قد نظنّ أن التربية شأنها القضايا الكبرى فقط: العقيدة والعبادة والأخلاق الجامعة. لكنّ لقمان الحكيم ــ في خاتمة وصاياه لابنه ــ نزل إلى تفاصيل تبدو صغيرة: كيف يمشي ابنه، وبأيّ صوتٍ يتكلّم:﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾[لقمان: 19]. وفي هذا النزول إلى التفاصيل درسٌ تربويّ بذاته: أن شخصية الابن تُبنى من عاداته اليومية الصغيرة؛ فمشيته وصوته ليسا شكليّات، بل مرآة اتزانه الداخلي وعنوان وقاره بين الناس.
الأدب الأوّل: القصد في المشي
قال المفسّرون في ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾: ليكن مشيك قصدًا، لا تخيّلًا ولا إسراعًا؛ وقال عطاء: امشِ بالوقار والسكينة، كقوله تعالى في عباد الرحمن:﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾[الفرقان: 63]. فالمطلوب التوسّط: لا تبخترٌ فيه خيلاء، ولا عجلةٌ تُذهب الوقار، بل اعتدالٌ يعكس نفسًا مطمئنة.
وتعليم الابن هذا الأدب يبدأ من ملاحظته وتوجيهه برفق: أن يمشي باعتدالٍ واتزان، ومعه آداب الطريق كلّها: غضّ البصر، وردّ السلام، وكفّ الأذى. والأهمّ أن يرى ذلك في مشية والديه؛ فالطفل يلتقط طريقة مشي أهله وحركتهم كما يلتقط كلامهم. والقصد نفسه ــ كما نبّه الشرّاح ــ ليس في المشي وحده، بل هو مبدأ التوسّط في أمور الحياة كلّها: في النوم والأكل والنفقة؛ فمن تعلّم القصد في مشيته، فُتح له باب القصد في شؤونه.
الأدب الثاني: غضّ الصوت
ثم قال:﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾؛ أي اخفض من صوتك فلا ترفعه إلا إذا استدعى الأمر رفعه. وعلّل بأبلغ تنفير:﴿إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾؛ فشبّه الرافعين أصواتهم بلا حاجة بأقبح الأصوات وأبشعها. وكان أهل الجاهلية يتفاخرون بجهارة الصوت، فجاء هذا الأدب يقلب الميزان: فغضّ الصوت عند المحادثة أدبٌ وثقةٌ بالنفس واطمئنانٌ إلى صدق الحديث؛ وما يزعق ويُغلظ في الخطاب إلا من يشكّ في قيمة قوله فيحاول إخفاء ذلك بالحدّة والزعيق.
يقول الرازي رحمه الله: "غضّ الصوت دليلٌ على كمال العقل"؛ وفي الآية إشارة تربوية بأن الابن المتّزن لا يصرخ ولا ينفعل ولا يفرض نفسه على الآخرين بعلوّ صوته، بل ببهاء منطقه وعلمه ورقيّ تعامله. فالهيبة ليست لصاحب الصوت العالي ــ ولو كانت كذلك لكانت للحمير ــ بل لصاحب الكلمة الموزونة بالصوت الهادئ.
كيف نغرس هذين الأدبين في البيت؟
اخفض صوت البيت كلّه. فالطفل الذي ينشأ في بيتٍ يتخاطب أهله بالصياح، يتعلّم أن الصوت العالي لغة التواصل؛ والذي ينشأ في بيتٍ هادئ النبرة، يستغرب الصراخ إذا سمعه. فأصلح نبرة البيت تُصلح نبرة ابنك.
علّمه أن الحجّة لا تعلو بعلوّ الصوت. فإذا احتدّ في نقاشٍ رافعًا صوته، ذكّره بهدوء: "اخفض صوتك وقوِّ حجّتك"؛ فيتعلّم أن قوّة الكلام في صوابه لا في ضجيجه.
ولا تكرّر مرّةً واحدة وتكتفي. فهذه الآداب لا يكفي ذكرها للأبناء مرّةً واحدة، بل تحتاج تكرارًا واستغلالًا للمواقف المناسبة لتعميقها، حتى تترسّخ في نفس الطفل فيصير مندفعًا إليها بنفسه، لا يحتاج من يدفعه.
خاتمة
لا تحتقر من التربية تفاصيلها؛ فمشية ابنك وصوته عنوانا وقاره ومرآة اتزانه. علّمه القصد في مشيه يتعلّم القصد في حياته، وغضّ الصوت يتعلّم أن الهيبة للحجّة لا للضجيج؛ فتُخرج للناس ابنًا تعرفه المجالس بسكينته قبل كلامه، وبوقاره قبل حديثه — كما أراد له لقمان الحكيم.
اقرأ أيضًا: طفل يُطعم مسكينا اليوم.. رجل يرحم الناس غدا
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.