المربي

رياضة النفس: نفسك طمّاعة وثّابة.. فمَنْ يقود مَنْ؟

رياضة النفس: نفسك طمّاعة وثّابة.. فمَنْ يقود مَنْ؟

النفس أولًا

اعلم يا أخي أن النفس في عامة أحوالها أمّارة بالسوء، وهذا وصفٌ قرّره القرآن على لسان يوسف عليه السلام: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53]. فليست النفس عدوًّا خارجيًا نتحصن منه، بل هي مركب لا فكاك منه؛ نحملها معنا في كل حال، وتزيّن لنا ما تشتهي وإن أضرّنا. ومن هنا وجب على العاقل أن يروّضها: يكبح جماحها، ويتحكم في اتجاهها، فلا تكون هي التي تسوقه، بل يكون هو الذي يسوقها.

 

والناس في التعامل مع نفوسهم مسلكان:

المسلك الأول: من فهم نفسه فقادها

هذا صنفٌ يفهم طبيعة نفسه وميولها وتطلعاتها، فيأتيها من أحب الأبواب إليها، ويحسن قيادتها ليصل بها إلى ما يريد هو، لا إلى ما تريد هي. فهو لا يصادم رغباتها مصادمة، ولكن يحوّل مجراها كما يحوّل الفلاح مجرى الماء من أرض بور إلى أرض تُنبت.

وإمام هؤلاء عمر بن عبد العزيز رحمه الله؛ قال له جليس يومًا: لم تُضيّق على نفسك وأنت أمير المؤمنين؟ فأجابه: إن نفسي طمّاعة وثّابة، كلما حصلت على نعيم تطلعت لما بعده، وقد حصلت على كل نعم الدنيا، فهي الآن تطمع فيما عند الله تعالى.

فتأمل: لم ينكر الرجل طمع نفسه ولم يجاهد لاستئصاله، وإنما فهمه ثم وجّهه؛ فجعل الطمع نفسه ــ وهو باب من أبواب هلاك الناس ــ سُلَّمًا يصعد به إلى ما عند الله. هذا رجل قد فهم نفسه فراضها رياضة سلسة حتى وصل بها إلى هذه الصورة الكريمة.

المسلك الثاني: من خاف نفسه فعاندها

وصنفٌ آخر لا يفهم شيئًا عن نفسه، ولكنه يخاف عثراتها وتقلبها، ويريد في الوقت نفسه أن يعبر بها بر الأمان؛ فإذا رأى تمردها ناصبها العداء، وعاندها في كل ما تختاره له وما تدله عليه. وغالب هؤلاء العُبّاد الزهّاد النسّاك الذين ناصبوا الدنيا العداء والشقاق خوفًا منها، وإنا لنرجو لهم السلامة.

وبين المسلكين فرق في الطريق لا في المقصد؛ فالأول يقود بالفهم فتنقاد له نفسه طائعة، والثاني يقود بالقهر فيظل في صراع دائم مع مركبه. والأول أثبت، لأن الرياضة إذا وافقت طبع النفس دامت، وإذا صادمته احتاجت مجاهدة لا تنقطع.

 

الثمرة: إنكار الذات

ومتى داوم الإنسان على رياضة نفسه، ملك زمامها وتحكّم في اتجاهها، حتى يصل بها إلى مرتبة مميزة اتفق المتأخرون على تسميتها: إنكار الذات؛ وهي أن تخفّ الذات في نظر صاحبها حتى لا تعود محور همّه ولا مقياس رضاه، فيعمل لا لتُذكر، ويبذل لا ليُشكر، وقد صارت نفسه أداةً في يده لا صاحبةَ أمرٍ عليه.

 

 

اقرأ أيضًا: واجبات صاحب الدعوة: سبعة أركان يقوم عليها الانتماء الصادق

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم