تقارير

انتصار غزة العزة.. دروس وعبر

انتصار غزة العزة.. دروس وعبر

قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً {22}‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب: 22 - 23]

تحية نصر وعزة إلى المجاهدين والمرابطين على أرض غزة، نعم فقد انتصرت غزة رغم التدمير.

في مقالة للدكتور حمد يوسف المزروعي يعدد فيها مظاهر انتصار غزة، وفي مقدمتها انتصار الإيمان والمبادئ، وفشل العدو في تحقيق أهدافه، ونشر قضية فلسطين والقدس عالميًّا. 

وهنا نحاول أن نربط انتصار غزة الأخير، بواقع الأمة الإسلامية المؤلم، وما ينبغي أن تكون عليه، وهي تقف موقف الأخ الناصر لأخيه المسلم في موقف يحتاج فيه لنصرته، بينما تقف الأمة عاجزة موقف المتفرج وتكتفي بالشجب والاستنكار على المستويات الرسمية، بينما التظاهرات الشعبية الجارفة تعصف بشوارعها وطرقاتها. 

مظاهر انتصار غزة:

انتصار الإيمان والمبادئ، فشل العدو في تحقيق أهدافه، نشر قضية فلسطين والقدس إعلامياً وعالمياً، فشل المنافقين في تثبيط الأمة، وتشويه صور التضحيات والجهاد، فسقطت الأقنعة وانكشفوا، إعلاء راية الجهاد والمجاهدين، وتأصيل شرعيتها بالفِعال، بعدما اجتهد الغرب في تشويهها، الثبات والصمود الشعبي من أهل غزة؛ فإنهم بثباتهم واستشهادهم أيقظوا الأمة بدمائهم، وأحيوا قضية فلسطين المحتلة، تضامن الشعوب ووحدتها ودعاؤها.

بينما يرصد الدكتور مهران ماهر عثمان بعض الدروس المستفادة من هذا الانتصار مؤكدًا على شرعية الجهاد ودفع العدو في عقيدة وشريعة المسلمين، موضحًا حقيقة الإعداد للعمل على تحقيق النصر في ظلال العدوان الإسرائيلي الغاشم. 

دروس الانتصار:

أولاً: صدق النبي ﷺ 

ألم ينصَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه لا سبيل للقضاء على المجاهدين؟ أما قال ﷺ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ، لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ :«بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ» [أحمد في المسند]

وكما تحقق هذا الحديث لابد أن يتحقق حديث آخر، لابد أن يخذل الله كل من لم ينصر هؤلاء المجاهدين، والله وبالله لابد لذلك أن يكون، فلقد قال رسول الله -ﷺ- في مسند أحمد وسنن أبي داود :«مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا، فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ»، ودونكم الأيام لتثبت لكم ذلك!

ثانياً: أنّ الله يعطي على الصدق ما لا يعطي على غيره

لقد صدق المجاهدون ربهم، فصدقهم الله بأن أخزى عدوهم، ولقد قال رسول الله ﷺ:«إن تصدق الله يصدقك» [النسائي].

ثالثاً: ثمرة الإعداد للجهاد

والله قد أمر بذلك في القرآن الكريم، قال تعالى :﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 60].

في فترة التهدئة التي استمرت لشهور قليلة لم يذق فيها المجاهدون طعم الراحة، عملوا ليل نهار، وأعدوا لمرحلة الحرب -التي كانت متوقعةً - العدة، فآتى العمل ثماره، وكان التوفيق حليفهم؛ لإعمالهم أمر ربهم.

والواجب أن يعد الإنسان ما يستطيعه، ويأخذ بالأسباب المتاحة له، فإذا انضاف إلى ذلك صدقه مع الله وحسن ظنه به كان النصر والتأييد.

ألا ترى أنّ الله تعالى أمر أيوب عليه السلام بقوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:42]، وما تغني ضربة صحيح قوي للأرض برجله فضلاً عن ضعيف سقيم؟ أليس الله بقادر على أن يقول كن فيكون؟بلى، ولكنه درس نتعلم منه أن نأخذ بالأسباب المتاحة، ونحسن الظن بالله، ولا يجتمعان في امرئ إلا وحلّ التوفيق في ساحته.

رابعاً: لا عزّ ولا كرامة إلا بالجهاد في سبيل الله

بماذا نال المجاهدون هذه العزة؟ كيف تحقق لهم النصر؟ بسلوكهم درب الجهاد في سبيل الله، وسبق أن ذكرت –أيها القارئ الكريم – في عدد من المقالات أنّ الله تعالى ما ذكر ظهور دينه إلا وذكر قبل ذلك وبعده الأمر بالجهاد في سبيله، لماذا؟ لأنه سبيل إعزاز الدين، ومن ابتغى ذلك بدونه فهو كمن يحرث البحر، أو يدخل جملاً في سم الخياط!

ومن أدلة ذلك قوله ﷺ :"إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ" [أبو داود].  

ومن الأدلة سيرة النبي ﷺ، فإنه لم يظهر على عدوه إلا بعد أن رفرفت عنده راية الجهاد بالسنان.

ومن الأدلة قوله ﷺ :«ما ترك قوم الجهاد إلا عمَّهم الله بالعذاب» [الطبراني في الأوسط].

خامساً: اليقين من أسباب النصر وإعزاز الدين

لقد استمعت إلى كلمة أبي العبد رئيس الوزراء رحمه الله وتقبله في الشهداء -والحرب ما زالت مستعرة ونارها موقدة- وهو يبشر بنصر الله بيقين وحسن ظن، علمت عنده أنّ الله لا يمكن أن يخذل أمثال هؤلاء، وهذا لعمري هدي رسول الله ﷺ، الذي قال قبيل بدر:«لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم»

والذي بشر سراقة بسواري كسرى وهو مطارد في الهجرة..

وبشر بفتح الشام وفارس وهو محاصر في الأحزاب، والله عند حسن ظن عبده به.

سادساً: تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً.

فمن أسباب النصر ما يسمى بلغة العصر بتوحيد الجبهة الداخلية، ومما أثلج صدورنا هذه الوحدة التي كانت بين المجاهدين، في حماس، وألوية الناصر، وحركة الجهاد، ولقد قاتل في خندقهم بعض الصادقين من حركة فتح.

سابعاً: وما النصر إلا من عند الله

قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران : 126]، وقال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 10].

وقد ختم الله الآيتين بهذين الاسمين: العزيز، والحكيم، فالعزيز هو الذي لا يغالب، والحكيم في تدبيره، فإن النصر قد يتأخر، وقد يكون ثمنه باهظاً، قد تهدم البيوت، وتراق الدماء، ويكون الدمار، وكل ذلك لا يزيد المؤمن إلا إيماناً بأن الله حكيم في تدبير أمره.

ثامناً: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله.

وكم من فئة لا تملك ما يملكها عدوها فنصرها الله عز وجل.

صواريخ قال عنها بعض من في قلبه مرض (عبثية) في مقابلة أعتى أسلحة الدمار، فما أغنت عنهم أسلحتهم التي نصبوها لضرب الإسلام والمسلمين من شيء لما جاء أمر ربك وما زادتهم غير تتبيب. 

هي صواريخ بدائية .. لكن الله بارك فيها، وفيمن صنعها، كما بارك في أرضها.

تاسعاً : لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله

من منا لم يشاهد وزيرهم وهو يختبئ وراء السيارة من صواريخ المجاهدين؟!

عاشراً: غسل الأيدي سبع مرات أولاهنّ بالتراب من نجاستين مغلظتين: 

من (بعض) حكام المسلمين، ومن مجلس الأمن، والأمم المتحدة، وهذا ما لا ينكره إلا مكابر.

ومع كل مظاهر الصمود والصبر في ميادين الجهاد من قِبل المجاهدين، والتمسك بالأرض من قِبل الغزويين، هنا تقف النظريات التربوية السلوكية والإدراكية والبنائية وغيرها من النظريات عاجزة عن تفسير مواقف الصمود والجلد والتصبر، وقوة الإرادة والعزيمة والتصميم المتين لشعب غزة المحاصر منذ 17 سنة. 

جيل كامل ولد وعاش في ظل النكبات والنكسات المتتالية، والحروب المتكررة والحصار المطبق، ولكن هذه المحن لم تزده إلا إصرارا على نيل حريته، وتحرير أرضه المغتصبة من كيان محتل بغيض.

وفي مقالة للدكتور علي جبران بعنوان "وقفات تربوية من وحي الحرب على غزة" يقف خلالها وقفات ذات نمط رتربوي يحمل دلالات عميقة تؤصِّل لجذور التربية الإيمانية والعقدية في نفوس أبنائها ومنسوبيها من المسلمين، فقد برزت في ظل الحرب الشرسة على غزة ورجالها ونسائها وأطفالها مواقف تربوية فريدة، لها مدلولاتها وآثارها النفسية على الجيل المعاصر والقادم، ولا بد هنا من الوقوف عندها مليا لاستلهامها وتبنيها وتفسيرها ضمن الظواهر التربوية التي تستحق التأمل:

الوقفة الأولى: رفع معنويات الأمة وتعزيز الثقة بالذات

        استطاعت أحداث السابع من أكتوبر في غزة أن تعيد للقضية الفلسطينية ألقها ومكانتها بين قضايا الأمة والعالم، وأصبحت قضية حرية الشعب الفلسطيني واستعادة أرضه ما زالت حية في ضمائر أبناء الأمة والعالم الحر.

الوقفة الثانية: تضامن اجتماعي فريد

هناك العديد من المشاهد التي تدلل على تماسك المجتمع في غزة وتكاتفه معا، مما يشير إلى حجم التعاضد والتلاحم المجتمعي الكبير بين أفراده وقت المحن. 

الوقفة الثالثة: أخلاقيات أبناء الشعب وقت المحن والكوارث

في غزة فقد تجلت كل معاني الأمانة والشفافية من خلال إعادة ما كان يوجد تحت الأنقاض من أموال أو ممتلكات إلى مستحقيها. شعب تربى على القيم والأخلاق الإسلامية الرصينة لا يمكن أن تكون تصرفاته إلا وفق منهج الله في زمن السراء والضراء على سواء.

الوقفة الرابعة: منظومة قيم جيل النهضة

يذكر أنه يتم تخريج آلاف الحفاظ لكتاب الله في كل عام في غزة، وفي العام الماضي تم تخريج 1471 حافظا للقرآن الكريم. فجيل تربى على كتاب الله يسعى دوما للتمسك به والالتزام بمضمونه والعمل وفق أخلاقياته وقيمه. وجيل تربى على صلاة الفجر وقيام الليل فهو أحق أن يعرف الواجب الوطني المنوط به بكل أمانة وإخلاص. قيمة التصبر والمصابرة العجيبة قد تجلت في مواقف الرجال والنساء والأطفال الذين فقدوا العديد من أفراد أسرهم في الحرب الدائرة عليها، ولكن ألسنتهم لا تلهج إلا بأن ذلك كله فدا الأقصى والقدس وفلسطين. مواقف الشرف والكبرياء كانت تدفع الناس هناك إلى استخراج الجرحى من تحت الركام، وهمهم الأساس أن يغطوا رأس البنت العفيفة لئلا ينكشف شعرها على غير المحارم. 

قيمة التوق للحرية والإباء والانسلاخ عن المستعمر والمحتل كانت حاضرة في عيون الشباب الذي يأبى أن يخضع إلا لعبودية الله وحده. قيمة الهمة العالية والشجاعة والإقدام رغم شراسة العدو وبطشه، وكأن أهل غزة اقتدوا بمقولة الشافعي رحمه الله: "همتي همة ملوك، ونفسي نفس حر ترى المذلة كفرا". 

وقيمة الطموح عند أهل غزة كانت مستلهمة من مقولة عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "إن لي نفسا تواقة، تاقت للإمارة فنالتها، وتاقت للخلافة فنالتها، وأنا الآن أتوق للجنة وأرجو أن أنالها". وفي مقدمة ذلك كانت قيمة الرؤية الواضحة بارزة في سلوكهم نحو تحرير كامل الأرض المحتلة والإنسان. 

الخلاصة:

من هنا فإن مدرسة تربوية جديدة قد تشكلت لبناء جيل قادر على إعادة الحقوق وتحرير المقدسات بكل شموخ وإباء. شباب قادرون على رسم طريق جديدة نحو البناء النهضوي للمجتمع والأمة والإنسانية. لا بد من استلهام الدروس التربوية من هذه المواقف الفذة، لاستكمال منظومة قيمية شاملة بمنهجية عملية، قادرة على بناء الشخصية بناء متكاملا، يجمع بين التربية الإيمانية والروحية الأصيلة، والتربية الفكرية والعقلية الراسخة، كما يؤكد على معاني التربية النفسية والوجدانية المتزنة، إلى جانب التربية الاجتماعية والسلوكية الرصينة، بالإضافة إلى التربية الجسدية التي ينبغي الإعداد لها إعدادا يليق بعظم الهدف النبيل والمنشود. بهذا المنهج وحده يستطيع الجيل أن يقدر ذاته، ويحقق مراده، ويرفع من شأنه، ويعلي من مراتبه، ويرفع رأس الأمة.

اللهم أدم نصرك وعزّك لغزّة، ونسألك صلاة في المسجد الأقصى فاتحين منتصرين، إنك سميع قريب، والحمد لله رب العالمين. 

 

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم