مقالات تربوية

المربي

الأسلوب الصحيح فى العمل 1

الأسلوب الصحيح فى العمل 1

أسلوب العمل والمنهج 

من الأسباب التي يمكن أن يحدث بسببه اختلاف بين العاملين فى حقل الدعوة بعد الاجتماع على الهدف الأكبر وعلى الفهم الصحيح السليم، ألا وهو أسلوب العمل والمنهج الذى يتبع لتحقيق هذا الهدف الكلي وهو إقامة دولة الإسلام؛ حيث نرى مَنْ يعتمدون أسلوب التربية روحيًّا وثقافيًّا وبدنيًّا للأفراد وإعداد القاعدة الصلبة التي يقوم عليها هذا البناء الضخم، ويعتبرون أن هذه القاعدة هي أهم وأشق مرحلة في البناء، وأنه لا يجوز التهاون في إعدادها وفي قوتها وصلابتها. 

وهناك مَنْ يُغَلِّبُون الأساليب السياسية على التربية ويهتمون بالكم دون الكيف، ويحرصون على كسب أكبر عدد ممكن من الأفراد دون التركيز على إعدادهم وتربيتهم؛ ولعلهم يرون أن هذا الطريق أسرع للوصول إلى الحكم، وقد يقول أصحاب هذا الاتجاه: يمكن أن نقوم بالتربية بإمكانيات أكبر بعد الوصول إلى الحكم... وهناك أيضًا مَنْ يعتمدون أسلوب القوة في التغيير كالانقلابات العسكرية أو ما يشابهها، ويعتبرون هذا الأسلوب أقرب الأساليب للتغيير من غيره.

وهناك مَنْ يعتقدون أن أصل الفساد والاختلاف هو ما أصاب عقيدة التوحيد من شوائب أبعدت كثيرًا من المسلمين عن الأصل الذي قام عليه الإسلام، ولابد من التركيز على أمور العقيدة فتكون هي الشغل الشاغل عندهم، وقليلًا ما يخرجون عن دائرته... ومما لا شك فيه أن الاختلاف حول منهج العمل لتحقيق الهدف الكلي بين الجماعات يحدث بلبلة عند الشباب، ويتيح الفرصة للشيطان لإحداث الفرقة والاحتكاك والتشكيك والتجريح، وربما التصادم بين أفراد الجماعات المختلفة أو على الأقل تشتت الجهود وعدم تضافرها...

 

مسؤولية القيادات 

والواجب الإسلامي يفرض على قيادات هذه الجماعات أو التجمعات أن تستشعر مسئوليتها أمام الله -عز وجل- عن كل الذين تجمعوا وراءهم، وعن طاقاتهم وأوقاتهم، وكل ما يبذلونه في حقل العمل للإسلام؛ بأن يكون كل ذلك في الطريق الصحيح الذي يحقق الخير للإسلام، ومستقبل الإسلام. 

فاختيار الطريق الذي تبذل فيه هذه الطاقات والأرواح أمر في غاية الأهمية والخطورة، فالمسئولية أمام الله –سبحانه وتعالى- عظيمة لأي قائد أو مسئول عن جماعة يدفع بأتباعه ليبذلوا طاقاتهم وأرواحهم في طريق فيه خطأ أو انحراف يضر بالإسلام وبالعمل للإسلام، أو فيه إثم كقتل أنفس بغير حق أو غير ذلك من أمور يدفع إليها حماس غير مبصر.

إن أسلوب العمل والطريق لتحقيق الهدف يمكن أن يكون مجالًا للاجتهاد، ووجهات النظر المختلفة، والتي قد تتعارض مع بعضها، أو يعطل بعضها البعض الآخر، فالأولى أن يحدث حوار هادىء وموضوعي بين هؤلاء ليتم الاتفاق على الطريق الأمثل، والأرجح لتحقيق الهدف المنشود الذي تمليه طبيعة المرحلة، على أن يكون إخلاص الوجه لله –تبارك وتعالى- وتخلية النفوس من الأهواء الأساس الذي يقوم عليه الحوار.

وإذا تعرضنا لهذا الموضوع ببعض التفاصيل نجد أن المنطق والعقل يملي علينا أن نتعرف على الطريق الذي سلكه رسول الله -ﷺ- وصحابته لإقامة دولة الإسلام الأولى، وبعد ذلك علينا أن نترسم هذا الطريق ولا نحيد عنه، فليس بيننا من هو أعلم من رسول الله -ﷺ- حتى يختار طريقًا غير طريقه.

 

ما أشبه الليلة بالبارحة 

ومن المفيد أن نوضح أن هناك بعض التشابه في الظروف التي تعيشها الدعوة الإسلامية والدعاة إلى الله –تعالى- اليوم وما كان عليه الحال في فترة الدعوة الأولى، ليس من حيث تكامل التشريع من عدمه، لا فقد اكتمل الإسلام والحمد لله، ولكن من حيث الحركة بالدعوة وقرب الناس من الدعوة أو بعدهم عنها، فلا شك أن الإسلام عاد غريبًا كما بدأ، فنجد الذين يفهمون الفهم الصحيح الكامل للإسلام يقومون بتكاليف العمل التي يوجبها الإسلام قلة من هذه الكثرة الكبيرة، ونجدهم يتعرضون للتضييق والإعنات والإيذاء من أعداء الإسلام، وعملائهم ممن يتسمون بأسماء المسلمين، وأعداء الإسلام في الشرق والغرب يكيدون للإسلام والمسلمين بكل ألوان الحرب والكيد، وليس للمسلمين دولة ولا شوكة تحميهم من هذه الحرب الشرسة التي يتعرضون لها من أعداء الإسلام.

وبسبب هذا التشابه وجب علينا أن نسلك طريق رسول الله -ﷺ- حرص أول ما حرص على نقاء عقيدة التوحيد وتخليصها من أي شائبة شرك؛ لأنها الأساس الذي يقوم عليه بناء شخصية الفرد المسلم؛ الذي سيقوم بعد ذلك بباقي مراحل البناء من الأسرة، فالمجتمع، فالحكومة، فالدولة، اهتم الرسول -ﷺ- بالتربية وإعداد رجال العقيدة وجند الدعوة، وآيات القرآن الكريم كانت تتنزل في تلك الفترة للتركيز على قضية الإيمان بالله –سبحانه وتعالى- واليوم الآخر ونقاء عقيدة التوحيد.

ثم كان التوجيه إلى التخلي عن العادات الجاهلية، والتحلي بالأخلاق الإسلامية الفاضلة، وكان التواصى بالصبر مع التواصي بالحق، مع إعداد النفوس للمعركة بين الحق والباطل؛ وظهر ذلك في بيعتي العقبة حينما طلب منهم أن يتعهدوا بحمايته إذا لحق بهم في المدينة.

ونلاحظ أن المسلمين في تلك الفترة كانوا يتعرضون للإيذاء والتعذيب والقتل ولكن الرسول -ﷺ- كان يوصيهم بالصبر، ويبشرهم بالجنة وبالنصر، ولم يطلب منهم أن يردوا على هذا الإيذاء بالقوة، وكان من الممكن أنيأمرهم بقتل أبي جهل مثلًا أو بتحطيم الأصنام التي تُعبد من دون الله تبارك وتعالى من باب إزالة المنكر، ولكنه -ﷺ- لم يأمر بشيء من ذلك، لأنه لو حدث شيء من ذلك ستثور ثائرة المشركين، ولا تهدأ ثائرتهم إلا بالقضاء على هذه الدعوة وأفرادها، وهي لم تزل ضعيفة محدودة العدد، ولن ينتهي الشرك ولا المنكر بمثل هذه الأفعال المحدودة الجزئية.

 

ركائز بناء الدعوة 

هكذا كان منهج الرسول -ﷺ- فى تلك الفترة، إعداد الركائز القوية التى سيقوم عليها البناء، رباهم على مائدة القرآن الكريم وفي مدرسته -ﷺ- في دار الأرقم بن أبي الأرقم، كما تعرض -ﷺ- لتوجيه الله له بقيام الليل ليحوز على الزاد الذي يعينه على حمل الأمانة الثقيلة:﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾[المزمل: 1-5]

هذا هو الإعداد الضروري لمواجهة تكاليف العمل، ومشاق الطريق واستمر -ﷺ- وصحابته في نشردعوة الله وتبليغها للناس رغم آل الضغوط والإيذاء، وهذا سيدنا مصعب بن عمير رضي الله عنه يذهب إلى المدينة، ولا يألوا جهدًا حتى دخل الإسلام معظم بيوت المدينة بأسلوب الدعوة الفردية.

وبعد أن هاجر المسلمون إلى المدينة ثم هاجر الرسول -ﷺ- هو والصديق -رضي الله عنه- كان أول اهتمامه بناء المسجد الذي يعتبر المؤسسة الأساسية في بناء الرجال وتكوين القاعدة الإسلامية القوية.

ثم كانت الخطوة الأساسية التالية وهي رباط العقيدة والأخوة في الله –تعالى- فآخى بين المهاجرين والأنصار وسجل القرآن الكريم صورة هذا الإخاء في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[الحشر: 9]

وكان -ﷺ- يحث على التدريب على الرماية والسباحة وركوب الخيل استجابة لأمر الله تعالى:﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ...﴾[الأنفال: 60]، ثم أراد الله –سبحانه- أن تكون ذات الشوكة في بدر وتكون الحرب بعدما كان القصد العير وليس النفير، ورفعت راية الجهاد بعد أن تكونت للمسلمين قاعدة قوية الإيمان متحابة متماسكة وتنزل عليها نصر الله لما نزل قوله تعالى:﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ[الحج: 39]

بهذا العرض المختصر نرى أن الأسس التي قام عليها التغيير لإقامة دولة الإسلام الأولى، هي قوة العقيدة والإيمان، ثم قوة الوحدة والأخوة، ثم قوة الساعد والسلاح وبهذا الترتيب.

 

الترتيب الصحيح لأسس بناء الدولة 

إن أي نقص أو تراخٍ في تحقيق هذه القوى الثلاث، أو أي منها ينعكس سلبًا على قوة البناء وصلابته واستقراره، فقوة العقيدة والإيمان هي الأساس المتين، والدافع القوي الذي يجب توافره في الركائز التي سيقوم عليها البناء، وقوة الوحدة والأخوة هي التي تربط الأفراد ليكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا؛ فلا يجد العدو بينهم ثغرة ينفذ منها، وحتى إذا وقفوا في الجهاد كانوا مطابقين لقول الله تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾[الصف:4].

كما أن أي خلل في ترتيب هذه القوى لا تؤمن نتائجه، ولا يُطْمَأَنُّ إلى قيام البناء، وإذا قام لا يُطْمَأَنُّ إلى ثباته واستقراره.

كما أن التآخي والتحاب لا يمكن أن يتحقق بالصورة المرجوة المتينة دون أن يسبقه الإيمان الصادق الذي يدفع إلى هذا الحب، وتلك الأخوة، وهذا الإيثار.

كذلك فإن استعمال قوة الساعد والسلاح قبل تحقيق الوحدة والأخوة يمكن أن يؤدي الخلاف بينهم إلى أن يضر ببعضهم بعضًا بهذا السلاح، ويؤدي ذلك إلى فنائهم وضياعهم... وإذا لم تتحقق قوة العقيدة والإيمان كان الأمر كما لو كان يمثل جماعة تعمل لمبدأ أرضي لا لعقيدة سماوية صادقة، فلا يُرجَى من ورائها خير.

هكذا نرى سلامة الطريق الذي سلكه رسول الله -ﷺ- والذي أوصل -بفضل الله وعونه- إلى تحقيق الهدف وقيام دولة الإسلام، وهو الطريق الذي يجب علينا التزامه بكل دقة ودون مخالفة.

يتبع…

 

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم