حكايات تربوية

المدرب الذي لم يستمع إلى نفسه

المدرب الذي لم يستمع إلى نفسه

كان خالد يفتتح كل دورة تدريبية بآية يحفظها حضوره عن ظهر قلب: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]، ثم يبني عليها ساعة كاملة عن أهمية الأخذ بالأسباب المالية؛ ابنِ صندوق طوارئك أولاً، ثلاثة أشهر من مصاريفك على الأقل، قبل أن تفكر في أي استثمار. كرر الجملة حتى صارت علامته المسجلة، وضرب لهم أمثلة عن عائلات انهارت لأنها لم تحتط، وأخرى نجت لأنها التزمت بالقاعدة البسيطة.

في بيته كان الأمر مختلفًا تمامًا. راتبه من التدريب وأتعاب استشاراته كانت جيدة، لكنها تُصرف بالكامل تقريبًا 

كل شهر: سيارة أحدث كل سنتين لتليق بصورة المدرب الناجح، وعشاء أسبوعي في مطاعم تناسب اسمه المهني، وهدايا لا تتوقف لأصدقاء يجب أن يبقى حاضراً في دوائرهم. 

حين سألته زوجته مرة عن صندوق الطوارئ الذي ينصح به الجميع، ضحك وقال: أنا لست كأي شخص عادي، دخلي متجدد وخبرتي نفسها ضماني الحقيقي، والله يرزق من يشاء بغير حساب، وأنا من أهل هذا الفضل. 

كانت الآية التي يفتتح بها دوراته قد تحولت في فمه دون أن يشعر إلى غطاء لتقصيره لا مفتاحًا لفهمه.

استمر الحال ثلاث سنوات حتى جاء العام الذي تباطأت فيه السوق، وألغت شركتان من كبرى عملائه عقود التدريب السنوية دفعة واحدة بحجة خفض التكاليف. 

لم يكن لدى خالد عقد آخر يعوض الفجوة ولا صندوق طوارئ يسنده لثلاثة أشهر كما كان يوصي به تلاميذه، 

وكانت التزاماته الشهرية الثابتة لا تنتظر تحسّن السوق ولا تسأل عن ظروفه.

في تلك الأثناء طلب منه أحد عملائه القدامى صاحب متجر صغير حضر تدريبه قبل سنتين، أن يراجع خطته المالية بعد أن نجح في بناء صندوق طوارئ يكفيه ستة أشهر كاملة. 

جلس خالد يراجع أرقام الرجل بإعجاب مهني صادق، ثم عاد إلى بيته تلك الليلة وفتح حساباته الخاصة لأول مرة منذ شهور بنية الجرد لا التدريب، فوجد أن تلميذه القديم يملك اليوم ما لا يملكه معلمه.

لم ينم خالد تلك الليلة... توضأ وصلى ركعتين لم يدرِ لماذا أطالهما أكثر من عادته، ثم فتح المصحف على غير قصد عند الآية نفسها التي يفتتح بها دوراته، فقرأها هذه المرة بقلب مختلف ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، وتذكر حديثًا سمعه منذ سنوات في خطبة جمعة ولم يستحضره قط في حياته الخاصة: اعقلها وتوكل. 

أدرك تلك الليلة أنه كان يعلّم الناس نصف الجملة النبوية طوال سنين، ويطبق على نفسه نصفها الآخر وحده.

في الأسبوع التالي غيّر شريحة واحدة من عرضه التدريبي المعتاد؛ أضاف إليها جملة جديدة يقولها بصوت أهدأ من المعتاد: القاعدة التي أشرحها لكم ليست منفصلة عن توكلكم إنما هي صورته العملية، وقد تعلمت هذا متأخرًا من أحد تلاميذي حين سبقني إلى ما كنت أعلّمه له.

بدأ خالد من جديد يقتطع من دخله المتقلب نسبة ثابتة قبل أي إنفاق آخر، ويصف الشعور بأنه أصعب درس علّمه لنفسه رغم أنه أسهل درس كان يلقيه على غيره.

 

.

د. علي شيخون

عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم