كان الانتماء القبلي أحد أقوى عناصر المجتمع الجاهلي؛ فالإنسان يُقاس بحسب نسبه وقوّته وماله، وتُقدَّم العصبية على الحقّ، ويُنصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا. فجاء الإسلام ليعيد تعريف الانتماء من جذوره: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
وتأمّل الدقّة: لم يُلغِ الإسلام التنوّع البشري، ولكنه نقل الإنسان من التعصّب للاختلاف إلى التعارف من خلال الاختلاف. فالشعوب والقبائل باقية، لكن وظيفتها تغيّرت: من متاريس للتعصّب إلى أبوابٍ للتعارف. وهذا درسٌ بالغ الأهمية لعالمنا المعاصر الذي يعاني من الصراعات العرقية والطائفية والقومية والحزبية؛ وهو درسٌ نحتاج أن نغرسه في أبنائنا قبل أن تغرس فيهم بيئاتُهم عكسه.
العصبية تبدأ صغيرة في البيت
قد نظنّ أن العصبية شأن الكبار والسياسة؛ والحقيقة أنها تُزرع في الطفل مبكرًا وبصورٍ صغيرة: حين يسمع في بيته احتقارًا لعائلةٍ أخرى أو بلدٍ آخر أو مذهبٍ مخالف، وحين يرى والديه ينصران قريبهما وإن كان مخطئًا، وحين يتعلّم أن يصنّف الناس قبل أن يعرفهم: "هؤلاء منّا وهؤلاء ليسوا منّا". فتنمو معه هذه القسمة حتى تصير نظّارةً يرى بها العالم كلّه.
ولهذا كان أوّل ميدانٍ لعلاج العصبية هو البيت: بضبط ما يُقال فيه عن الآخرين، وبتعليم الأبناء أن ميزان التفاضل واحد لا غير: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
كيف نربّي أبناءنا على التعارف؟
علّمهم أن يعرفوا قبل أن يحكموا. فالتعارف المذكور في الآية عمليّة: أن تسأل وتتعرّف وتفهم قبل أن تصدر حكمك على إنسانٍ لأنه من جماعةٍ أخرى. ودرّب ابنك على أن يسأل: "هل أعرفه فعلًا؟" قبل أن يردّد ما يُقال عن فئةٍ كاملة.
اضبط لسان البيت. فلا تُعمَّم الأحكام في مجالسك على شعبٍ أو أسرةٍ أو طائفة؛ فالطفل يلتقط التعميمات ويحفظها. وإذا زلّ لسان أحدهم بتعميمٍ جارح، فصحّحه أمامهم؛ فالتصحيح العلني يعلّمهم أن هذه ليست لغة بيتنا.
علّمهم الإنصاف حتى مع من يخالفهم. فبيّن لهم أن نصرة الأخ تكون بردّه عن الظلم لا بمساندته فيه، وأن الحقّ يُقال ولو على أقرب الناس؛ ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: 8].
أشركهم في تجربة التعارف. فالصداقة مع طفلٍ من بيئةٍ مختلفة، والمشاركة في نشاطٍ يجمع فئاتٍ متنوّعة، تكسر الصور النمطية أسرع من أيّ محاضرة؛ فمن عرف الناس عن قربٍ عجز عن كراهيتهم جملة.
الأخوّة حين تصير ممارسة
وقد قدّمت المدرسة النبوية النموذج العملي في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار؛ إذ تحوّلت القيم من كلمات إلى ممارسة: فالمهاجر لم يكن مجرّد وافد، والأنصاري لم يكن مجرّد مضيف، بل أصبحا أخوين في مشروعٍ إنسانيّ واحد. وهنا درسٌ معاصر مهمّ: لا تُبنى المجتمعات القوية بمجرّد القوانين، وإنما تُبنى عندما تتحوّل القيم إلى علاقات يومية. وكذلك البيوت: لا تُبنى قيمة قبول المختلف بالمواعظ، بل حين يرى الأبناء أهلهم يعيشونها في علاقاتهم اليومية.
خاتمة
نحن لا نربّي أبناءنا ليعيشوا في قبيلةٍ مغلقة، بل في عالمٍ متنوّع يحتاج من يُحسن التعامل معه. فعلّمهم أن التنوّع سنّة الله، وأن الاختلاف بابُ تعارفٍ لا ساحة تعصّب، وأن ميزان الكرامة التقوى لا النسب ولا الانتماء. فبهذا تُخرج للحياة إنسانًا يجمع ولا يفرّق، ويعرف قبل أن يحكم، وينصف حتى من يخالفه.
اقرأ أيضًا: من يعيش أسيرًا لرضا الآخرين لا يستطيع أن يصنع حضارة
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.