمليين لا جدليين؛ فإذا هدى الله قومًا ألهمهم العمل.
اقرأ أيضًا: بين التقدير والتقديس: كيف نتعامل مع علمائنا ورموزنا؟ | الشورى في الأسرة: حين يتعلم الأبناء صناعة القرار قبل أن يغادروا البيت
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.