من تأمّل هدي النبي -ﷺ- وهو يصوغ شخصيات أصحابه رضوان الله عليهم أدرك جيّدًا ذلك الأدب النبوي الجمّ في احترام الشخصية المستقلّة؛ فلم يُخرج من مدرسته نسخًا مكرّرة تتشابه في كلّ شيء، بل رجالًا متمايزين: أبو بكر بلينه، وعمر بشدّته، وأبيّ بقراءته، وزيد بفرائضه، ومعاذ بفقهه، وخالد بعبقريته الحربية. كلٌّ منهم نسيجٌ وحده، ومع ذلك كانوا صفًّا واحدًا.
وهذا هو التوازن الذي يعجز عنه كثير من المربّين: أن تحفظ وحدة الصفّ دون أن تُلغي تمايز الأفراد.
قاعدة حبّاب بن المنذر رضي الله عنه
وقد أرسى الصحابي الجليل حبّاب بن المنذر -رضي الله عنه- قاعدةً جليلة في حدود العلاقة بين القيادة والجندية يوم بدر، حين سأل النبي ﷺ: "يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل: أمنزلٌ أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟" فقال ﷺ: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة". فأشار عليه حبّاب برأيٍ آخر، فأخذ به النبي ﷺ.
فتأمّل ثلاثة أمورٍ في هذا الموقف:
أوّلًا: أن حبّابًا -رضي الله عنه- سأل قبل أن يعترض؛ فميّز بين ما هو وحيٌ لا اجتهاد فيه وما هو رأيٌ يقبل المشورة. وهذا أدب المتعلّم الواعي: أن يعرف مساحة الرأي قبل أن يبدي رأيه.
وثانيًا: أن النبي -ﷺ- بيّن له المساحة بصدق؛ ولم يستعمل مقامه ليُسكته. وهذا أدب المربي: أن يكون واضحًا فيما يقبل النقاش وما لا يقبله.
وثالثًا: أنه -ﷺ- أخذ برأي رجلٍ من أصحابه؛ فما نقص ذلك من قدره شيئًا، بل زاد أصحابه ثقةً ومبادرة.
حين يصنع المربي نسخًا لا شخصيات
والخلل الذي يقع فيه بعض المربّين أنهم — بحسن نيّة — يقولبون من يربّونهم على صورةٍ واحدة: طريقة تفكيرٍ واحدة، وأسلوب تعبيرٍ واحد، بل وذوقٍ واحد. ومن خالف اعتُبر شاذًّا أو متمرّدًا. والنتيجة جيلٌ يشبه بعضه بعضًا، ضعيف المبادرة، عاجزٌ عن التصرّف في موقفٍ جديد لم يُلقَّنه.
وأخطر صور هذا الخلل ما يقع حين تُلغى شخصية الفرد بدعوى الالتزام، وتُصادر آراؤه باسم الانضباط، ويُخلط بين الطاعة المطلوبة وبين إلغاء السمع الذي يعني الوعي والفهم والإدراك. فالسمع والطاعة في هدي النبوة يقومان على فهمٍ ووعي، لا على تعطيلٍ للعقل.
كيف يحترم المربي استقلال متعلّميه؟
بيّن لهم مساحة الرأي. فحدّد ما هو ثابتٌ لا نقاش فيه (الأصول والثوابت) وما هو اجتهادٌ يُستشارون فيه (الوسائل والتفاصيل). فالوضوح يمنع الفوضى ويمنع الكبت معًا.
اقبل المشورة ونفّذها إن كانت أصوب. فأخذك برأي متعلّمك لا ينقص هيبتك، بل يبني ثقتهم بأن آراءهم تُسمع؛ فيبادرون بدل أن يصمتوا.
اكتشف تمايز كلّ واحدٍ منهم ووظّفه. فليس المطلوب أن يكون الجميع خطباء أو كتّابًا؛ بل أن يعرف كلّ واحدٍ ميدانه الذي يبرع فيه، فتوجّهه إليه بدل أن تجبره على ميدانٍ ليس له.
احتمل اختلافهم عنك. في الذوق، وطريقة العمل، وترتيب الأولويات؛ ما دام في دائرة المباح والاجتهاد. فمن أراد أن يكون متعلّموه صورةً مكرّرة منه، صنع تابعين لا رجالًا.
ودرّبهم على السؤال المنضبط. كما فعل حبّاب رضي الله عنه: يسأل ليفهم لا ليعترض، ويقدّم رأيه بأدب، ويسلّم إذا استقرّ القرار.
التوازن المطلوب
وليس معنى هذا فوضى الآراء وتعطيل القرار؛ فالمربي الحاذق يجمع بين أمرين: صفٌّ منضبط، وشخصياتٌ متمايزة. فحين يُتّخذ القرار -بعد المشورة- يمضي الجميع، وإن خالف رأي أحدهم؛ فذلك عين ما فعله الصحابة رضوان الله عليهم. فالمشورة قبل القرار، والطاعة بعده.
خاتمة
اسأل نفسك أيّها المربي: هل أصنع رجالًا أم نسخًا؟ هل يجرؤ متعلّمي أن يسألني كما سأل حبّاب رضي الله عنه، أم تعلّم أن الصمت أسلم؟ فمن ربّى على احترام الشخصية المستقلّة أخرج رجالًا كلٌّ منهم نسيجٌ وحده، يقفون صفًّا واحدًا بقناعةٍ لا بقولبة؛ وتلك هي المدرسة التي غيّرت وجه التاريخ.
اقرأ أيضًا: أمانة حفظ أسرار البيت بين جدرانه
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.