لو قيل لكل أب وأم: اجمعا لأبنائكما وصية قصيرة تحفظها قلوبهم، فماذا تقولان؟ كثيرون يعجزون عن اختصار تربيتهم في كلمات قليلة. وفي وصية جامعة وردت في كلام الدعاة المصلحين أربعة أركان تصلح عنوانًا لبيت كامل.
الوصية الأولى: إيمان واعتزاز بالله
يقول النص: «آمنوا بالله واعتزّوا بمعرفته والاعتماد عليه والاستناد إليه، فلا تخافوا غيره ولا ترهبوا سواه. وأدّوا فرائضه واجتنبوا نواهيه.»
وفي هذه الجملة أربعة أمور:
- الإيمان: عقيدة تستقر في القلب.
- الاعتزاز بمعرفة الله: أن يفرح الابن بأنه يعرف ربه.
- الاعتماد عليه: أن يتعلم التوكل في أموره كلها.
- عدم الخوف من غيره: أن ينشأ على أن الله وحده هو الذي يُخشى ويُرجى، قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175].
وتختم الجملة بالفرائض والنواهي: أداء الواجب وترك المحرم. وهو أساس لا تقوم الوصايا الأخرى بغيره.
الوصية الثانية: خُلق يعزّ صاحبه
«وتخلّقوا بالفضائل وتمسّكوا بالكمالات، وكونوا أقوياء بأخلاقكم أعزاء بما وهب الله لكم من عزة المؤمنين وكرامة الأتقياء الصالحين.»
لاحظ أن القوة هنا قوة أخلاق، وأن العزة عزة المؤمنين، وهي عزة لا تقوم على مال ولا جاه. وهي من معاني قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: 8].
وفي البيت: ابنٌ قوي بأخلاقه هو من يصدق حين يكون الكذب أيسر، ويعتذر حين يخطئ، ولا يتنازل عن كرامته في سبيل رضا الناس.
الوصية الثالثة: القرآن والسيرة
«وأقبلوا على القرآن تتدارسونه، وعلى السيرة المطهرة تتذاكرونها.»
والعبارة تفرّق بين فعلين: «تتدارسونه» للقرآن، أي قراءة وفهم ومراجعة؛ و«تتذاكرونها» للسيرة، أي حديث ومذاكرة وتبادل. فالقرآن يُدرَس، والسيرة تُتذاكر.
الوصية الرابعة: التحابّ
«وتحابّوا فيما بينكم.»
وهذه الوصية القصيرة قد تكون أصعب الأربع في بعض البيوت. فكم من إخوة تجمعهم دار واحدة وتفرّقهم الخصومات. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا. أولا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم.» (رواه مسلم).
كيف نجعلها عادات؟
1) لكل وصية ركن يومي صغير.
- الإيمان: دعاء قصير يقوله الأبناء كل صباح، وسؤال عند كل خوف: «من الذي بيده الأمر؟»
- الخلق: «خلق الأسبوع»: صدق، أو وفاء، أو حياء. يتذاكره البيت ويتعاون على تحقيقه.
- القرآن والسيرة: عشر دقائق بعد العشاء: آيات تُقرأ ويُسأل عن معناها، وموقف من السيرة يُروى.
- التحابّ: عبارة طيبة يقولها كل فرد لأخيه يوميًّا، وإفشاء للسلام داخل البيت.
2) اجعل الوصايا معلّقة لا مجرد كلام. اكتبها على بطاقة أو لوحة صغيرة في مكان يراه الجميع.
3) راجعوها أسبوعيًّا. جلسة قصيرة: أي وصية أحسنّا فيها هذا الأسبوع؟ وأيها قصّرنا؟
4) ابدأ بنفسك. فالابن يتشرب الوصية من سلوك والديه قبل كلامهما.
5) لا تبدأ بالكل دفعة واحدة. اختر وصية واحدة لشهر، ثم أضف الثانية.
ما نحذر منه
- أن تتحول الوصية إلى وعظ يُلقى. والأفضل أن تكون حياة تُعاش.
- أن نهمل الفرائض ونركز على الأخلاق وحدها. فالوصايا مترابطة.
- أن نجعل القوة قسوة. فالقوة هنا قوة الخلق.
خاتمة
أربع وصايا تصلح عنوانًا لبيت: إيمان لا يخاف غير الله، وخلق يعزّ صاحبه، وقرآن وسيرة يجمعان القلوب، وتحابّ يربط أهل البيت. فإذا غرسناها في أبنائنا، فقد أعطيناهم ما يحتاجونه لطريقهم كله.
اقرأ أيضًا: حين يترك المربي الأفضل لأجل القلوب: درس من بناء الكعبة
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.