قد يجلس بين يديك متعلّمان: أحدهما يسمع الآية فترتجّ لها نفسه وتدمع عينه ويتغيّر سلوكه، والآخر يسمع الآية نفسها فلا تحرّك فيه ساكنًا، كأنها مرّت على أذنٍ لا قلب خلفها. والفرق بينهما ليس في السمع، بل في القلب؛ فالقلوب قسمان: حيّ وميت. والقلب الحيّ هو الذي يتذوّق الكلام الطيب والرديء، ويدرك مرمى الآيات ومغزاها، ويميّز الضارّ من النافع، ويشعر بذلك شعورًا قويًا فتتحرّك جوارحه إلى الخير. أما القلب الميت فيسمع ولا يعي، ويرى ولا يعتبر، حتى كأنه غير موجود؛ ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37].
وهذه أخطر حقيقة يواجهها المربي؛ إذ قد ينجح في حشو العقول بالمعلومات، ويفشل في بعث الحياة في القلوب، فيخرّج حَفَظةً لا أحياء. فمهمّة المربي الأولى ليست أن يملأ الذاكرة، بل أن يوقظ القلب؛ لأن العلم الذي لا يمرّ على قلبٍ حيّ لا يثمر عملًا.
القرآن روح تبعث الحياة
وأعظم ما يوقظ القلوب هو القرآن؛ فهو ليس كلامًا يُحفظ فحسب، بل روحٌ من الله تُنفخ في القلوب الهامدة فتحييها، ونورٌ يُضيء لها طريق السير بعد ظلمة: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: 52]. وبهذه الروح تحوّل الجيل الأول من رعاةٍ للغنم إلى أئمةٍ للدنيا؛ أحياهم القرآن بعد خمود، وجمعهم بعد فرقة، فكانوا المُثُل الحيّة للقلوب الحيّة. فالذي صنع أولئك الرجال ليس كثرة المعلومات، بل حياة القلب بالقرآن.
آفة التلقين بلا حياة
وثمّة آفة يقع فيها كثير من التعليم الديني، وهي التلقين الذي لا يمسّ القلب؛ فيردّد المتعلّم صيغًا وأورادًا لا يشعر بأثرها في نفسه، ولا يجد حلاوتها في قلبه. وقد يحفظ القرآن كاملًا ولم يتحرّك به قلبه؛ لأنه تعامل مع الحروف لا مع المعاني، ومع الامتحان لا مع الروح. والمربي الحاذق يفرّق بين أن يُسمِع المتعلّم القرآن، وأن يوصل القرآن إلى قلبه؛ فالأول نقلٌ للنصّ، والثاني بعثٌ للحياة.
كيف يوصل المربي هذه الحياة؟
أن يكون قلبُه هو أوّلَ الأحياء. فالحياة تُعدي؛ ومن لم يكن القرآن حيًّا في قلبه، لن يوقظ به قلب غيره. فليبدأ المربي بنفسه: يتدبّر قبل أن يُدرّس، ويتأثّر قبل أن يُؤثّر.
أن يخاطب القلب لا الذاكرة. فلا يقف عند حفظ الألفاظ وضبط المخارج، بل يفتح للمتعلّم باب المعنى: ماذا تقول الآية؟ وبمَ تخاطب قلبك أنت؟ وكيف تغيّر يومك؟ فالسؤال الذي يلامس الحياة يوقظ ما لا توقظه آلاف مرّات التكرار.
أن يربط النصّ بالوجدان والواقع. فيصل الآية بحال المتعلّم وهمّه وفرحه وخوفه، حتى يشعر أن القرآن يخاطبه هو، لا أنه يتحدّث عن أقوامٍ مضوا.
أن يدعو له بظهر الغيب. فإحياء القلوب بيد الله وحده؛ والمربي يبذل السبب ويعلّق القلب بالمسبّب، كما كان الدعاء الجامع: "اللهم أحيِ هذه القلوب بكتابك".
خاتمة
ليست الغاية أن نُخرّج جيلًا يحفظ ولا يحيا، بل جيلًا تنبض قلوبه بما تحفظ. فمن وفّقه الله لأن يوقظ قلبًا خامدًا بآيةٍ من كتاب الله، فقد شارك في أعظم عملٍ يصنعه مربٍّ: أن يهب الحياة لا المعلومة. وحسبه أن يردّد بينه وبين ربه في كل مجلس علم: "اللهم أحيِ هذه القلوب بكتابك".
اقرأ أيضًا: القدوة قبل الكلمة
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.