مقدمة:
كم من رجلٍ انتشلناه من أوحال المعصية! وانتزعناه من بين أنياب الأحزاب الضالة والحركات الهدامة! وكم من شابٍ تربى على موائدنا، وأعطيناه من وقتنا ما لم نعطه لأهلنا، وأولادنا، وأزواجنا، وكم من ليلةٍ قضيناها طويلةً! طويلة كليل الشتاء، ونحن نعالج مشكلة يكاد تطير من هولها القلوب وتقشعر منها الأبدان!!
هذه طبيعة دعوتنا: أن نتابع النشء في كل أحواله، وتصرفاته، ومشاكله، بل في كل ما يدور في خلده وصدره!!
وعلينا كدعاة أن نتحمل ونصبر لأن ذلك من ضريبة الخدمة التي ثمنها الجنة.
غياب الوفاء للدعوة:
لكن في المقابل، وبعد أن تمضي شهور مع أحدهم تربيه وتشرف عليه وتحتضنه وترعاه يأتي عليه يوم ينقلب عليك وعلى دعوته التي احتضنته ورعته!! ويصبح يخطط ويمكر على دعوته بدلاً من أن يخطط لنشرها ونموها!! لمرضٍ أصابه في نفسه بل في قلبه، أو لعدم قبوله قرارًا دعويًّا ألزمته إياه قيادة الدعوة بحجة أنه قرار غير منطقي أو إجحافٍ في حقه!!
هذه الآفة الخطيرة إنما تدلل على خلل في نفس المتربي يحتاج إلى خلق عظيم نفتقده ألا وهو خلق "الوفاء للدعوة". وقد كان مما قاله الإمام الشافعي: "الحر من راعى وداد لحظة، وانتمى لمن أفاده لفظة ". وقد كان للراشد – حفظه الله تعالى – كلامٌ جميلٌ وبليغٌُ في توضيح هذا الأثر السلفي فقال: "وهذه الدعوة علمتك دهرًا معنى الوداد، وأفادتك كل الألفاظ لا مجرد لفظة، فإن كنت حرًّا راعيت ودها، وأخلصت لها، وابتعدت عن فتن تتربص بها، وأن سلبك الانتصار للنفس حريتك فشأنك وما اخترت ".
ولا ينتصب أحد لفتنة من بعد ستر، ولا يكسل كسلان فينقطع، ويترك، ويستبدل أصحابًا بأصحاب، إلا لنقص معنى الحرية فيه، وإلا لتقمصه بعض ثواب عبودية الدنيا.
وما ثبت داعية على الطريق، وازداد بذلًا وإيثارًا إلا لاكتمال معنى الحرية والوفاء فيه، ومراعاته الوداد، وما أرشد إليه الشافعي من الانتماء.
ثم إنه تأديب شامل يجبر الحر على دوام الانتماء إلى الدعاة الذين ربوه، وما هي لفظة عابرة.
ولا تقولن: فلان من أترابي، أو هو متأخر عني، لم يربني، فربما أسدى لك نصيحة يومًا ما عصمتك، ورُب ناشئ لم يعرف الدعوة إلا هذا اليوم، ترى من حماسته ما يعديك، ويستفزك للخير، وكل ذلك تربية، يُطلب منك لمثلها الوداد.
أخي.. تذكر مَنْ علّمك الأدب؟ بل مَنْ علمك أبجديات التعامل مع الناس؟ وتذكر كيف كان حالك قبل انضمامك لركب الدعوة العالي؟ وتذكر كيف كانت نظرة المجتمع إليك من حولك؟ وانظر إلى نفسك الآن كيف يقدرك جيرانك ومجتمعك؟ واعمل مقارنةً ستجد -بلا شك- أن ما أصابنا من تغيير نحو الأفضل، وسر احترام الناس وتقديرهم لنا هو ببركة ركوبنا في مركب الدعوة المبارك، لا لشيء غير هذا.
قال تعالى:﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ﴾[هود: 42] نداء سيدنا نوح -عليه السلام- لابنه الذي رفض أن يلحق بركب الإيمان، وآوى إلى جبلٍ يعصمه، فما عصمه من الله لا أرض ولا جبل، وأخذه الطوفان كما أخذ غيره من الكافرين.
وأنت يا أخي لا تستعجل، والحق بالركب وتشبث به، ولا تتصدر لفتنة أنت غنيٌ عنها، واعمل على مصاحبة الأخيار لتعلو ويبقى ذكر مع أهل الصلاح والإيمان حتى إذا وافتك المنية قلنا: "رحمه الله لقد كان صفيًّا" – أي التزم الصف.
أخي إن كنت حرًّا -وقد عهدناك كذلك- فارع حب دعوتك، وارع ودادها الذي نجزم والله أنك ما وجدت مثله في بيتك، واحتضنها كعروس تخاف أن تطير من بين يديك ليلة عرسك، فإنها والله أغلى من مائة عروس وعروس، وبها الخلاص وبها ستطأ أقدامك الفردوس الأعلى إنْ أخلصت ودمت حرًّا.
أخي الحبيب: بكلمات قوامها صدق.. ولحنها حب.. وددت أن أختم ما كتبت، أن: "هذه الدعوة منا، ونحن منها، عزها عزنا، ونصرها نصرنا، ونحن أسعد الناس بها! ". لك مني أجمل وردة.. ما دمت حرًّا.
صدق الولاء من أخلاق الأوفياء
مفهوم الولاء في الإسلام:
وهي مولاة الله ورسوله والمؤمنين لقول تعالى:﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾[المائدة: 55]. و"إنما" أداة تفيد الحصر أي ولاء المسلم يقتصر على ما ذكره الله في هذه الآية.
مفهوم الولاء الدعوي:
هو الانتساب الصادق للدعوة، والتجرد لها من كل ماسوها من والدعوات والمناهج والأفكار، واحترام نظامها والهم والانشغال بها، والاستعداد للتضحية في سبيل تحقيق أهدافها، إرضاءََ لله –تعالى- ورجاءَ مثوبته.
والمنتمي إلى الدعوة يعلم أن وفاءه لدعوته ضرورة من ضروريات الاستمرار في الطريق، فأهل الإيمان بعضهم من بعض يحمل ضعيفهم، ويعطف كبيرهم على صغيرهم:﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.[التوبة: 71].
منزلة الولاء وارتباطه بالإيمان:
لقد ارتبط الولاء بالإيمان ارتباطا وثيقا حيث اعتبر أنهما لا يفترقان ابدا. والولاية تحمل معاني الحب والتناصر والتحالف فهي إذا تشمل عمل القلب والجوارح معا ومن رحمه الله عز وجل أنه قبل الولاية منه لعباده المؤمنين:﴿اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُر﴾ِ[البقرة: 257]
* فولاية الله لعباه المؤمنين تشمل هدايتهم وإخراجهم من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الإيمان والهدى وتشمل محبته لهم ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ... ﴾ [المائدة : 54] ونصرته لهم فقال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾[الحج : 38] كذلك أمر الله تعالى بتحقيق الولاية بين المؤمنين:﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[التوبة : 71]
نماذج عملية من الولاء قديمًا وحديثًا:
وعندما يذكر الولاء يذكر معه البراء فكما أن الولاء هو الحب والتناصر والتحالف بين المؤمنين فيكون البراء هو البغض والعداء للكافرين.
وقد ضرب لنا أصحاب رسول الله المثل الأعلى في ذلك، فقد مَرَّ مصعب بن عمير -رضى الله عنه- بأخيه أبي عزيز بن عمير، وكان أسيرًا قد شد يده أحد الأنصار، فقال مصعب للأنصاري: "شد يديك به فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه" فقال أبوعزيز لأخيه مصعب: أهذه وصايتك بأخيك؟ فقال مصعب: إنه -أي الأنصاري- أخي دونك".
وفى غزوة بدر نزل قول الله تعالى:﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[المجادلة : 22]" في أبي عبيدة -رضي الله عنه- الذي قتل أباه وفي الصديق -رضي الله عنه- الذي هَمَّ بقتل ابنه عبدالرحمن، وفي مصعب بن عمير -رضي الله عنه- الذي قتل أخاه عبيد بن عمير، وفي عمر -رضي الله عنه- الذي قتل قريبًا له، وفي حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث؛ الذين قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة.
وقد عمل رسول الله -ﷺ- على تعميق الولاية بين المسلمين في المدينة، وذلك بالمؤاخاة بينهم وبين فضل الحب القلبي في الله ونصرة المؤمنين، وستر المؤمن عورة أخيه المؤمن، وتفريج كربه إلى آخر ذلك من الوسائل العملية لزيادة الولاء بين المؤمنين. وحديثًا ضرب الإخوان في هذه الدعوة المباركة أمثلة عظمة حتى وهم فى محنتهم ولقد قيل عنهم إنه إذا عطس أحدهم فى أسوان فحمد الله لشمته أخوه فى الإسكندرية قائلا له : يرحمك الله .
أهمية الولاء في دعوتنا:
أ - تنفيذًا لأمر الله تعالى:﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[التوبة : 71]
ب - هو العون -بعد الله تعالى- في مواجهة مسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ج - وجود الولاء يشكل السياج الواقي للأفراد فى مواجهة الظروف التي تعترض حياتهم المادية والنفسية والمعنوية، إذ الولاء يفرض تحقيق التكافل بين الأفراد.
د - تحقيق الولاء بين أفراد الجماعة بعضهم وبعض، وبينهم وبين القيادة يجعل التفاهم سهلًا، والرغبة والمسارعة في تنفيذ الأوامر، والتوصيات أكبر وأسرع.
و - تحقيق الولاء بين أفراد الجماعة جنودًا، وقادة يعالج السلبية، واللامبالاة.
.