في ليلة العيد من كل عام بعد أن ينصرف آخر زبون كان إبراهيم يُنزل علبة البسكويت المعدنية من الرف العالي خلف الصندوق....يفتح غطاءها الصدئ أمام من بقي في البقالة من الجيران.
في العلبة أوراق صغيرة مطويّة كل ورقة دَين كتبه على عجل: اسم، وما أُخذ وتاريخ تقريبي.
يقلب العلبة على الطاولة ويمزّق الأوراق واحدة واحدة ... يقول وهو يضحك: "عيدكم مبارك، والحساب على الله". وكان الحي يسمّيه أبا الخير وكان الاسم يعجبه.
في تلك الليلة كانت ابنته رنا تساعده في ترتيب الرفوف،
كانت العلبة أثقل من أي عام مضى... وضع يده على الغطاء...قالت رنا وهي تمسح الرف: أبي، تعرف أصحاب هذه الأوراق كلهم؟
ضحك وقال: أكثرهم.
وتعرف من يحتاج ومن ينسى؟
توقفت يده فوق الغطاء .... أعاد العلبة إلى الرف وقال: نكمل الترتيب.
في البيت وهو يبحث في درج الخزانة عن كيس الحلوى الذي خبّأته زوجته للعيد وقعت يده على ورقة من محل الذهب في السوق: إيصال بيع... قرأ الوصف مرتين: إسوارة ذهب نقش ورد. كانت إسورة سعاد التي اشتراها لها يوم وُلدت رنا...
جلس على طرف السرير وتذكّر الصيف الماضي حين أخبره تاجر الجملة أنه سيوقف التوريد حتى يسدد ثم عاد بعد أيام وقال إن الحساب سُدِّد... يومها ظن أن أحد المدينين تذكّر دَينه.
دخلت سعاد ورأت الإيصال في يده... قالت بهدوء: البقالة كانت ستُغلق يا إبراهيم والإسوارة ذهب والذهب يعود.
لم ينم تلك الليلة... نزل إلى البقالة قبل الفجر...أضاء المصباح فوق الطاولة وأنزل العلبة وفتح الأوراق واحدة واحدة
....قرأها كما يقرأ وجوه أصحابها.
ورقة باسم أم سعيد الأرملة التي تسكن فوق الفرن وقد فقد ابنها عمله في الربيع. أرز وزيت وحليب للصغار... وتواريخ متقاربة وكلها أشياء البيت الضرورية... وضع الورقة جانبًا.
ورقة باسم فارس سائق الأجرة الشاب...تحت اسمه سطور مشطوبة بقلمه هو؛ كان يمرّ كل أسبوع ويدفع جزءًا ويشطبه بيده، ثم انقطع منذ تعطّلت سيارته ... وضع الورقة في كومة ثانية.
وأوراق كثيرة باسم جمال الجار الذي جدّد واجهة بيته في الربيع وسافر بأسرته في الصيف، وكان يمرّ كل مساء فيأخذ ما يريد ويقول: "سجّل يا أبا الخير". كانت أوراقه تملأ نصف العلبة.
نظر إليها إبراهيم طويلًا ووضعها في كومة ثالثة.
بعد صلاة الظهر صعد إلى بيت أم سعيد يحمل كيسًا فيه كعك العيد.... فتحت الباب وفي عينيها حرج المدين حين يرى دائنه، وبدأت تعتذر.. قاطعها: جئت أقول لك عيدك مبارك.... وورقتك لم تعد في العلبة يا أم سعيد.... لم تفهم أولًا ثم فهمت فرفعت يديها وقالت بصوت مرتجف: "أظلّك الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله".... نزل إبراهيم الدرج بخطوات أخف مما صعد.
عند العصر مرّ بالورشة التي يصلحون فيها سيارة فارس ....وجده تحت السيارة بثياب ملطخة بالزيت.... خرج الشاب مرتبكًا ومسح يديه وقال: "الأسبوع القادم إن شاء الله تعود السيارة للعمل، وأعود معها".
أخرج إبراهيم ورقته من جيبه وأخذ القلم من خلف أذن الشاب....شطب نصف المتبقي وكتب: "عيدية" ثم أعاد إليه الورقة: "والباقي بالطريقة نفسها حين تمشي السيارة".
نظر فارس إلى الورقة ثم إلى إبراهيم وطواها في جيب قميصه فوق قلبه.
بقيت كومة جمال .... عند المغرب طرق إبراهيم بابه ...خرج جمال مرحبًا وفي يده كوب شاي...دعاه للدخول... وقف إبراهيم عند العتبة ... مدّ إليه الأوراق مرتّبة بالتاريخ. "يا جمال.. تاجر الجملة ينتظر حسابه بعد العيد وأنا أحتاج مالي" ....
ضحك جمال أولًا كما يضحك من يسمع مزحة ...قلّب الأوراق ..تغيّر وجهه حين رأى عددها.
قال بصوت منخفض: ظننتك تمزقها كل عيد.
إبراهيم مبتسما: أمزّق ما يستحق التمزيق.
دخل جمال وعاد بعد دقائق بظرف وقال وهو يتجنب عينيه: سامحني على التأخير.
في صباح العيد قبل الصلاة كان إبراهيم أول الواقفين أمام محل الذهب حين رفع صاحبه الباب.
خرج بعد دقائق وفي جيبه علبة صغيرة من القطيفة.
وفي المساء بعد أن انصرف آخر زبون وقف الجيران أمام البقالة ينتظرون العلبة المعدنية كما في كل عام.
أنزلها إبراهيم من الرف وفتح غطاءها فإذا فيها أوراق قليلة يعرف أصحابها واحدًا واحدًا،
ورقة فارس بينها بنصف سطر. أعادها إلى مكانها
وزّع على الأطفال الحلوى وقال: عيدكم مبارك.
عند الباب كانت سعاد تنتظره..الإسوارة في معصمها، ونقش الورد يلمع تحت مصباح البقالة.
اقرأ أيضًا: لا تسأل: هل أستطيع شراءه؟ اسأل: هل أحتاجه؟
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.
د. علي شيخون
عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.