المربي

ثمرات الإخلاص التي تُجنى قبل الآخرة

ثمرات الإخلاص التي تُجنى قبل الآخرة

يظنّ بعض العاملين أن الإخلاص استثمارٌ طويل الأمد، لا يُجنى ثمره إلا في الآخرة؛ فيصبرون عليه رجاء الأجر الآجل ويغفلون عمّا يهبهم إيّاه في يومهم هذا. والحقيقة أن للإخلاص ثمراتٍ في الدنيا قبل الآخرة؛ فمن أخلص لله وجد أثر إخلاصه في حياته قبل أن يجده في صحيفته.

 

الثمرة الأولى: الفرج من الكرب

من ثمرات الإخلاص نزول الفرج والنجاة من الكرب والشدّة والضيق. فحين يصدق العبد النيّة مع ربّه، يفتح الله له من الفرج ما لا يخطر بباله؛ فالمخلص لا يُترك في ضيقه، لأن الله وليّ من أخلص له.

 

الثمرة الثانية: الطمأنينة والسكينة

والشعور بالطمأنينة والسكينة، ممّا يجلب سعادةً وصلاح بالٍ وثباتًا وراحة. وقد شبّهوا صاحب الإخلاص بنائمٍ تحت ظلّ دَوحة، لا يخاف من شيء؛ لأنه يتمتّع بطمأنينةٍ داخلية وشعورٍ بالرضا. فتأمّل هذه الصورة الجميلة: شجرةٌ وارفة، وظلٌّ بارد، ونائمٌ لا يقلقه حرّ الشمس ولا زحمة الطريق؛ فكذلك المخلص، لا يقلقه ثناء الناس ولا ذمّهم، لأنه لا ينتظر منهم شيئًا.

 

الثمرة الثالثة: تحصين القلب من أمراضه

والإخلاص، بفضل الله، يدمّر أمراض القلوب كالتكبّر والعجب بالرأي والرياء وغيرها من الأمراض التي قد تصيب القائمين على خدمة الناس. فهذه أمراضٌ ثلاثة تفتك بكلّ عاملٍ في حقل التربية والدعوة، والإخلاص وحده هو الدواء الذي يجتثّها من جذورها؛ فمن أخلص لم يتكبّر — لأنه لا يعمل ليُرى فوق الناس — ولم يُعجب برأيه — لأنه يعمل للحقّ لا لذاته — ولم يُراءِ — لأن نظره إلى الله لا إلى العيون.

 

الثمرة الرابعة: مذاقٌ لا يعرفه إلا صاحبه

وللإخلاص مذاقٌ دعويّ لا يتذوّقه إلا الداعي، حين يناجي ربّه، ويتحدّث مع نفسه، ويعترف بذنبه، ويتضرّع إلى الله، في خلوةٍ يشعر فيها بنعمة المناجاة ونعمة الهداية. وهذه لذّةٌ لا يعرفها من يعمل للناس؛ لأن سعادته موقوفةٌ على تقييمهم، أمّا المخلص فسعادته في لحظة صدقه مع ربّه، لا يستطيع أحدٌ أن ينزعها منه.

 

التخلّي قبل التحلّي

ومن أهمّ ما ينبغي أن يعيه العامل في هذا الباب: أن التخلّي قبل التحلّي مطلبٌ للإخلاص؛ وهذا دأب المخلصين الذين يحاولون التخلّي من جميع المعاصي وشرور النفس، وتذليل النفس على طاعة الله، وشغلها بمعالجة عيوبها عن الالتفات إلى عيوب غيرها. فمن أراد أن يتحلّى بالإخلاص، فليبدأ بتفريغ قلبه ممّا يناقضه: حبّ الظهور، وطلب الثناء، وحظوظ النفس. فلا يجتمع في قلبٍ واحد إخلاصٌ وهذه الشوائب معًا.

 

وقفة: هل أنت طالب أجرٍ آجل فقط؟

فإن وجدت نفسك تصبر على الإخلاص انتظارًا للآخرة وحدها، وتفوتك هذه الثمار العاجلة، فراجع قلبك؛ فربّما لم يصدق الإخلاص فيه بعد. أمّا من صدق فعلًا، فسيشعر بالطمأنينة اليوم، ويرى الفرج قريبًا، ويجد قلبه أخفّ من التكبّر والعجب والرياء، ويتذوّق حلاوة المناجاة في خلوته. فهذه علاماتٌ يمكن أن تفتّش بها نفسك، لا أن تنتظرها فحسب.

 

خاتمة

لا تنتظر الآخرة وحدها لتعرف قيمة إخلاصك؛ فتفقّد قلبك اليوم: هل تشعر بالسكينة كنائمٍ تحت ظلّ دوحة؟ وهل يخفّ عنك التكبّر والعجب والرياء؟ وهل تجد في خلوتك مع الله لذّةً لا يعرفها أحدٌ سواك؟ فإن وجدت هذا، فاعلم أن إخلاصك يُثمر من الآن؛ وإن لم تجده، فابدأ بالتخلّي قبل التحلّي، فذلك أوّل الطريق.

 

 

اقرأ أيضًا: حين يصبح التشدد علامة جهل لا تديّن

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم