من الفرد إلى المجتمع: الطريق المتدرج للإصلاح
لقد جاء الإسلام الحنيف يقرر للدنيا أعدل المبادئ وأقوم الشرائع ويسمو بالنفس الإنسانية ويقدس الأخوة العالمية ويضع عقيدة الخلود والجزاء دافعاً إلى الأعمال الصالحة ومانعاً من الفساد في الأرض ويرسم الطريق العملي لذلك كله في حياة الناس اليومية ثم في أوضاعهم المدنية ويحيي على ذلك القلوب ويجمع عليه الأمة ويقيم على أساسه الدولة ويوجب الدعوة إليه في الناس كلهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
- ومضت على هذا حياة المسلمين حينا من الدهر علت فيها دعوتهم وامتدت دولتهم وسلطانهم وسادوا أمم الدنيا وكانوا أساتذة الناس ووعدهم الله على ذلك أجمل المثوبة وحقق لهم هذا الوعد ﴿فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 148].
- ثم اختلط عليهم بعد ذلك الأمر فاتخذوا الدين طقوساً وأشكالاً والعلم والمعرفة جدلا ومراء، ووزعوا مهمة الإصلاح لتكون أداة للدنيا ووسيلة للجاه والمال ففسدت النفوس أولاً، وتفرقت الكلمة بعد ذلك وذلت الدولة تبعا لهذا، وطمع في المسلمين كل طامع ، فوقعوا تحت حكم غيرهم وسلطانه ، وتغيرت تبعا لذلك كل أوضاع حياتهم الأدبية والعملية .
- وأراد المصلحون الغيورون أن يتداركوا الأمر فقامت طائفة تحاول إصلاح النفوس وقامت أخرى تحاول خدمة الشعوب.
- واختصت ثالثة نفسها بتقويم أداة الحكم، وأطلق كل على نفسه اسما يرضاه ووصفا يعجبه، انتصر لمهمته وانتقص مهمة غيره وكان شرط هذا الاختصاص – ليكون نافعا مفيداً - أن تقوي كل ناحية الأخرى وتكون سندا لها، فيدفع من يهيمنون على تربية النفوس أتباعهم إلى خدمة المجتمعات وهؤلاء ينبهون من معهم إلى أن إصلاح المجتمع بصلاح الحكم حتى يتآزر الجميع على الإصلاح العام.
وكان شرط هذا الاختصاص كذلك أن تقوم هناك الهيئة الجامعة التي تأخذ بأطرافه وتجمع بين حواشيه – وكان شرط هذا الاختصاص أخيراً أن يقوم به الأكفاء المخلصون ... (خطاب الإمام في رؤساء المناطق).
المجتمع المسلم: القيم قبل القوانين
ولقد وفق الإمام حسن البنا رحمه الله في وضع ركن العمل بعد الفهم والإخلاص.. فلا عمل بدون فهم.... ولا قبول بغير إخلاص.
والعمل القائم على أصليَّ الفهم والإخلاص هو العمل الذي يصلح العاملين ويعين على تحقيق الإصلاح الذي جاءت به الرسالة الخاتمة.
وعلى مدار التاريخ الإسلامي ... فاز العاملون الذين فهموا الإسلام باعتباره إيماناً وعملاً ... وأخفق المنظرون الذين اهتموا بكل شيء واهملوا العمل.
فالداعية لا يحبس مبادئ رسالته وتعاليمها في صدره وفكره بل يصوغها أعمالاً تستقيم بها شئون الناس في معاشهم ومعادهم.
وقد جعل الإمام البنا لركن العمل مراتب ودرجات كل واحدة منها تعتبر ركيزة لما بعدها وإن كانت جميعها يأخذ بعضها بحجز بعض وتمثل تكاملاً بحيث لا يغني بعضها عن بعض.
ومعنى أن يبدأ منهج العمل بالفرد ثم بالأسرة ثم بالمجتمع حتى ينتهي بالخلافة فهذا يعني اتباع الطريق المتدرج الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو قومه.
فتأتي مرتبة إرشاد المجتمع طوراً طبيعياً من أطوار التكوين الفرد المسلم فالبيت المسلم فالمجتمع المسلم ...
وقد ركز الإمام البنا على هذه المرتبة لأن طبيعة العمل في هذا الهدف مختلفة عن طبيعة العمل بالنسبة للهدفين السابقين (الفرد، والبيت) وقد كان الإمام دقيقاً موفقاً في اختيار المنهج الصحيح في عملية التغيير داخل المجتمع فلم يتأثر بضغط الأحداث التي غلبت على عصره والتي تمثلت في الثورات والانقلابات والاغتيالات ولم يُر في هذه الوسائل فائدة ترجى فهي كما تأتي بغتة تذهب كذلك.
أما التغيير الإسلامي فيحتاج إلى نفوس أشربت حب دعوة الإسلام واستقامت معه، وإلى أسر قامت على هدي الإسلام ، وإلى مجتمعات غلبت عليها صبغة الإسلام .
" وإن الإخوان المسلمين يهتفون بدعوة ويؤمنون بمنهاج ويناصرون عقيدة ويعملون في سبيل إرشاد الناس إلى نظام اجتماعي يتناول شئون الحياة جميعا اسمه الإسلام “. (المؤتمر الخامس).
فالعمل على إرشاد المجتمع يعني بذل الجهد الواعي لتحقيق مقاصد الشارع من الإنسان فوق هذه الأرض.
العمل المنشود مع المجتمع
هو عمل الصالحات وهو تعبير قرآني جامع يشمل كل ما يصلح به الدين والدنيا ويصلح به الفرد والمجتمع، فهو يضم العبادات والمعاملات أو عمل المعاد والمعاش.
- والخالق جل شأنه لا يريد من الناس أي عمل ولا مجرد العمل الحسن بل يريد منهم العمل الأحسن
﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود: 7/ الملك:2 ] وأيضًا قوله تعالى: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف: 7].
فالسباق ليس بين العمل السيئ والحسن بل بين العمل الحسن والأحسن.
- والمجتمع المسلم هو المجتمع المتميز عن سائر المجتمعات بمكوناته وخصائصه فهو مجتمع رباني أخلاقي إنساني متوازن، المسلمون فيه مطالبون بالعمل على إقامة حياة إسلامية متكاملة، حياة توجهها العقيدة الإسلامية وتزكيها العبادات الإسلامية وتقودها المفاهيم الإسلامية وتحركها المشاعر الإسلامية وتضبطها الأخلاق الإسلامية وتجملها الآداب الإسلامية وتهيمن عليها القيم الإسلامية وتحكمها التشريعات الإسلامية وتوجه اقتصادها وفنونها وسياستها التعاليم الإسلامية.
- فهو ليس كما يتصوره البعض أو يصوره الكثيرون هو فقط الذى يطبق الشريعة في جانبها القانوني وخصوصا جانب الحدود والعقوبات فهذا تصور وتصوير قاصر وظالم لهذا المجتمع واختصار لكل مقومات المجتمع المتعددة في مفهوم واحد هو التشريع وفى جانب واحد من التشريع هو التشريع الجزائي أو الجنائي، لذلك فإن عمل أي فرد أو جماعة مع هذا المجتمع لا يكون نيابة عنه وإنما اشتراك كامل مع المجتمع بأفراده وجماعاته وهيئاته رجالا ونساء لتحقيق الهدف المنشود من هداية البشرية واستقامتها على كتاب الله عز وجل الذي يهدي به من يشاء من عباده .
كتب الإمام البنا في جريدة الإخوان المسلمون الأسبوعية في غرة ذي القعدة 1352ه تحت عنوان:
إلى العمل أيها الإخوان المسلمون فإن العالم ينتظركم:
((صور لنفسك أمة اتبعت تعاليم الإسلام
1- فهم أخوة متحابون لأن كتاب الإسلام يناديهم:﴿إنما المؤمنون أخوة﴾ [الحجرات: 10].
2- وهم متساوون فى الحقوق والواجبات لأن نبى الإسلام يقرر لهم أنه: (لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى).
3- وهم سعداء فى بيوتهم وأسرهم لأن دستور الإسلام حدد حقوق كل فرد من افراد الأسرة وواجباته وبناها على العدل والإنصاف.
4- وهم فاضلون فى أخلاقهم أصحاء فى أجسامهم لأن رسولهم يناديهم فى وضوح وجلاء (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) و(المؤمن القوى خير من المؤمن الضعيف)
5- وهم جادون في كسب عيشهم مهتمون بدراسة الكون الذى يحيط بهم متمتعون بما أحل الله لهم من طيبات الحياة ومباهجها لأن دينهم حبب إليهم الكسب والعمل ونهاهم عن القعود والكسل ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم (ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده )
6-وهم منصفون في معاملاتهم لا يبغى بعضهم على بعض ولا يظلم أحد منهم أحدا
7- وهم عارفون بحقوقهم واقفون عند حدودهم لأن دينهم فصل واجب الحاكم والمحكوم وبين جزاء الظالم وحق المظلوم وجعل لكل حدا يقف عنده ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم (أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم وإن لكم نهايات فانتهوا إلى نهاياتكم ) .
8- وهم مشتركون في الخيرات متعاونون على درء المؤذيات بعضهم لبعض ظهير فى اجتياز الحياة واحتمال ما يعترض الناس فيها من آمال وآلام (حب لأخيك ما تحب لنفسك وأكره له ما تكره لها) ويقول رسول الله ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (الحديث عن أنس بن مالك رضى الله عنه ورواه البخاري ومسلم)
9- وهم بعد ذلك كلهم مستعدون لحماية أنفسهم ومبادئهم بعلمهم وقوتهم مستعدون لأن يلزموا كل إنسان القيام بواجبه بالشدة إن لم يقبل باللين وبالقوة إن لم يرضخ للحق وبالسيف والسنان إن أبى الحجة والبرهان)) انتهى كلام الإمام.
.