كيان الأسرة أرقّ من أن يُترك بلا حماية؛ فهو يُبنى في سنوات ويُهدم في لحظات. ومن أعظم ما يحفظه أدبان قرآنيّان، جعلهما الله -عز وجل- من صفات عباده: صلةُ الرحم التي تصل ما بين الأقارب، وحفظُ اللسان الذي يصون البيوت من نار القيل والقال. فالبيت الذي يصل رحمه ويحفظ لسانه، بيتٌ متماسكٌ يأمن أهله بعضهم بعضًا؛ والبيت الذي يقطع رحمه ويطلق ألسنته، بيتٌ تنهشه الخصومات من داخله.
الأدب الأول: صلة الرحم
جعل الله -سبحانه وتعالى- صلة الرحم من صفات عباده، وقرنها بحفظ كيان الأسرة:﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾[الرعد: 21]. فالعابد وصولٌ لرحمه، حريصٌ على أن يبقى نسيج الأسرة الممتدّة متماسكًا، لا تمزّقه القطيعة ولا الخصومات.
وهذه الصلة لا تُورَّث بالكلام، بل بالقدوة والممارسة. فالطفل الذي يرى أباه يزور أعمامه، وأمّه تصل خالاته وتبرّ جدّته، وأهله يتسامحون ويتزاورون، ينشأ على أن الأسرة الممتدّة حصنٌ لا يُهجر. أمّا الذي نشأ في بيتٍ مقطوع الأرحام، مليءٍ بالشحناء مع الأقارب، فيحمل هذا الجفاء إلى حياته كلها. فخذ أبناءك إلى أرحامك، وأشركهم في برّهم وزيارتهم، وعلّمهم أنّ صلة الرحم عبادةٌ يخشى الله فيها، لا مجاملة اجتماعية.
الأدب الثاني: حفظ اللسان
وعابد الله -تعالى- لا يهرف بما لا يعرف، ولا يتبع العورات، ولا يتطفّل على شؤون الناس:﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾[الإسراء: 36]. وكم من بيتٍ اشتعل بسبب لسانٍ نقل، أو ظنٍّ بُني على غير علم، أو تطفّلٍ على أسرارٍ لا تخصّ صاحبه. فحفظ اللسان في البيت صمّامُ أمان؛ فلا يُنقل بين الأهل إلا الطيّب، ولا يُبنى حكمٌ على قيلٍ لم يُتحقّق منه.
وتعليم الأبناء هذا الأدب من أنفع ما نصنع؛ فعلّم ابنك ألّا يتكلّم بما لا يعلم، وألّا يتتبّع أسرار إخوته وأصدقائه، وألّا ينقل كلامًا يُفسد بين الناس. وعوّده أن يتثبّت قبل أن يصدّق، وأن يسكت عمّا لا يعنيه؛ فالطفل الذي يتعلّم حفظ لسانه صغيرًا، يسلم من شرورٍ كثيرة كبيرًا، ويحفظ علاقاته من التصدّع.
الأدبان معًا يحفظان البيت
وانظر كيف يتكامل الأدبان: صلةُ الرحم تصل ما بين الأقارب، وحفظُ اللسان يحرس هذه الصلة من أن تنقطع بكلمةٍ جارحة أو نميمةٍ مفسدة. فكم من رحمٍ وُصلت ثم قُطعت بسبب لسانٍ نقل بينها الشرّ؛ فلا تكفي الصلة وحدها ما لم يحرسها لسانٌ حفيظ. والبيت الذي يجمع بينهما ــ صلةً وحفظًا ــ يبقى متماسكًا؛ لأنه يبني الجسور ويحرسها معًا.
خاتمة
علّم أبناءك أن يصلوا أرحامهم ويحفظوا ألسنتهم؛ فبالأوّل تبقى الأسرة موصولةً، وبالثاني تبقى سالمةً من نار الكلام. فهذان أدبان صغيران في الظاهر، لكنهما يحفظان كيان الأسرة من التمزّق؛ ومن ربّى أبناءه عليهما، أورثهم بيتًا متماسكًا وعلاقاتٍ سليمة تدوم بعده.
اقرأ أيضًا: الغفلة... بداية كل انحراف عن طريق الله
شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.
.