تمرّ بنا ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم كل عام، فتفيض القلوب محبّةً وشوقًا. لكنّ السؤال الأعمق: كيف نترجم هذه المحبّة إلى واقع؟ فمحبّة النبي صلى الله عليه وسلم لا تكتمل بالكلمات والاحتفال وحدها، بل بالاقتداء والاتّباع؛ فقد جعل الله شخصه الكريم أسوةً حسنة لنا: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]. فالذكرى الحقّة أن نتّخذه أسوةً في أقواله وأفعاله وأحواله، لا أن نكتفي بإحياء الذكرى ثم نعود إلى غفلتنا.
أسوةٌ في كلّ أحواله
قال ابن كثير في هذه الآية إنها أصلٌ كبير في التأسّي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله. فهو أسوةٌ في صبره ومصابرته، وفي رحمته وعدله، وفي تواضعه وحلمه، وفي إتقانه لعمله ووفائه بعهده. فما من موقفٍ يمرّ بنا ــ في بيوتنا، وأعمالنا، وتربيتنا لأبنائنا ــ إلا ولنا فيه صلى الله عليه وسلم أسوةٌ نهتدي بها.
ومن أجمل ما نتأسّى به في ذكرى مولده أنه صلى الله عليه وسلم عرّف نفسه معلّمًا ومربّيًا: "وإنما بُعثت معلّمًا"؛ فكان يربّي أصحابه بالقدوة قبل الكلمة، ويرفق بالصغير، ويحلم على الجاهل، ويسأل الطفل عن شأنه. فأيّ أبٍ أو أمّ أو مربٍّ يريد أن يقتدي به، يجد في سيرته منهجًا كاملًا في التربية بالحبّ والرفق والقدوة.
كيف نحوّل الذكرى إلى منهج؟
اجعل من الذكرى وقفةً مع خُلقٍ واحد تقتدي به. بدل أن تمرّ الذكرى بالمشاعر وحدها، اختر خُلقًا من أخلاقه صلى الله عليه وسلم ــ الرحمة، الصدق، الحلم ــ واجتهد أن تحقّقه في نفسك وبيتك. فالاقتداء بخُلقٍ واحد تعيشه خيرٌ من إعجابٍ بأخلاقٍ كثيرة لا تطبّقها.
عرّف أبناءك بسيرته محبّبةً حيّة. فالذكرى فرصةٌ لتقرّب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قلوب أبنائك: احكِ لهم مواقفه مع الأطفال، ورحمته بالضعفاء، ووفاءه وصدقه؛ فمحبّته تُغرس صغيرًا، ومن أحبّه اقتدى به.
اربط المحبّة بالاتّباع. علّم أبناءك ونفسك أن أصدق برهانٍ على محبّته اتّباع سنّته والاقتداء بأخلاقه؛ ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]. فالمحبّة التي لا تثمر اتّباعًا دعوى بلا برهان.
خاتمة
ذكرى المولد ليست محطّةً للمشاعر وحدها، بل دعوةٌ متجدّدة لأن نتّخذ النبي صلى الله عليه وسلم أسوةً في حياتنا وتربيتنا. فأحيِ ذكراه باقتداءٍ عملي: خُلقٍ تحقّقه، وسنّةٍ تتّبعها، وأبناءٍ تحبّبه إلى قلوبهم. فأعظم ما نقدّمه في ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم أن نجعل سيرته منهجًا نعيشه، لا ذكرى نحييها ثم ننساها.
اقرأ أيضًا: كيف يستيقظ القلب من غفلته؟
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.