مقالات تربوية

لماذا كان الأنبياء وسط الزحام لا بعيدًا عنه؟

لماذا كان الأنبياء وسط الزحام لا بعيدًا عنه؟

يظنّ بعض الناس أن أقرب الطرق إلى القلب السليم أن يعتزل الناس؛ فيبتعد عن مجالسهم ومناسباتهم ظنًّا منه أن العزلة تحفظ دينه وتُريح قلبه من مشاكلهم. وقد عالج الإمام النووي رحمه الله هذا الظنّ في بابٍ كاملٍ من كتابه "رياض الصالحين" بعنوان "فضل الاختلاط بالناس وحضور جمعهم وجماعاتهم ومشاهد الخير معهم، وعيادة مريضهم، وحضور جنائزهم، ومواساة محتاجهم، وإرشاد جاهلهم".

 

هدي الأنبياء لا استثناء الأفراد

يقول الإمام النووي موضّحًا هذا الأصل: "اعلم أن الاختلاط بالناس على الوجه الذي ذكرته هو المختار الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء صلوات الله وسلامهم عليهم، وكذلك الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الصحابة". فليست المخالطة النافعة استثناءً فعله بعض الصالحين؛ بل هي المنهج المختار الذي سار عليه الأنبياء أنفسهم؛ فلم يكن أحدٌ منهم منعزلًا في صومعة، بل كانوا وسط أقوامهم: يعودون مرضاهم، ويشهدون جنائزهم، ويواسون فقراءهم، ويُرشدون جاهلهم.

 

صورٌ لهذه المخالطة النافعة

وقد فصّل الإمام النووي رحمه الله صور هذه المخالطة المحمودة؛ فهي حضور مجالس الذكر ومشاهد الخير، وعيادة المريض فتلك زيارةٌ تُدخل السرور على قلبٍ منكسر، وحضور الجنائز فتلك مواساةٌ لأهل الميّت وتذكيرٌ للحيّ بمصيره، ومواساة المحتاج بما يُخفّف ضيقه، وإرشاد الجاهل بتعليمه ما يجهله بلطف. فكلّ هذه صورٌ لا تُؤدَّى في عزلة؛ بل تحتاج أن تكون بين الناس، قريبًا من أفراحهم وأتراحهم.

 

لماذا كانت هذه المخالطة أفضل من العزلة؟

لأن الدين كلّه معاملة قبل أن يكون شعائر فردية؛ فالعبادات الفردية تُؤدَّى في خلوةٍ مع الله، لكنّ أعظم أبواب الأجر — كعيادة المريض ومواساة المحتاج — لا تُفتح إلا وسط الناس. فمن اعتزل، أغلق على نفسه هذه الأبواب كلّها بحجّة حفظ دينه، وهو في الحقيقة قد فرّط في جانبٍ عظيمٍ منه.

ثمّ إن المخالطة النافعة تصقل النفس وتهذّبها؛ فالمرء يتعلّم الصبر على أذى الناس، والرفق بضعيفهم، والحلم عند احتكاكه بهم، وهذه أخلاقٌ لا تُكتسب في عزلة، بل تُصقل بالممارسة الحيّة وسط البشر.

 

فرقٌ بين مخالطةٍ نافعة وأخرى ضارّة

ولا يعني هذا أن كلّ مخالطةٍ محمودة؛ فقد قيّد النووي رحمه الله كلامه بقوله "على الوجه الذي ذكرته"، أي المخالطة التي تُقصد بها هذه المقاصد الطيبة: الذكر، وعيادة المريض، ومواساة المحتاج، وإرشاد الجاهل. أمّا المخالطة التي لا تحمل هذه المقاصد — مجالس اللهو الفارغ، أو صحبة من يُفسد الدين والخُلق — فليست من هذا الباب في شيء. فالميزان: مخالطةٌ بمقصدٍ نافع، لا مخالطةٌ بلا هدف أو بمقصدٍ ضارّ.

 

كيف نطبّق هذا في حياتنا وتربية أبنائنا؟

اجعل عيادة المريض عادةً لا مناسبة. فحين يمرض قريبٌ أو جار، لا تكتفِ بالدعاء له من بعيد؛ زره، واصطحب أبناءك معك، فيتعلّمون هذه العبادة بالمشاهدة.

علّم أبناءك حضور المناسبات الاجتماعية بوعي. فحضور جنازةٍ أو مجلس عزاء ليس عبئًا اجتماعيًّا، بل بابٌ من أبواب المواساة التي أثنى عليها الإمام النووي.

لا تُربِّ أبناءك على الانعزال بحجّة "الحفاظ على الدين". فالتحصين الصحيح يكون بتعليمهم كيف يخالطون الناس بمقصدٍ نافع ويميّزون النافع من الضارّ، لا بعزلهم عن الناس كلّهم.

درّب نفسك وأبناءك على السؤال: ما مقصدي من هذه المخالطة؟ فإن كان ذكرًا أو عيادةً أو مواساةً أو إرشادًا، فأقبل عليها؛ وإن كانت لهوًا فارغًا أو صحبةً مفسدة، فتجنّبها.

 

خاتمة

لم يكن أنبياء الله معتزلين أقوامهم؛ بل كانوا وسطهم، يعودون مرضاهم ويواسون محتاجيهم ويحضرون مناسباتهم. فلا تظنّ العزلة طريقًا إلى الصلاح؛ بل اجعل مخالطتك للناس بابًا من أبواب العبادة، كما كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء والخلفاء الراشدين من بعدهم.

 

 

اقرأ أيضًا: معيّة الله لا يعرفها إلا المحسنون

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم