مقالات تربوية

لماذا يختبرنا الله بالفقر والغنى؟

لماذا يختبرنا الله بالفقر والغنى؟

في مشهدٍ واحد ترسمه سورة الفجر، صوتان متضادان ينطقان بمنطقٍ واحد. رجلٌ وسّع الله عليه فقال: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾، وآخر ضيّق الله عليه رزقه فقال: ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: 15-16]. وقبل أن يكمل القارئ ابتسامته لهذا التوازن الظاهري يأتي الرد القرآني حاسمًا وقاسيًا في آنٍ "كَلَّا" لا هذا صحيح ولا ذاك، من قاس كرامته عند الله -تعالى- بحجم رصيده أخطأ، ومن قاس إهانته بفراغ جيبه أخطأ أيضًا. والمفارقة أن السياق نفسه يكشف السبب: كلا الرجلين الغني والفقير مشغولان بتفسير أرزاقهما بدل الانشغال بواجبهما تجاه اليتيم والمسكين والتراث الذي بين أيديهما [الفجر: 17-20]. فالاختبار إذن لم يكن في المال نفسه إنما فيما يفعله كل منهما بموقعه.

هذا هو جوهر السؤال: لماذا يبتلي الله عباده بالحالين معًا لا بحالٍ واحدة؟ الجواب الذي يقدّمه القرآن مباشرة أن الابتلاء أوسع من الحرمان وحده: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35]. كلمة "فتنة" هنا لا تعني المصيبة فحسب إنما الامتحان بمعناه التقني: عملية كشفٍ لمعدن النفس، والغنى فتنة بقدر ما الفقر فتنة لأن كليهما يضع الإنسان أمام السؤال ذاته وإن اختلف شكله: هل ستنسب ما وصلك أو ما حُرمته إلى نفسك أم إلى الله؟ سليمان عليه السلام حين رأى عرش بلقيس مستقراً عنده لم يقل "أنا أنجزت" إنما قال: ﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: 40]، فحوّل لحظة النجاح الباهر إلى إقرارٍ بأنها اختبارٌ لا مكافأة نهائية. وعلى الطرف الآخر قارون حين سُئل عن سرّ ثروته أجاب: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: 78]، فنسب الفضل إلى ذكائه التجاري، وكانت تلك بالضبط اللحظة التي سقط فيها في الاختبار قبل أن يخسف الله به الأرض.

والحديث النبوي يصوغ هذه المعادلة بأدق مما يفعله أي تحليل معاصر: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له" (رواه مسلم ). لاحظ أن الحديث لا يقول إن الغنى خير مطلق أو الفقر شر مطلق إنما جعل "الخيرية" مشروطة بفعلٍ من العبد يقابل كل حالة فالشكر يقابل السراء والصبر يقابل الضراء، بعبارة أخرى المال والفقر ليسا موضوع الحكم الأخلاقي إنما هو مجرد الساحة التي يُختبر فيها موضوعان أعمق هما هل يفسد الغنى قلبك بالطغيان والغفلة، وهل يفسد الفقر قلبك باليأس والسخط؟ وهذا ما عبّر عنه الغزالي في الإحياء حين رفض أن يُمدح الفقر لذاته أو يُذم الغنى لذاته وجعل القيمة تابعة لحال القلب لا لحال الجيب، إذ كم من غنيٍّ زاهدٍ شاكر وكم من فقيرٍ حريصٍ ساخط.

ولهذا التماثل بين الاختبارين ثمرة عملية تتجاوز الوعظ إلى صميم التربية المالية، من يظن أن الوصول إلى دخلٍ معين سينهي قلقه واضطرابه الداخلي يصطدم بما تؤكده حتى الدراسات السلوكية غير الإسلامية من أن زيادة الدخل تحسّن تقييم الإنسان لحياته إجمالاً لكنها لا ترفع بالقدر نفسه إحساسه اليومي بالطمأنينة بعد بلوغ عتبة معينة من الكفاية، وهي نتيجة تُقرأ في ضوء الحديث النبوي: "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس" (متفق عليه). فالغنى الحقيقي ليس نقطة وصول ماديّة تُنهي الابتلاء إنما حالة قلبٍ تُدار بالشكر تماماً كما أن الفقر ليس نقطة سقوطٍ تُنهي الكرامة بل حالة تُدار بالصبر. ومن هنا فهم ابن القيّم في مدارج السالكين أن مقام الرضا لا يُشترط له غنى ولا فقر لكن يُطلب من العبد في كل مقامٍ يضعه الله فيه، لأن الابتلاء لا يتوقف عند حدٍّ من المال لكن يتجدد مع كل زيادة أو نقصان.

وهذا يفسر أيضًا لماذا شدّد القرآن الكريم على الإنفاق بقدر ما شدّد على القناعة: كلاهما آلية عملية لتحويل الاختبار إلى عبادة بدل أن يتحول إلى فتنة. آية الكنز في سورة التوبة، التي تتوعّد من يكنز الذهب والفضة ولا ينفقها في سبيل الله بعذابٍ أليم [التوبة: 34-35]، ليست تحريماً للغنى لكن تحديداً لمظهر الفشل في اختبار الغنى في أن يتحول المال من أداة تُستخدم إلى كنزٍ يُعبَد. وبالمقابل فإن التسخط والتذمر المستمر عند الفقر هو مظهر الفشل المقابل في الاختبار الآخر. فالمعادلة الشرعية لا تطلب من الغني أن يتصنّع الزهد ولا من الفقير أن يتظاهر بالرضا إنما تطلب من كليهما موقفاً صادقاً من موقعه، شكراً يُترجم إلى إنفاقٍ ومسؤولية عند الغني وصبراً يُترجم إلى سعيٍ وكرامةٍ عند الفقير.

مع أن الاختبار في أصله فردي فإنه لا يتوقف عند حدود الفرد؛ فالغنى والفقر ظاهرتان اجتماعيتان بقدر ما هما حالان قلبيان، والأمة تُسأل عن كيفية تعاملها معهما لا عن موقف أفرادها فقط. ولهذا لم يقتصر القرآن الكريم على الأمر بالشكر والصبر إنما شرع آليات مؤسسية لإعادة توزيع المال: الزكاة حق معلوم للسائل والمحروم [المعارج: 24-25]، والصدقة تطهير للمال وتكافل بين الأغنياء والفقراء، والوقف نموذج تمويلي مستمر الأثر يحوّل المال من ملك فردي إلى منفعة عامة دائمة. فالمجتمع الذي يترك الفقر يتضخم دون معالجة أو يترك الغنى يتركز دون إعادة توزيع لم ينجح في اختباره الجماعي حتى لو نجح بعض أفراده في اختبارهم الفردي. وقد قال ﷺ: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد" (رواه مسلم)، فإذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد، فالأمة المكلّفة لا تُقاس بعدد الأغنياء الشاكرين فيها إنما بعدد الفقراء الذين لم يُتركوا وحدهم، فذلك هو الاختبار الذي يمتد من القلب إلى المجتمع كله.

ولعل أدق ما يمكن أن يُقال في نهاية هذا السؤال هو أن الله لم يختبرنا بالفقر والغنى لأنهما نقيضان يستحق أحدهما الثواب ويستحق الآخر العقاب لكن لأنهما وجهان لامتحانٍ واحد هو موقع القلب من المال، أيُمسكه بيدٍ ممتلئة دون أن يتعلق به قلبٌ متعلق، أم يفتقر إليه جيبٌ فارغ دون أن ييأس منه قلبٌ يائس. وهذا بالضبط ما جعل الرسول -ﷺ- يدعو "اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً"، لا رغبة في الفقر لذاته إنما طلباً لتلك الحال القلبية التي تُخرج المرء من فتنة الغنى المُطغي دون أن يُثقله الحرمان، ولا يفهم من هذا الدعاء أن الفقر مطلوب لذاته؛ فقد كان النبي ﷺ يستعيذ منه فيقول: "اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة" [رواه أبوداود والنسائي]، ويقول: “ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبسط الدنيا عليكم كما بُسطت على من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم” [متفق عليه]. فالمراد بالمسكنة هنا مسكنة القلب لله وخشوعه، لا مسكنة الجيب؛ إذ كم من فقيرٍ متكبر، وكم من غنيٍّ متواضع. فالدعاء طلبٌ لحالٍ قلبيةٍ تحفظ العبد من فتنة الغنى، لا تمجيدٌ للحرمان، وهي غاية الاختبار كله أن يبقى القلب متعلقاً بربه سواء امتلأت يده أو خلت.

 

 

اقرأ أيضًا: بين عطاء الفائض وعطاء المحبوب

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

د. علي شيخون

عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم