مقالات

العشر من ذي الحجة (1)

العشر من ذي الحجة (1)

العشر الأوائل: حين تفتح السماء أبواب الرحمة، والوحدة للأمة

ليست كلُّ الأيام سواء…

فهناك أيامٌ تمرُّ على البشر عابرةً كالسحاب، وهناك أيامٌ يغيّر الله بها مصائر الأمم، ويبعث فيها الحياة في القلوب الميتة، ويوقظ بها الشعوب من غفلتها الطويلة.

وإذا كانت الأمم العظيمة تبحث عن مواسم للنهوض الاقتصادي، والسياسي، والعلمي، فإن أمة الإسلام منحها الله موسمًا ربانيًا فريدًا، تتنزل فيه الرحمات، وتُغفر فيه الذنوب، وتُضاعف فيه الحسنات، وتُفتح فيه أبواب التغيير الحقيقي:

إنها العشر الأوائل من ذي الحجة… خير أيام الدنيا كلها.

إنها ليست أيام عبادة فردية فقط، بل مشروعٌ ربانيٌّ متكامل لإعادة بناء الإنسان، وإحياء الضمير، وتوحيد الأمة، وربط الأرض بالسماء.

 

أولًا: لماذا كانت هذه الأيام خيرَ أيام الدنيا؟

لقد رفع الله شأن هذه الأيام حتى أقسم بها في كتابه الكريم فقال:﴿وَالْفَجْرِ  وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1- 2]. 

وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أنها عشر ذي الحجة.

قال عبدالله بن عباس: "هي عشر الأضحى" (تفسير ابن كثير).

وجاء في الحديث العظيم أن محمدًا -ﷺ- قال: “ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام”.

إنه إعلانٌ ربانيٌّ عالمي بأن هذه الأيام هي موسم صناعة العظماء، وميدان سباق الأرواح إلى الله.

 

ثانيًا: لماذا تحتاج الأمة إلى العشر اليوم أكثر من أي وقت مضى؟

لأن الأمة تعيش أزماتٍ متشابكة: ضعفًا إيمانيًّا، تفككًا أسريًّا، صراعاتٍ داخلية، انشغالًا بالدنيا، قسوةً في القلوب، وتراجعًا في منظومة الأخلاق، والقيم.  

وفي وسط هذا الركام تأتي العشر لتقول للأمة: ما زال باب العودة مفتوحًا.

فالعشر ليست مجرد طقوس، بل إعادة تشغيل للروح الإنسانية التي أنهكتها الماديات والصراعات.

إن الأمة التي تُكثر من التكبير، لا يمكن أن تبقى مهزومة نفسيًّا.

والأمة التي تقف قلوبها على أبواب الله، لا يمكن أن تسقط نهائيًا مهما اشتدت المؤامرات.

 

ثالثًا: العشر… موسم إعادة بناء الإنسان

في هذه الأيام يعود الإنسان إلى فطرته النقية:

فيكثر من الصلاة بعد الغفلة، ويجدد صلته بالقرآن، ويتذكر الفقراء بالصدقات، ويصل رحمه بعد القطيعة، ويطهّر قلبه من الحقد والحسد.

إنها دورة إيمانية مكثفة تعيد صناعة الشخصية المسلمة من الداخل.

ولهذا كان السلف يعظمون هذه الأيام تعظيمًا هائلًا.

قال الحسن البصري: “ما من أيامٍ أغلى عندهم من العشر". لأنهم فهموا أن نهضة الأمة تبدأ من نهضة القلب.

 

رابعًا: التكبير… الصوت الذي يوقظ الأمة

ما أعظم أن تمتلئ الأرض بنداء: الله أكبر… الله أكبر… لا إله إلا الله.

إن التكبير ليس مجرد كلمات تُقال، بل إعلان تحرر من الخوف، ومن عبودية الدنيا، ومن اليأس.

حين يكبر المسلم فإن قلبه يعلن: أن الله أكبر من الظلم، وأكبر من الحروب، وأكبر من الطغيان، وأكبر من أزمات الأمة كلها.

ولهذا كان التكبير في العشر مدرسةً لصناعة الثبات والأمل.

 

خامسًا :العشر ليست للحجاج فقط

من أخطر الأخطاء أن يظن البعض أن فضل العشر يخص الحجاج وحدهم.

بل إن أبواب الخير فيها مفتوحة لكل مسلم: بالصيام، والذكر، والقرآن الكريم، والصدقة، وبر الوالدين، وإصلاح القلوب، وخدمة الناس.

فربُّ الحاج هو ربُّ من بقي في بيته، والرحمة لا تُحاصرها الجغرافيا.

الأمة تحتاج إلى عبادة تُغيِّر الواقع، لسنا بحاجة إلى عبادات شكلية لا تغيّر الأخلاق والسلوك. 

بل نحتاج إلى عبادة تصنع: إنسانًا رحيمًا، وشابًا مستقيمًا، وأسرةً متماسكة، ومجتمعًا متعاونًا، وأمةً قوية الإرادة.

فالحج ليس رحلة سياحية، والعشر ليست مناسبة موسمية عابرة، بل مشروع إصلاح شامل يبدأ من القلب وينتهي ببناء الحضارة.

 

سادسا :رسائل عاجلة للأمة في بداية العشر

١) تصالحوا مع الله: فلا نجاة لأمة قطعت صلتها بربها.

٢) أصلحوا القلوب: فالكراهية تُسقط الأمم قبل الحروب.

٣) ربّوا أبناءكم على الإيمان: فالمستقبل تصنعه التربية لا الشعارات.

٤) انصروا قضايا الأمة بالدعاء والعمل: فالأمة لا تُبنى باليأس والصمت.

٥)اغتنموا الأيام قبل الرحيل: فكم من إنسان كان معنا في العشر الماضية وهو اليوم تحت التراب.

 

الخاتمة

لقد أقبلت عليكم أعظم أيام الدنيا، فلا تجعلوها تمرُّ كما مرت غيرها.

افتحوا فيها صفحات جديدة مع الله، وأحيوا بها قلوبكم، وأيقظوا بها أبناءكم، وأعيدوا بها للأمة روحها المفقودة.

فربما تكون هذه العشر بداية تغيير حياةٍ كاملة، أو بداية نهضة أمة، أو بداية وحدة للأمة. أو بداية نجاة عبدٍ أرهقته الذنوب والأوجاع.

اللهم بارك لنا في عشر ذي الحجة، وأيقظ بها القلوب الغافلة، ووحد بها صفوف الأمة، وانصر عبادك المخلصين في فلسطين وسائر بلاد المسلمين.

وانصر المستضعفين في كل مكان، واكتب لنا فيها توبةً صادقة، ونهضةً مباركة، ونصرًا قريبًا يا رب العالمين.

.

د. عيد كامل حافظ النوقي

داعية إسلامي ومحاضر، حاصل على درجتي دكتوراه في العلوم التربوية والنفسية والشريعة الإسلامية

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم