سُئل مربٍّ يومًا عن سرّ تأثّر الناس به وإقبالهم العجيب عليه، فأجاب بجملةٍ واحدة تختصر منهج التربية كلّه: "كنت أدعوهم بالنهار وأدعو لهم بالليل". فلم يكن سرّه في أسلوب إلقائه أو غزارة علمه فحسب، بل في شيءٍ لا يراه أحد: أنه كان يخلو بربّه، يغترف من ذخائر الليل ما يوزّعه على من يربّيهم بالنهار.
الفرق بين مربٍّ يُوجّه ومربٍّ يدعو
كثيرٌ من المربّين يبذلون جهدهم كلّه في النهار: تحضير الدرس، وتوجيه النصيحة، وتقويم السلوك. وهذا واجبٌ لا غنى عنه. لكنّ المربّين الذين تُقبل عليهم القلوب إقبالًا لا يفسَّر بالأسباب الظاهرة وحدها، يضيفون إلى هذا بابًا آخر لا يراه أحد: أن يخلوا بربّهم في الليل، ويذكروا من يربّونهم بالاسم، ويسألوا الله لهم الهداية والصلاح.
شاهدٌ من القرآن والسنة
وهذا الخُلق أصيلٌ في هدينا؛ فقد وصف الله المؤمنين الصادقين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10]، وأمر نبيّه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]. وقال صلى الله عليه وسلم: "دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملكٌ موكَّل، كلّما دعا لأخيه بخيرٍ قال الملَك الموكَّل به: آمين، ولك بمِثل" (رواه مسلم). فالدعاء لغيرك بظهر الغيب لا يعود بالخير عليه وحده، بل يعود عليك أنت أيضًا؛ فالملَك يؤمّن لك بمثله.
نماذج تُذهل بدقّتها
وسار على هذا الهدي سلف هذه الأمّة بصورةٍ تُذهل من دقّتها؛ فهذا أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: "إني لأدعو لسبعين من إخواني في سجودي، أسمّيهم بأسمائهم". وهذا الإمام أحمد بن حنبل يقول: "ما صلّيت صلاةً منذ أربعين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي رحمه الله". وكان لأبي حمدون القصّاص صحيفةٌ فيها ثلاثمئة من أصدقائه، يدعو لهم كلّ ليلة؛ فتركهم ليلةً ونام، فقيل له في منامه: "يا أبا حمدون، لم تُسرج مصابيحك الليلة؟" فقام فزعًا وأسرج، وأخذ الصحيفة يدعو لواحدٍ واحدٍ حتى فرغ منهم.
فتأمّل هذه الدقّة: أسماءً بعينها، لا دعاءً عامًّا مبهمًا "اللهم اهدِ الناس أجمعين". فالدعاء المعيَّن باسم صاحبه يحمل من الحضور والصدق ما لا يحمله الدعاء العابر.
لماذا هذا الباب أصل التأثير؟
لأن الإقبال الصادق على الله سرّ القبول عند الناس؛ ومن أقبل على الله بقلبه، أقبل الله بقلوب العباد عليه. وقد قال هرم بن حيان: "ما أقبل عبدٌ على الله بقلبه إلا أقبل الله عزّ وجلّ بقلوب المؤمنين إليه، حتى يرزقه مودّتهم ورحمتهم". فليس القبول الذي يجده بعض المربّين في قلوب من يربّونهم صدفةً ولا مهارةً بشرية بحتة؛ بل هو ثمرةٌ لصلةٍ خفيّة بالله لا يراها أحد.
وقال ابن القيم رحمه الله: "يكفي في الإقبال على الله ثوابًا عاجلًا أن الله سبحانه يُقبل بقلوب عباده إلى من أقبل عليه، كما يُعرض بقلوبهم عمّن أعرض عنه؛ فقلوب العباد بيد الله لا بأيديهم". فالمربي الذي يظنّ أن كسب قلوب من يربّيهم مهارةٌ يتعلّمها فحسب، يفوته هذا السرّ الأعظم: أن قلوبهم بيد الله، وأن أقصر الطرق إليها أن تُقبل أنت على من بيده تلك القلوب.
كيف يطبّق المربي هذا اليوم؟
اكتب أسماءهم. فكما فعل أبو حمدون، اجعل لك قائمةً بأسماء من تربّيهم، تعينك على أن تدعو لهم بأسمائهم لا بعمومٍ مبهم.
خصّص وقتًا للدعاء بظهر الغيب. ولو دقائق في آخر الليل أو عقب صلاة؛ فالمداومة على القليل خيرٌ من انقطاع الكثير.
استحضر حاجاتهم الحقيقية حين تدعو. فبعض السلف كان يُحصي حاجات إخوانه التي تتطلّب الدعاء، ويُعدّ بها قائمة، ويتخيّر لها أوقات الإجابة.
لا تكتفِ بالتوجيه النهاري. فطرق آذان من تربّيهم بالنصيحة لا يكفي وحده؛ بل لا بدّ أن يصحبه انشغالٌ بهم في خلوتك، لا سيّما في أوقات الليل الغالية.
خاتمة
إذا أردت أن تعرف سرّ المربّين الذين تُقبل عليهم القلوب دون أن يعرفوا لذلك سببًا ظاهرًا، فابحث فيما لا يُرى: هل يدعون لمن يربّونهم في خلواتهم؟ فردِّد مع نفسك جملة ذلك المربي الصادق: "أدعوهم بالنهار، وأدعو لهم بالليل"؛ فذلك هو الباب الذي تُفتح منه القلوب حين تُغلق كلّ الأبواب الأخرى.
اقرأ أيضًا: تحويل ذي القرنين شكوى قوم إلى عمل محسوس
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.