المربي

أركان الإحسان الثلاثة: الاتقان والقوة والنفع

أركان الإحسان الثلاثة: الاتقان والقوة والنفع

حين نتحدّث عن "الإحسان"، ينصرف الذهن غالبًا إلى بُعده الوجداني: الرحمة، والبرّ، وحسن المعاملة. وهذا صحيح، لكنّه نصف الصورة فحسب؛ فالقرآن الكريم يقدّم لنا وجهًا آخر من الإحسان لا يقلّ أهمّية: الإتقان والقوّة والعمل النافع.

 

ذو القرنين: المهندس الذي أحسن عمله

فحين يعرض القرآن قصّة ذي القرنين، لم تُعرض إلا لمقصد؛ وليس ذلك المقصد سوى تعليمنا قيمة الإحسان من خلال القصّة. فذو القرنين مثال المهندس المسلم الذي يُتقن عمله ويُحسن فعله مسنودًا بالعلم والإخلاص معًا؛ مثال المهندس الذي ينفع بعلمه الناس ويحمي المستضعفين.

فحين طلب منه قومٌ أن يحميهم من يأجوج ومأجوج، لم يكتفِ بالدعاء لهم أو الوعظ؛ بل درس المشكلة هندسيًّا، ونظّم العمل، ووزّع المهامّ، وأنجز مشروعًا متكاملًا حماهم به. فالإحسان هنا ليس دمعةً ولا كلمة، بل حسابٌ دقيقٌ وتنفيذٌ محكم.

 

صاحب العلم من الكتاب: السرعة في خدمة الحقّ

وفي قصّة من عنده علمٌ من الكتاب مع سليمان عليه السلام وبلقيس، درسٌ آخر في الإحسان: "أن الإتقان كفيلٌ بنجدة الحياة". فالإتقان لا يعني فقط أن تُنجز العمل بجودة، بل أن تُنجزه بالسرعة والكفاءة التي تخدم بها الحقّ. فالسرعة إذن قيمةٌ محايدة: حين تخدم الخير تكون خيرًا، وحين تخدم الفساد تكون شرًّا. والمربي الحاذق يوجّه سرعة متعلّميه ومهاراتهم إلى خدمة النافع، لا يكتفي بتعليمهم المهارة مجرّدة عن الغاية.

 

موسى عليه السلام: القوّة في خدمة الضعيف

وفي قصّة موسى عليه السلام مع ابنتَي شعيب عليه السلام، بُعدٌ آخر يستحقّ التأمّل: "أن النبيّ ليس رجل دين لا حظّ له من الدنيا"؛ فموسى عليه السلام رجلٌ قويّ يبادر إلى مغالبة جيشٍ من الرجال الأقوياء ليسقي لامرأتين لا مُعين لهما، وهو نفسه خائفٌ جائعٌ لا مأوى له. فقوّته البدنية والعملية لم تكن منفصلةً عن دينه؛ بل كانت أداةً وظّفها لنجدة الضعيف. ولو كان ضعيف البنية لكان رجل آخرة فحسب؛ والناس يحتاجون إلى رجل الدنيا بمثل حاجتهم إلى رجل الآخرة.

 

ما الذي يعنيه هذا للمربي؟

أن الكفاءة المهنية عبادة لا ترفٌ دنيويّ. فحين تُتقن عملك — أيًّا كان: هندسةً، أو طبًّا، أو تعليمًا، أو حرفة — فأنت تمارس وجهًا من وجوه الإحسان الذي أمر الله به. فلا تُقنع متعلّميك أن "الدين" شأنٌ منفصل عن إتقان حرفتهم؛ بل علّمهم أن إتقان العمل ذاته عبادة.

ألّا يُغفَل تعليم القوّة والمهارة بحجّة الاهتمام بالروح وحدها. فمن ربّى متعلّميه على الرقّة الوجدانية وحدها دون بناء قدرتهم العملية والمهنية، أخرج جيلًا طيّب القلب عاجزًا عن النفع. والقرآن يقدّم في هذه القصص الثلاث نموذجًا متكاملًا: علمٌ، وإتقانٌ، وقوّة، كلّها في خدمة الضعيف والمستضعف.

أن تربط المهارة بالغاية دائمًا. فالسرعة والقوّة والإتقان أدواتٌ محايدة؛ فعلّم متعلّميك أن يسألوا دومًا: لمن أوظّف هذه المهارة؟ فمن أتقن عمله لخدمة النافع، أحسن؛ ومن أتقنه لخدمة الفساد، أساء وإن بلغ قمّة الحِذق.

 

خاتمة

لا تحصر الإحسان في الرقّة والدمعة والكلمة الطيبة وحدها؛ فذو القرنين ومن عنده علمٌ من الكتاب وموسى عليهم السلام يعلّموننا أن الإحسان يشمل الإتقان والقوّة والعمل النافع أيضًا. فربِّ متعلّميك على أن يُتقنوا ما يتعلّمونه، ويُوظّفوا قوّتهم ومهاراتهم في نصرة الضعيف؛ فتلك صورةٌ من صور الإحسان لا تقلّ عن صورته الوجدانية.

 

 

اقرأ أيضًا: أزمة الإنسان بين قيمته الحقيقية ونظرة الآخرين

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم