سؤالٌ بسيط يستحقّ أن تطرحه على نفسك وأنت تراقب ابنك يؤدّي واجبه المدرسي، أو يرتّب غرفته، أو يقوم بأيّ مهمّةٍ صغيرة: هل يفعل هذا لينتهي منه، أم ليُتقنه؟ فالفرق بين الإجابتين لا يبدو كبيرًا اليوم، لكنّه سيصنع فارقًا هائلًا حين يكبر؛ فالذي يعمل لينتهي يرى في عمله عبئًا يُلقيه عن كاهله، أمّا الذي يعمل ليُتقن فيرى في كلّ مهمّةٍ فرصةً لا تتكرّر، وفي كلّ تفصيلةٍ صغيرة أمانةً لا تُهان.
الإتقان عادة تُبنى لا موهبة تُولد
الخبر الجيّد أن الإتقان ليس حظًّا يُولد مع بعض الناس دون غيرهم؛ بل هو عادةٌ تُبنى، وطريقٌ يُسلك خطوةً خطوة، حتى يتحوّل من قرارٍ إراديّ مجهود إلى طبعٍ راسخ لا يحتاج إلى جهد. وهذا يعني أن أفضل وقتٍ لبناء هذه العادة هو الطفولة؛ فالطفل الذي يتعوّد أن يُتقن واجباته الصغيرة، يحمل هذا الطبع معه إلى دراسته الجامعية وعمله وحياته كلّها.
لماذا يقبل بعض الأبناء أن يُقصّروا؟
الجواب غياب المعنى؛ فالإنسان لا يُتقن حين لا يعرف لماذا يعمل. وحين يكون العمل مجرّد واجبٍ يُنجَز، يؤدّيه بمقدار ما يُطلب؛ وحين يكون رسالةً وأمانة، يؤدّيه بمقدار ضميره. والطفل الذي يفهم أن الإتقان قربةٌ إلى الله لا مجرّد "شطارة" تُرضي المعلّم أو الوالد، يحمل دافعًا أعمق من أيّ رقابةٍ خارجية؛ فحين يغيب عنه من يراقبه، يظلّ مستوى عمله ثابتًا لأن رقيبه صار في داخله.
كيف نغرس هذه العادة في أبنائنا؟
جدّدوا معهم النية قبل كلّ مهمّة. علّموا ابنكم أن يقول قبل أن يبدأ واجبه: "بسم الله، اللهم اجعل هذا العمل خالصًا لوجهك"؛ فلحظةٌ قصيرة كهذه تُحوّل الواجب المدرسي من عبءٍ إلى عبادة.
علّموهم مراجعة عملهم قبل تسليمه. فـ**"دقيقةٌ واحدة من المراجعة تكشف ما لم تره ساعاتٌ من العمل"**؛ ودرّبوا ابنكم على أن يسأل نفسه قبل أن يسلّم واجبه: هل راجعته؟ هل هذا أفضل ما عندي؟
أعطوا التفاصيل حقّها معهم. فـ**"الفرق بين العمل الجيّد والمتقن لا يكمن في الكبير، وإنما في الصغير الذي يظنّه كثيرون لا يستحقّ الاهتمام"**؛ فامدحوا دقّة الخطّ، ونظافة الصفحة، وترتيب الأدوات، لا النتيجة النهائية وحدها.
حاسبوهم في نهاية اليوم بسؤالٍ واحد. "هل أعطيت عملي اليوم ما يستحقّ؟" — اجعلوا هذا السؤال عادةً مسائية بسيطة؛ فمن اعتاد أن يُجيب عنه، لم يستطع أن يتهاون طويلًا.
لا تنتظروا الظروف المثالية. فـ**"كثيرون يؤجّلون الإتقان حتى تتحسّن الأدوات أو تتغيّر الظروف"**؛ علّموا أبناءكم أن يُتقنوا بما لديهم الآن، لا أن ينتظروا الأدوات الأفضل أو المزاج الأنسب.
كونوا أنتم القدوة في الإتقان. فحين يراكم ابنكم تُتقنون عملكم المنزلي وأعمالكم اليومية، يتعلّم بالمشاهدة ما لا يتعلّمه بالوعظ.
الثمرة لا تُرى فورًا لكنّها تتراكم
وقد لا يرى الطفل أثر إتقانه اليوم؛ فالمعلّم لا يكافئ دائمًا الدقّة الزائدة، والزميل الذي أنجز بسرعةٍ قد يبدو رابحًا في اللحظة. لكنّ "الإتقان استثمارٌ يتراكم يومًا بعد يوم ويجني أرباحه في الرزق والسمعة والنفس المطمئنة"؛ فالطفل الذي يبني هذه العادة صغيرًا، يجد نفسه بعد سنوات صاحب سمعةٍ يُعتمد عليها، وثقةٍ من كلّ من حوله، وفرصٍ تُفتح له دون أن يطرق بابها.
خاتمة
لا تكتفِ بأن يُنهي ابنك واجباته؛ علّمه أن يُتقنها. فالفرق بين "أنهيتُ" و"أتقنتُ" لن يظهر في درجة اليوم، لكنّه سيظهر في شخصيّته بعد سنوات؛ إنسانًا يُؤتمن ويُعتمد عليه، أم إنسانًا يكتفي بأقلّ ما يمكن أن يُقبل منه. وابدؤوا اليوم؛ فالإتقان عادةٌ تُبنى بالتكرار الصغير، لا بقرارٍ واحدٍ كبير.
اقرأ أيضًا: بيوتنا بين الإحسان والمعاملة بالمِثل
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.