كان التوحيد نقطة الانطلاق الكبرى في المشروع النبوي؛ ولم يكن قول "لا إله إلا الله" مجرّد عبارةٍ عقدية تُقال، وإنما كان ثورةً على كلّ أشكال الاستعباد الفكري والنفسي والاجتماعي. فالذي يؤمن بأن الله وحده هو المعبود، وأنه وحده صاحب الأمر المطلق، يتحرّر من عبودية المال، والجاه، والقبيلة، والطغيان، والشهوة، ونظرة الناس. وهكذا صنع النبي صلى الله عليه وسلم إنسانًا حرًّا من الداخل.
لماذا الحرية الداخلية أساس البناء؟
لأن الإنسان الذي يعيش أسيرًا لرضا الآخرين لا يستطيع أن يصنع حضارة؛ فهو لا يبادر خوف اللوم، ولا يقول الحقّ خشية الخسارة، ولا يختار طريقه لأنه ينتظر أن يختاره الناس له. وهذه الحرية الداخلية من أعظم مقوّمات الشخصية السويّة؛ فمن تحرّر من عبودية ما سوى الله، ملك قراره وثبتت مواقفه واستقام ميزانه.
وتأمّل عبوديّات العصر التي حذّر منها التوحيد قبل قرون: عبودية المال فيقيس الإنسان نفسه والناس بما يملكون؛ وعبودية الجاه فيبيع مواقفه لأجل موقع؛ وعبودية الشهوة فينقاد لكلّ ما يشتهي؛ وعبودية نظرة الناس وهي أخفاها وأشدّها انتشارًا اليوم، حيث صار كثيرون يعيشون حياةً معروضة، يقيسون قيمتهم بإعجاب الآخرين، ويشكّلون سلوكهم بما يُرضي جمهورًا لا يعرفونه.
التوحيد يحرّر ثمّ يبني
ولا تقف وظيفة التوحيد عند التحرير؛ فهو يحرّر القلب من كلّ عبودية ثمّ يربطه بالله وحده، فيمنحه في الوقت نفسه مرجعيةً ثابتة وميزانًا لا يتبدّل. فالإنسان الموحّد ليس متفلّتًا بلا مرجع، بل حرٌّ من الخلق عبدٌ للحقّ؛ وهذا هو التوازن الذي تصنعه العقيدة: تحريرٌ من الصغائر، وارتباطٌ بالأعلى.
ولهذا كانت المرحلة المكية مرحلة تأسيسٍ للعقيدة والوعي والضمير قبل أيّ بناءٍ آخر؛ إذ لا يمكن أن تُبنى أمّةٌ من أفرادٍ أسرى من الداخل مهما توفّرت لهم الإمكانات.
كيف نربّي على هذه الحرية؟
اربط قيمة الإنسان عند أبنائك بالله لا بالناس. فعلّمهم أن ميزان النجاح رضا الله لا تصفيق الآخرين، وأن قيمتهم ثابتة لا تزيد بمدحٍ ولا تنقص بذمّ؛ فينشؤون واثقين لا متذبذبين.
حرّرهم من الاستعباد بالمقارنة. فالمقارنة الدائمة بالآخرين ــ في المظهر والممتلكات والإنجاز ــ أسرع طريقٍ إلى الأسر؛ فدرّبهم على أن يقيسوا تقدّمهم بأنفسهم بالأمس لا بغيرهم اليوم.
علّمهم قول الحقّ ولو خالف السائد. فمن ألف أن يوافق دائمًا كي يُقبل، ضاعت شخصيته؛ ومن تعلّم أن يقف مع الحقّ ولو وحده، امتلك أثمن ما يملكه إنسان.
اجعل التوحيد معاشًا لا محفوظًا. فحين يتعوّد الطفل أن يسأل الله وحده، ويتوكّل عليه، ويرجو ما عنده، يذوق معنى التحرّر من الحاجة إلى المخلوقين عمليًّا، لا في درسٍ نظري.
خاتمة
إن أعظم ما تمنحه العقيدة لصاحبها أن تجعله حرًّا من الداخل؛ لا يشتري رضا الناس بدينه، ولا يقيس نفسه بموازينهم، ولا يخاف إلا ممن بيده كلّ شيء. فمن ربّى نفسه وأبناءه على حقيقة "لا إله إلا الله" كما ينبغي، أخرج إنسانًا يملك قراره، ويثبت على مبدئه، ويصلح لأن يبني؛ فالحضارات لا يصنعها الأسرى، بل الأحرار.
اقرأ أيضًا: شهادة: كيف نكتشف الإعجاز الحضاري للقرآن الكريم لنبني به المستقبل؟
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.