في عالم يعلو فيه صوت الأرقام على كل شيء، ويُدفع فيه الإنسان دفعاً نحو المزيد: المزيد من العمل، المزيد من المكاسب، المزيد من التملك. يطل سؤال هادئ لكنه عميق:
هل كل ما يلمع يستحق أن يُلتقط؟
هذا السؤال يبدو حديثًا، لكنه في جوهره صدى قديم يتردد في الحكمة القرآنية:﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا...﴾.
إنها دعوة للتبصّر قبل الاندفاع، للتأمل قبل الاقتناص، وللسؤال الذي يهدأ عند عتبة القلب: هل هذا الذي يُعرض عليّ يقربني من سكينتي أم يبعدني عنها؟
هناك لحظات تقف فيها الحياة عند مفترق غير متوقع، لحظة يعرض فيها الواقع مكسبًا وفيرًا، لكن القلب يتراجع خطوة إلى الخلف، كأنه يهمس: ليس هذا ما أبحث عنه.
وفي تلك اللحظة بالذات، يتجلى وعي يشبه ما وصفه النبي -ﷺ- حين قال:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"
وعي لا يحتفي بالربح، بل يحتفي بما قد نخسره لو أخذنا هذا الربح.
المال.. حين يتحول من أداة إلى عبء ناعم
لسنا بحاجة إلى برهان لإثبات أن المال يسهّل الحياة.
لكن التجربة الإنسانية -ومعها الهدي الإسلامي- تقول شيئًا آخر:
حين يتجاوز المال وظيفته كوسيلة، يبدأ في تشييد جدران غير مرئية؛
جدران من العلاقات المتوترة، والمسؤوليات الثقيلة، والتوقعات التي تكبر كلما كبر الرصيد.
ذلك العبء الناعم الذي لا نكتشفه إلا بعد أن نضعه على أكتافنا، والذي حذّر منه القرآن الكريم حين وصف مَنْ يحمل ما لا يطيق بأنه كمَنْ يحمل أثقالًا فوق أثقاله.
ولهذا حين يختار بعض الناس الامتناع عن مكسب كبير، فهم لا يرفضون المال بقدر ما يرفضون التحول الذي قد يحدث لهم بسببه، خشية أن يفقدوا توازن الروح الذي هو أثمن من وفرة الجيوب.
طمأنينة لا تُشْتَرى
مَنْ تأمل تجارب البشر عرف أن أثمن ما في الحياة ليس قابلًا للبيع.
راحة الضمير، نوم هادئ، صباح يبدأ بلا ارتباك، ومساحة نفسية يعرف فيها الإنسان حدوده وحدود الآخرين.
هذه المعاني هي امتداد لقول النبي ﷺ: "من بات آمنًا في سِربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا".
تبدو الأمور بسيطة لكنها تحمل جوهر الوجود الإنساني.
فالمال - في لحظات معينة - قد يكون الريح التي تهز هذا الأساس لا السقف الذي يظلّله.
ولهذا يصبح الرفض -في بعض المواقف- نوعًا من الحفاظ على صوت داخلي لا نريد أن يضيع، صوتٍ يذكّر صاحبه بأن السكينة رزق، وأن الحفاظ على الرزق أحيانًا يكون في الابتعاد عن الزيادة.
الحرية الحقيقية تبدأ من هنا
الإنسان الذي يستطيع أن يقول “لا” ليس شخصًا يتخلى عن الفرص، بل شخص يعرف جيدًا ما الذي يريد أن يبقى عليه.
يمتلك بوصلة داخلية تعمل بدقة، فلا يغريه البريق إذا كان سيعمي عينيه عن الطريق الذي اختاره لنفسه.
وهذه القدرة هي لبّ مفهوم “العفة” في التراث الإسلامي: أن يكون الإنسان سيد نفسه، لا تابعًا لرغباته ولا أسيرًا لوفرة مفاجئة.
ليست هذه بطولة، ولا زهدًا مصطنعًا.
إنها حماية للهوية: أن يبقى الإنسان قريبًا من نسخته التي أراد الله –تبارك وتعالى- لها أن تكون نقية ومتوازنة، دون أن ينجرف إلى حياة لا تشبهه مهما بدت مزخرفة.
المعنى قبل العدد
المشكلة في العالم الحديث أنه يحوّل كل شيء إلى رقم:
الدخل رقم، الإنجاز رقم، الرفاه رقم، وحتى القيمة الإنسانية أصبحت تُقاس بما يُكسب ويُستهلك.
لكن الدين يردّ الإنسان إلى المعنى قبل العدد:
إلى وزن الأمور بميزان القلب، لا بميزان السوق؛
إلى أن “البركة” قد تكون في القليل، وأن “الوفرة” قد تكون عبئًا لا يحتمل.
حين يحافظ الإنسان على مساحته الداخلية، على هدوئه، على بساطته الأصلية، فإنه يعلن أن المعنى أهم من العدد، وأن جودة الرحلة أهم من حجم الحقائب.
طبعًا… سأضيف فقرة منسوجة بسلاسة داخل النص تؤكد على التوازن دون أن تُفسد الانسياب أو تمسّ المحتوى الأصلي.
سأضعها في مكانها الطبيعي قبل الخاتمة، بحيث تبدو جزءًا أصيلًا من المقال:
التوازن… لا انسحاب من السعي ولا انغماس في اللهاث
ومع كل هذا الحديث عن الرفض والسكينة، يبقى التذكير ضروريًّا بأن الحياة لا تُبنى بالابتعاد الكامل عن السعي، ولا باستقالة الإنسان من مسؤولياته.
الإسلام لم يطلب منا أن نترك رزقنا، بل أمرنا بالأخذ بالأسباب، والعمل، والكدّ، والإعمار.
الغاية ليست أن ننصرف عن المكاسب، بل أن نُحسن ترتيبها في حياتنا، وأن نضع المال في مكانه الصحيح: وسيلة لا غاية، معينًا لا قائدًا.
التوازن هنا ليس شعارًا، بل موقفًا:
أن نعمل ونسعى ونبذل، لكن دون أن نسمح للسعي أن يسرق منّا قلوبنا، ودون أن نُحمّل أرواحنا ما لا تحتمل.
أن نفهم أن الوفرة نعمة، وأن المسؤوليات المالية أمانة، وأن قوة الإنسان ليست في ترك الدنيا، بل في القدرة على حملها دون أن تثقل نفسه.
بهذا المعنى، يصبح الامتناع عن مكسبٍ يربك الروح سلوكًا تربويًّا لا يتعارض مع السعي للرزق، بل يضعه في مساره الصحيح:
سعيًا واعيًا، متزنًا، لا يتجاوز حدود الحكمة ولا يعتدي على مساحة الطمأنينة.
الخلاصة: الرفض ليس انكسارًا… بل انتصار هادئ
الناس يطاردون الثراء بحثًا عن السعادة، بينما يكتشف بعضهم أن السعادة أقرب إلى قوله ﷺ:"ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس"
السعادة في أن يبقى المرء متصالحًا مع نفسه، غير مثقل، غير مرعوب، غير ممسوس بقلق الغد.
إن الامتناع عن مكسب كبير قد يكون - في جوهره - أعمق أشكال الثراء:
ثراء يعرف أن السكينة رأس مال، وأن السلام الداخلي لا يُشترى، وأن المحافظة على القلب أهم بكثير من امتلاك ما يملأ اليد.
في النهاية…
ليس الغني مَنْ يملك أكثر، بل مَنْ يحتاج أقل…
ويعرف متى يقول: لا، لكي يبقى كما يريد أن يكون، وكما أراد الله –عز وجل- له أن يكون.
.
د. علي يلماز
عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.