المربي

فتنة المنصب في حياة المربي

فتنة المنصب في حياة المربي

يظنّ كثيرٌ من العاملين في حقل التربية أن فتنتهم الكبرى هي المال؛ ولذلك يحرسون أنفسهم من هذا الباب ويتساهلون في بابٍ أخطر منه: فتنة المنصب والرياسة وحبّ الجاه. وقد نبّه السلف الصالح إلى هذا المعنى بعبارةٍ حاسمة: "الزهد في الرياسة أفضل وأعظم من ألف زهدٍ في المال".

ولهم في ذلك حجّة دقيقة: ألا ترى أن المال الذي هو معلّق بالقلوب في الغالب يُبذل في المناصب، ولا تُبذل المناصب فيه؟ فالناس ينفقون أموالهم لينالوا المواقع، ولا ينفقون مواقعهم لينالوا الأموال؛ فدلّ ذلك على أن المنصب أعلق بالنفوس من المال. وقال سفيان الثوري رحمه الله: "الزهد في الرياسة ومدح الخلق أشدّ من الزهد في الدينار والدرهم". وقال الفضيل رحمه الله: "نقل الصخور من الجبال أيسر من إزالة رياسةٍ قد ثبتت في قلب جاهل".

 

حين تتكلّم النفس بلسان المصلحة

وأخطر ما في هذه الفتنة أنها لا تأتي عارية؛ فحين تُوزَّع الأدوار والمسؤوليات — بل قل: توزَّع الأعباء والتبعات — تظهر نزغات الشياطين ووساوس النفوس قائلة: قدّموني قدّمون! ثم تمدّ صاحبها بـكثيرٍ من التبريرات الموضوعية والمنطقية، بحيث يكون كلامَ دعوةٍ ومصلحة، وهو في الحقيقة كلام هوًى ومنفعة.

فالمربي قد يقول: "أنا أولى بهذا الموقع لأنّي أقدر على خدمة الناس"، وقد يكون صادقًا، وقد يكون الباعث خفيًّا لا يشعر به. ولهذا كان تفتيش النيّة في هذا الباب من أدقّ ما يُبتلى به العاملون.

 

وما الزهد المطلوب؟

وليس المقصود بالزهد تحريم الحلال ولا إضاعة المال ولا تعطيل المصالح؛ وإنما حقيقته أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يديك، وأن تكون الدنيا في جيبك لا في قلبك. فالمربي ليس مطالبًا بالهروب من المسؤولية إذا كان أهلًا لها ولم يوجد من يقوم بها؛ وإنما هو مطالبٌ بألّا يكون المنصب مقصده وغايته.

فإن قال قائل: أليس يوسف عليه السلام قد قال ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾؟ فالجواب: إن يوسف عليه السلام قالها في مكانٍ يسود فيه الكفر والظلم ويخلو من الأخيار والمصلحين، فكان لا بدّ أن يتقدّم. وفي المقابل، رضي الله عن عمر بن عبد العزيز الذي كان يفرّ من الخلافة أوّلًا ثم استقال منها فور تعيينه، فلمّا أصرّ الناس على بقائه قام بها خير قيام. فالضابط: أن يتقدّم للمسؤولية عند الحاجة لا عند الرغبة.

 

أربعة معينات على النجاة

الأوّل: تذكّر حقيقة الدنيا. فـالدنيا كلّها بطولها وعرضها لا تعدل عند الله جناح بعوضة؛ فعلى كم من جناح البعوضة تتنافس وتتهافت أنت؟ وقد ختم الله سورة القصص — بعد أن عرض أخطر فتنتين: فتنة الجاه في فرعون، وفتنة المال في قارون — بقوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83].

الثاني: تذكّر تحذير نبيّك -ﷺ- قال: "إنكم ستحرصون على الإمارة، وإنها ستكون يوم القيامة حسرةً وندامة؛ فنِعمَ المرضعة وبئست الفاطمة" (رواه البخاري). فهي نعم المرضعة لأن معها المال والجاه واللذّات؛ وبئست الفاطمة لأن آخرها العزل والحسرة، ثم المطالبات والتبعات في الآخرة. فلا ينبغي لعاقلٍ أن يُلمّ بلذّاتٍ تتبعها حسرات.

الثالث: تعاهد ركن الإخلاص؛ وهو أن يقصد المرء بقوله وعمله وجهاده كلّه وجه الله، وابتغاء مرضاته وحسن مثوبته، من غير نظرٍ إلى مغنمٍ أو مظهرٍ أو جاهٍ أو لقبٍ أو تقدّمٍ أو تأخّر. فمن استقرّ هذا في قلبه، استوى عنده أن يكون في الصفّ الأوّل أو الأخير.

الرابع: اتّخذ القدوة. فتذكّر ذلك الأعرابي الذي آمن وبايع، فلمّا قُسم له من غنائم خيبر قال: "ما على هذا تبعتك! ولكن اتّبعتك على أن أُرمى ههنا — وأشار إلى حلقه — بسهمٍ فأموت فأدخل الجنة". فقال النبي ﷺ: "إن تصدق الله يصدقك"؛ فلمّا أُتي به مصابًا حيث أشار، قال ﷺ: "صدق الله فصدقه". رجلٌ رأى العطاء الدنيوي منقصةً لمقصده!

وتذكّر أبا عبيدة بن الجرّاح -رضي الله عنه- حين كتب إليه أبو بكر -رضي الله عنه- أن يُولّي خالدًا -رضي الله عنه- قيادة الجبهة ويسمع له ويطيع؛ فامتثل بلا حرجٍ ولا منازعة. فالمهمّ الإنجاز وليس من أنجز.

 

خاتمة

راجع نفسك أيّها المربي حين تُوزَّع المسؤوليات: أتطلب الموقع لتخدم، أم تخدم لتنال الموقع؟ وهل يستوي عندك أن يُنسب العمل إليك أو إلى غيرك؟ فإن وجدت نفسك تتغيّر بتغيّر موقعك، فاعلم أن في القلب شيئًا يحتاج علاجًا. واعمل وأنت تعلم أن الإمارة نعم المرضعة وبئست الفاطمة؛ وأن العاقبة للذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا.

 

 

اقرأ أيضًا: ابنك يحفظ لا يفهم وصناعة الوعي لا الذاكرة

 

 شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم