المربي

قوّة العفو عند المقدرة: كيف يتعامل المربي مع من أساء إليه؟

قوّة العفو عند المقدرة: كيف يتعامل المربي مع من أساء إليه؟

لكلّ مربٍّ لحظاتٌ يُساء إليه فيها: متعلّمٌ جحد فضله، أو زميلٌ نال منه، أو موقفٌ ظُلم فيه ثم صار قادرًا على الردّ. وفي هذه اللحظة بالذات ــ لحظة القدرة على الانتقام ــ يتكشّف معدن المربي، ويتقرّر أيّ نموذجٍ سيقدّمه لمن يربّيهم.

وقد كانت القدرة على الثأر جزءًا من ثقافة القوة في الجاهلية؛ فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليصنع نموذجًا مختلفًا للقوة: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34]. وفي فتح مكة، حين أصبح صلى الله عليه وسلم قادرًا على الانتقام ممن آذوه وأخرجوه وحاربوه، ظهر نموذجٌ آخر للقوة: قوّة العفو عند المقدرة.

 

عبقرية التربية النبوية

وهنا تتجلّى عبقرية التربية النبوية: لم يكن الهدف أن يتحوّل الإنسان المظلوم إلى ظالمٍ جديد، بل أن يتحوّل الألم في داخله إلى عدلٍ ورحمةٍ ونضج. وهذا هو الفارق بين من انتصر لنفسه ومن انتصر لمبدئه؛ فالأوّل يعيد إنتاج الظلم بوجهٍ جديد، والثاني يكسر الحلقة ويؤسّس لواقعٍ مختلف.

وهذه القاعدة من أخطر ما ينبغي أن يعيه المربي؛ فمن يربّي متعلّميه على أن الردّ بالمثل هو القوة، يخرّج جيلًا يتوارث الأحقاد. ومن يربّيهم على أن القوة الحقيقية في ضبط النفس ساعة القدرة، يخرّج جيلًا يشفي جراحه ولا ينزفها على غيره.

 

العفو ليس ضعفًا ولا تفريطًا

ولا يعني العفو ضياع الحقوق ولا إهمال التقويم؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم الذي عفا يوم الفتح هو نفسه الذي أقام العدل وردّ المظالم. فالفرق دقيقٌ ومهمّ: العدل نظام، والعفو خُلق؛ فالمربي يقيم العدل في محضنه فلا يترك الإساءة بلا معالجة، لكنه لا ينتقم لنفسه، ولا يستعمل موقعه لتصفية حسابه الشخصي. وأصعب ما في هذا الباب أن يميّز المربي بين الغضب لله والغضب لنفسه؛ فالأوّل يقود إلى معالجةٍ عادلة هادئة، والثاني إلى انتقامٍ يلبس لباس التأديب.

 

أثرٌ يبقى في المتربّين

ومن أبلغ ما يربّي به المربي أن يرى متعلّموه عفوه ساعة قدرته؛ فذاك درسٌ في الحلم لا تصنعه المواعظ. فحين يعرفون أن مربّيهم قدر فعفا، وأنه لم يستغلّ سلطته للانتقام، يتعلّمون معنى القوة الأخلاقية عمليًّا: أن الأقوى ليس من غلب، بل من ملك نفسه حين غلب. ثمّ إن العفو يفتح للمسيء بابًا للعودة؛ فكم من مسيءٍ قلبه العفوُ إلى أوفى الناس، وكم من عقوبةٍ لحظية أغلقت بابًا للأبد.

 

حدود العفو

لكنّ العفو المحمود ما أصلح ولم يُفسد؛ فإذا كان في العفو ضياع حقٍّ لغيرك، أو تشجيعٌ للمسيء على التمادي، أو ضررٌ يقع على من تربّيهم، فالإصلاح مقدَّم. فالميزان: أن يكون قرارك نابعًا من مصلحة من تربّيهم لا من انفعال نفسك؛ فمن استطاع أن يفصل بين حظّه ومصلحة رسالته، أصاب في العفو وفي المنع معًا.

 

خاتمة

ستأتيك لحظةٌ تقدر فيها على من أساء إليك؛ فتذكّر أن من يربّيهم ينظرون إليك حينها أكثر من أيّ درسٍ ألقيته. اجعل الألم فيك يتحوّل إلى عدلٍ ورحمةٍ ونضج، لا إلى ظلمٍ جديد بوجهٍ آخر؛ فتلك هي القوة التي علّمنا إيّاها سيّد المربّين صلى الله عليه وسلم يوم قدر فعفا.

 

 

اقرأ أيضًا: الإتقان والثبات: صفتان لا يستغني عنهما مربٍّ
 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم