في غار حراء، ومع أوّل لحظةٍ من لحظات الوحي، جاءت الكلمة الأولى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]. ولم تكن كلمة "اقرأ" مجرّد أمرٍ بالقراءة، بل كانت إعلانًا عن منهجٍ كامل؛ فقد قُرنت القراءة باسم الله، فصارت المعرفة عبادةً والعبادة معرفة. ومنذ تلك اللحظة لم يعد ثمّة انفصال: لم يكن التديّن انفصالًا عن المعرفة، ولم يكن العلم انفصالًا عن القيم.
الانفصام الذي نعاني منه اليوم
وأزمتنا المعاصرة أننا كسرنا هذا الاقتران؛ فصار عندنا تديّنٌ بلا معرفة، وعلمٌ بلا قيم. فمن جهة، مسلمٌ متعبّد لا يقرأ ولا يتفكّر ولا يعرف من واقع عصره شيئًا، يظنّ العلم شأنًا دنيويًّا لا صلة له بدينه. ومن جهةٍ أخرى، متعلّمٌ بارع في تخصّصه، مجرَّدة معرفته من أيّ ميزانٍ أخلاقي، يستعمل علمه فيما ينفع أو يضرّ سواء.
والنتيجة معروفة: فالمجتمع الذي يمتلك العلم بلا أخلاق قد يصنع أدوات للدمار، أمّا الذي يجمع بين العلم والقيم فيستطيع أن يصنع الحضارة. فالخلل ليس في العلم ولا في التديّن، بل في فصلهما عن بعضهما.
كيف صنع المنهج النبوي الجمع بينهما؟
بأن جعل طلب العلم عبادة. فالمتعلّم الذي يبدأ باسم الله، ويطلب العلم قربةً إليه، لا يشعر أنه ترك دينه حين دخل معمله أو مكتبته؛ بل هو في عبادةٍ ما دامت نيّته صالحة وعلمه نافعًا.
وبأن ربّى على السؤال والتفكير. فقد ربّى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على السؤال والتفكير والتعلّم وتحمّل المسؤولية؛ فخرج من مدرسته علماء وقادة وقضاة ومربّون، لأن المنهج لم يكن يصنع تابعين، بل شخصيات قادرة على حمل الرسالة. فالتربية التي تخاف من سؤال الناشئ تخرّج ببغاوات، والتي ترحّب بسؤاله تخرّج عقولًا.
وبأن جعل العلم مشروعًا لا ترفًا. فالعلم في المنهج النبوي ليس زينةً يُتباهى بها، بل أداةٌ لعمارة الأرض ونفع الناس؛ ومن ثمّ فقيمته بما يُصلح به لا بما يُجمع منه.
كيف نربّي جيلًا يجمع بينهما؟
اربط طلب العلم بالله في نفوس أبنائك. فعلّمهم أن يبدؤوا مذاكرتهم باسم الله، وأن ينووا بتفوّقهم نفع أمّتهم، وأن الإتقان في أيّ علمٍ نافع عبادة. فيزول عندهم الانفصام بين "وقت الدين" و"وقت الدراسة".
رحّب بأسئلتهم مهما بدت محرجة. فالناشئ الذي يجد في بيته من يجيبه بصدرٍ رحب، لا يبحث عن جوابه عند من لا يؤتمن. ومن أُسكت صغيرًا شكّ كبيرًا.
علّمهم أن العلم بلا خُلقٍ خطر. واضرب لهم الأمثلة: من يتقن التقنية فيؤذي بها، ومن يتعلّم الطبّ فيغشّ. فيفهموا أن القيمة ليست في المهارة وحدها بل في وجهتها.
اقرأ أمامهم. فلا تطلب من أبنائك القراءة وأنت لا تقرأ؛ فالبيت الذي فيه كتابٌ مفتوح يربّي قارئًا، والبيت الذي لا كتاب فيه لا تنفع فيه المواعظ.
خاتمة
أوّل كلمةٍ في الوحي كانت "اقرأ"، لكنها لم تكن قراءةً مجرّدة، بل قراءةً "باسم ربّك"؛ فمنهجنا أن نجمع بين نور الوحي ونور العقل، لا أن نضحّي بأحدهما لأجل الآخر. فربِّ جيلًا يقرأ ويتفكّر ويسأل، ويعبد ويتّقي ويخشى؛ فذلك وحده الجيل الذي يستطيع أن يصنع حضارة، لا أن يستهلك حضارة غيره.
اقرأ أيضًا: إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.