المحفظة التي غيّرت حيّاً بأكمله
كان حسام يشبه النهر الذي يجري حيث تجري القنوات، لا حيث يريد هو.
كل صباح يفتح هاتفه قبل أن يفتح عينيه. وكل مساء يضع في سلة الشراء ما وضعته الخوارزمية أمامه. وكل نهاية شهر يتساءل أين ذهب المال؟ ثم ينسى السؤال لأن إعلانًا جديدًا يسرق انتباهه.
في الحي الذي يسكنه حسام كان هناك بقّال اسمه أبوكرم. رجل طيب النفس يعرف اسم كل زبون وذوق كل أسرة. لكن منذ أن فتح السوبرماركت الكبير في نهاية الشارع، بدأ أبوكرم يُحصي الأيام كما يُحصي المريض حبوب دوائه.
ذات صباح وجد حسام ورقة صغيرة على باب محل أبوكرم: للبيع بعد ثلاثين سنة من الخير والبركة.
وقف حسام أمام الورقة طويلًا. شيء ما في داخله تحرّك، كأن نائمًا استيقظ على صوت باب يُغلق للأبد.
دخل إلى المحل. وجد أبوكرم يرتّب ما تبقّى من بضاعته بيدين ترتجفان من الحزن لا من الكِبَر.
سأله حسام بصوت خافت: لماذا تبيع يا أبوكرم؟
فأجابه الرجل دون أن يرفع رأسه، لأن الحي قرّر أن يشتري من غيري يا بني. وما أحد مجبور على شيء.
عاد حسام إلى بيته. جلس أمام شاشته الكبيرة لكنه لم يرَ شيئاً. كان يفكر كم جنيهاً أنفقته هذا الشهر في السوبرماركت الكبير؟ وكم منها كانت يمكن أن تبقى في الحي؟
في تلك الليلة وُلدت فكرة بدت سخيفة في البداية...
ماذا لو أقنعت عشرة أسر فقط بالشراء من أبو كرم شهرًا واحدًا؟
الأسبوع الأول كان كالمشي عكس التيار. أصدقاؤه ضحكوا: السوبرماركت أرخص! قال لهم: أرخص منّا أم من أبوكرم؟
لم يفهموا. لكن زوجته فهمت. وجارته أم سامي فهمت. وفهم معهم ثلاثة آباء آخرون كانوا يتذكرون كيف أعطاهم أبوكرم بضاعة بالدين في أيام الضيق.
الأسبوع الثاني بدأ حسام يلاحظ شيئًا لم يكن يتوقعه. حين يشتري من أبوكرم، يعرف اسمه. يسأل عن أهله. يبتسم له بتلك الابتسامة التي لا تصنعها شاشة لمسية أبدًا.
الأسبوع الثالث انضمت خمس أسر جديدة. ليس لأن حسام أقنعهم بخطاب، بل لأنهم رأوا الورقة تُنزع من باب أبوكرم، واستبدلت بأخرى كتب عليها: شكراً لأهل الحي... عدنا.
بعد ستة أشهر كان حسام يجلس مع أبوكرم على كرسيين أمام المحل في مساء دافئ. قال له الرجل: يا حسام، أتعرف ما الفرق بين ما جمعته هذا الشهر وما كنت أجمعه قبل السوبرماركت؟
قال حسام: كم؟
قال أبو كرم وهو يبتسم: ليس في المال وحده. الفرق أن زبائني اليوم يشترون بقرار، لا بعادة.
صمت حسام. ثم قال: وأنا كنت أشتري بعادة طوال عمري.
بعد عام جاء صحفي شاب يكتب عن ظاهرة الحي الذي رفض السوبرماركت. سأل حسام: ما سر نجاحكم؟
فكّر حسام قليلًا ثم قال:
لم نقاطع السوبرماركت لأننا نكرهه. قاطعناه لأننا أحببنا حيّنا أكثر. الفرق كبير. المقاطعة من الكراهية تموت حين يهدأ الغضب. والمقاطعة من الحب تكبر حين يكبر الوعي.
نظر نحو محل أبوكرم وأضاف:
الناس يظنون أن المحفظة تشتري السلع. لكن المحفظة في الحقيقة تبني المجتمعات، أو تهدمها. وكل جنيه تُنفقه هو صوت تُعطيه لنوع الحياة التي تريد أن تعيشها.
وفي النهاية...
ليس الأذكى من يجد أرخص سعر، بل من يعرف أن أغلى ما يُشترى لا يُباع في أي سوبرماركت. لا تشترِ بعادة، واشترِ بقرار.
فمحفظتك ليست مجرد مال، بل هي موقف.
.
د. علي شيخون
عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.