المربي

المربي

التواضع مفتاح المربي الناجح

التواضع مفتاح المربي الناجح

حين نهى لقمان ابنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: 18]، لم يكن ينهاه عن حركة جسدٍ فحسب، بل عن موقفٍ من الناس: أن يُعرض بوجهه عمّن يكلّمه احتقارًا له واستكبارًا عليه. والمعنى الإيجابي المقابل: ألن جانبك، وابسط وجهك للناس، وأقبل عليهم متواضعًا مؤنسًا مستأنسًا. وإذا كان هذا أدبَ كلّ مسلمٍ مع الناس عامّة، فهو في حقّ المربي آكد؛ لأن قبول المتربّين لمربّيهم ــ ومن ثمّ قبولهم لما يحمله إليهم ــ مرتهنٌ بتواضعه. فمن أهمّ السمات التي يجب أن يتّصف بها المربي أن يكون متواضعًا؛ لأن التواضع عطوف، والعُجب منفّر، والطباع تسرق الطباع.

 

لماذا التواضع مفتاح المربي خاصّة؟

لأن التربية تجري عبر قناة القلب، والكبر يُغلقها. فالمتربّي الذي يشعر أن مربّيه يستعلي عليه، يحتقر سؤاله، أو يُعرض عنه إذا كلّمه، يُغلق قلبه وإن فتح أذنه؛ فيسمع ولا يتلقّى. أمّا الذي يجد مربّيه قريبًا باسط الوجه، يُقبل على صغيرهم قبل كبيرهم، فيفتح له قلبه فيصل إليه كلّ ما يحمله. ولهذا كان تواضع المربي ليس فضيلةً شخصية فحسب، بل أداة عملٍ لا تتمّ رسالته بدونها.

وقد كان سيّد المربّين صلى الله عليه وسلم أعظم الناس تواضعًا: يجالس الفقراء، ويُقبل على الصغير، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويقول: "إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا، حتى لا يبغي أحدٌ على أحد، ولا يفخر أحدٌ على أحد" (رواه مسلم). فمن أراد أثرًا كأثره، فليتخلّق بخُلقه.

 

صور عملية لتواضع المربي

ابسط وجهك وأقبل بكلّك. حين يكلّمك متربٍّ ــ صغيرًا كان أو ضعيف الشأن ــ فأقبل عليه بوجهك كلّه، ولا تُشعره أن وقتك أثمن من كلامه؛ فإقبالك عليه يقول له: أنت مهمّ عندي، وهذه أوّل رسائل التربية.

اقبل السؤال ولو بدا ساذجًا، والنقد ولو جاء ممن دونك. فالمربي المتواضع لا يستكثر على طالبه أن يسأله أو يستدرك عليه؛ بل يشكر من نبّهه، ويقول "لا أدري" بلا حرج، ويصحّح خطأه أمام من يربّيهم. وهذا نفسه درسٌ يتشرّبونه: أن العلم أكبر من الجميع.

جالس الجميع بلا تمييز. فلا تخصّ بالإقبال المتفوّقين ووجهاء الحضور، وتُصعّر خدّك للضعفاء والمقصّرين؛ فربّ متعثّرٍ أحيته منك التفاتة، وربّ متفوّقٍ ما أفسده إلا استئثاره بوجهك.

اخدم ولا تستنكف. فالمربي الذي يحمل مع طلابه، ويرتّب معهم مكانهم، ويقضي حاجة محتاجهم، يعلّمهم بفعله أن العظمة في الخدمة لا في التصدّر.

 

تواضعٌ لا يُسقط الهيبة

وقد يخشى مربٍّ أن يُذهب التواضعُ هيبته؛ والحقّ أن الذي يُسقط الهيبة هو التبذّل والتنازل عن الثوابت، لا التواضع. فالمعنى في وصية لقمان أن تُقبل على الناس تواضعًا وحلمًا وتسامحًا في غير ذلّةٍ ولا مهانة؛ فتلين في جانبك وتثبت في مبدئك. بل إن التواضع يزيد الهيبة محبّةً؛ فهيبة المحبوب المتواضع أرسخ من هيبة المخوف المتعالي، لأن الأولى تسكن القلوب والثانية تقف عند الظواهر. وقد وعد الصادق المصدوق: "وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله" (رواه مسلم)؛ فالرفعة ثمرة التواضع لا ضحيّته.

 

خاتمة

لا تُصعّر خدّك لمن تربّيهم؛ فقلوبهم لا تُفتح لمستعلٍ، وقبولهم لك مرتهنٌ بتواضعك. ابسط وجهك، واقبل السؤال والنقد، وجالس الجميع، واخدم ولا تستنكف؛ تجمع بين محبّتهم وهيبتك، ويرفعك الله في قلوبهم فوق ما يصنعه أيّ تعالٍ. فالمربي المتواضع يربّي بوجهه المنبسط قبل لسانه؛ والطباع ــ كما قيل ــ تسرق الطباع.

 

 

اقرأ أيضًا: أركان تقوم عليها تربية الإنسان الرباني

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

فريق التحرير

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم