رمضان مدرسةُ التقوى
الشعار:
"من صام قلبه قبل جوارحه… تخرّج من رمضان بتقوى لا تزول."
حين يتحوّل الزمن إلى رسالة
ليس رمضان مجرد انتقالٍ في صفحات التقويم، بل هو انتقالٌ في مسار القلب.
هو موسمٌ ربانيٌّ لإعادة تشكيل الإنسان، وترميم روحه، وتصحيح بوصلته.
وفيه تتجلّى أعظم رسالة للصيام كما أعلنها القرآن الكريم في قول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]
فليست الغاية جوعًا ولا عطشًا، بل التقوى…
والتقوى ليست شعورًا عابرًا، بل هي منهج حياة، ومراقبة دائمة، ووعيٌ مستمر بحضور الله.
أولًا: مفهوم التقوى (المعنى الذي يُراد):
التقوى في اللغة: من الوقاية، أي اتخاذ وقايةٍ مما يُخشى.
وفي الاصطلاح: أن تجعل بينك وبين غضب الله وقايةً بطاعته واجتناب معصيته.
قال طلق بن حبيب رحمه الله: “التقوى أن تعمل بطاعة الله على نورٍ من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نورٍ من الله تخاف عقاب الله.”
وقال أمير المؤمنين عليٌّ رضي الله عنه: “التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.”
فالتقوى إذن وعيٌ، وانضباطٌ، ومجاهدةٌ، واستقامةٌ.
ثانيًا: كيف يصنع رمضان التقوى؟
1) الصيام مدرسة المراقبة:
قال النبي ﷺ: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه»
(رواه البخاري)
فالصيام يربّي الضمير، أنت تترك الطعام والشراب سرًّا وعلانية لأن الله يراك.
وهذا هو لبُّ التقوى: أن تعيش في حضرة “الرقيب”.
وفي الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» [متفق عليه]
الصوم علاقة خاصة بين العبد وربه… لا يطّلع عليها بشر، ولذلك يصنع الإخلاص.
2) القرآن منهج التقوى:
رمضان هو شهر القرآن:﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾[البقرة: 185]
والقرآن نفسه يعرّف بأنه:﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾[البقرة: 2]
فلا تقوى بلا قرآن، ولا قرآن بلا تدبّر.
رمضان يعيدك إلى مصدر الهداية، ويجعل التقوى معرفةً لا انفعالًا فقط.
3) القيام يحيي القلب:
قال ﷺ: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه» [متفق عليه]
القيام ليس طقسًا تعبديًا فحسب، بل هو لحظة صفاءٍ تتجدّد فيها العزيمة، وفيه تتربّى الروح على طول الوقوف بين يدي الله… ومن طال وقوفه بين يدي الله، قصُر وقوفه على أبواب المعصية.
4) الصبر… عمود التقوى:
قال تعالى: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾[البقرة: 177]
ورمضان شهر الصبر كما سماه النبي ﷺ.
والصبر ثلاثة: صبرٌ على الطاعة، وصبرٌ عن المعصية، وصبرٌ على البلاء.
وفي رمضان تجتمع الثلاثة، فيخرج الإنسان أقوى وأثبت.
ثالثًا: ثمار التقوى في رمضان:
1) نور في القلب:﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾[الأنفال: 29]
1) مخرج من الأزمات:﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾[الطلاق: 2]
3) بركة في الرزق:﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾[الطلاق: 3]
4) قبول العمل:﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾[المائدة: 27]
فالتقوى ليست فضيلة روحية فقط، بل هي مفتاح النجاح في الدنيا والآخرة.
رابعًا: خطر أن نصوم بلا تقوى:
قال ﷺ:«رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع، وربَّ قائمٍ ليس له من قيامه إلا السهر» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني)
إنه تحذيرٌ شديد، فليس كل من جاع اتقى، ولا كل من سهر تزكّى.
العبرة بتحوّل السلوك، لا بطول الجوع.
خامسًا: كيف نتخرّج من مدرسة رمضان؟:
- أن نحافظ على الصلاة في وقتها بعد رمضان.
- أن يبقى لنا وِردٌ يوميٌّ من القرآن.
- أن نراقب ألسنتنا كما راقبنا بطوننا.
- أن نُحيي سنة الصيام بعد رمضان (ستٌّ من شوال).
رمضان ليس محطة عابرة، بل نقطة انطلاق.
قصيدة: رمضان مدرسة التقوى:
رمضانُ يا شهرَ الصفاءِ إذا أتى أحيا القلوبَ وأورقَ الإيمانُ
فيك الصيامُ تهذُّبٌ وتعبُّدٌ وبه يُربَّى الصبرُ والوجدانُ
نصومُ عن شهواتِنا فتزكَّوَتْ روحٌ بها يسمو لنا الإنسانُ
ونقومُ ليلًا والدموعُ شهيدةٌ أنَّ الرجوعَ لربِّنا إحسانُ
فيك الكتابُ يُرتِّلُ آياتِهِ فتفيضُ أنوارٌ بها الأكوانُ
يا شهرَ تقوى في الضمائرِ موطنٌ فيه الإخاءُ، وفيه عفوٌ شانُ
إنَّ التقيَّ إذا تعلَّمَ درسَهُ صارَ الطريقُ لنورهِ عنوانُ
فاجعلْ إلهي صومَنا متقبَّلًا واختم لنا بالخيرِ يا رحمنُ
رمضانُ مدرسةُ القلوبِ إذا وعتْ أنَّ النجاةَ تقىً وإحسانُ.
الواجب العملي:
١) تخصيص ساعة يومية للقرآن تدبّرًا لا تلاوةً فقط.
٢) كتابة ثلاث ذنوب متكررة والسعي لتركها قبل نهاية الشهر.
٣) صدقة يومية ولو قليلة بنية تطهير القلب.
٤) صلاة ركعتين خلوةً يوميًا لا يعلم بهما أحد.
الوصية:
يا من أكرمك الله ببلوغ رمضان، لا تجعله عادةً موسمية، بل اجعله ميلادًا جديدًا لقلبك.
ليكن رمضانك هذا مختلفًا، أصدق دمعة، وأطهر نية، وأقرب خطوة إلى الله سبحانه وتعالى.
تذكّر دائمًا:
إذا خرج رمضان ولم يتغيّر فيك شيء، فراجع قلبك قبل أن تراجع عبادتك.
الخاتمة
رمضان ليس شهر الامتناع عن الطعام، بل شهر الامتناع عن الغفلة.
هو مدرسةٌ تُخرّج رجالًا ،ونساءً يعرفون الله في الرخاء فيعرفهم في الشدّة.
اللهم اجعلنا من المتقين، واكتب لنا في رمضان عتقًا من النار، وقبولًا لا يزول.
كل عام وأنتم بخير
اللهم فرجًا لأهلنا في غزة والسودان يارب العالمين
.
د. عيد كامل حافظ النوقي
داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية