مقالات تربوية

تجارة لا تبور: لماذا يربح التاجر الأمين مرتين؟

تجارة لا تبور: لماذا يربح التاجر الأمين مرتين؟

في سوقٍ قديم كان التاجر يكشف عيب بضاعته قبل أن يُسأل، ويردّ الدرهم الزائد ولو مشى خلف صاحبه شارعاً كاملاً. واليوم صار البائع خلف شاشة وصارت السلعة صوراً منمّقة وعروضاً خاطفة، وبقي السؤال القديم معلّقاً فوق كل صفقة هل يجتمع الربح مع الكرامة، أم أن أحدهما ثمن الآخر؟ وكثير من التجار يعيشون هذا التمزق بصمت؛ يرون منافسيهم يبالغون ويخفون العيوب وترتفع مبيعاتهم فيتسلل إليهم سؤال خبيث هل الصدق في هذا الزمن ترفٌ يدفع ثمنه الصادقون من أرزاقهم؟

الإسلام حسم هذا السؤال منذ أربعة عشر قرناً، فجعل السوق ميداناً من ميادين العبادة، ووضع للبيع والشراء منظومة أخلاقية تبدأ من الصدق وتمر بالسماحة وتنتهي بالبركة التي تُطيّب الربح وتُنمّيه. وهذا المقال يتتبع هذه المنظومة ليقدّم للتاجر المسلم خريطة يمشي بها بين الأرباح مرفوع الرأس.

 

التجارة في الميزان الإسلامي... عبادة قبل أن تكون مهنة

السوق في المنظور الإسلامي ميدان عبادة فالتاجر الذي يكسب حلالاً ويعفّ عن الحرام ويصدق في قوله وفعله يتقلّب في طاعة متصلة من فتح دكانه إلى إغلاقه. وقد رفعه النبي ﷺ إلى منزلة تتقاصر دونها أعناق الطامحين فقال: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصدّيقين والشهداء» (الترمذي)؛ منزلة تُنال بالميزان والكلمة الصادقة كما تُنال بالجهاد، فالطريق إلى الله يمرّ من السوق كما يمرّ من المسجد.

والتاريخ يشهد أن هذه المعاني كانت واقعاً معاشاً. فالنبي ﷺ خرج تاجراً في مال خديجة رضي الله عنها، وكان لقبه في مكة الصادق الأمين، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه نزل المدينة بلا مال فقال لأخيه الأنصاري: «بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلّني على السوق» (البخاري) فبنى ثروة أنفق منها على جيوش المسلمين. وعثمان رضي الله عنه جهّز جيش العسرة من تجارته فقال فيه النبي ﷺ: «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم» (الترمذي). أدرك هؤلاء أن المال وسيلة والتجارة عبادة، وأن التاجر عابدٌ في محرابه قبل أن يكون بائعاً خلف بضاعته.

 

الصدق والبيان... رأس مال لا يُفلس

ربط النبي ﷺ البركة وهي غاية كل تاجر بخصلتين فقال: «فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما» (متفق عليه). والبيان درجة أعلى من الصدق؛ فالصدق أن تجيب بالحق إذا سُئلت، والبيان أن تكشف العيب قبل أن تُسأل. فالمشتري في نظر الشرع أمانة في يد البائع وكتمان العيب خيانة وإن تمت الصفقة.

وقد جسّد النبي ﷺ ذلك حين مرّ على صُبرة طعام فنالت أصابعه بللاً فقال لصاحبها: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غشّ فليس مني» (مسلم). فالرجل ما كذب وعيب بضاعته خارج عن إرادته، ومع ذلك استحق الوعيد لأنه عرضها عرضاً يخفي العيب؛ فالغش يقع بطريقة العرض كما يقع باللسان. ومن عاش هذا المبدأ صار عيبُ بضاعته إعلاناً عن صدقه، وصارت كلمته عند الناس وثيقة يشترون بها مطمئنين، وهذه الثقة أصل تجاري تعجز عن شرائه أضخم الميزانيات الإعلانية.

 

السماحة... أخلاق تصنع البركة

فوق الصدق الواجب درجة أرفع: «رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشتر وإذا اقتضى» (البخاري)؛ سماحة تعف عن استغلال حاجة المشتري، وتترفع عن بخس البائع، وترفق بالمدين. ومن أبوابها إقالة النادم، وفيها قوله ﷺ: «من أقال مسلماً أقاله الله عثرته يوم القيامة» (أبو داود). وأما السماحة مع المعسر فقد أخبر النبي ﷺ عن رجل حوسب فلم يوجد له من الخير شيء، غير أنه كان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، فقال الله عز وجل: «نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه» (مسلم). رجل نجا برحمته في التقاضي فصارت سماحته في السوق شفيعه عند الله.

 

المحرّمات التي تمحق الربح

حذّر الإسلام من ممارسات تمحق الربح من أساسه، الحلف الكاذب وفيه: «الحلف مَنفقة للسلعة، مَمحقة للبركة» (متفق عليه)، وصاحبه ممن لا يكلمهم الله يوم القيامة، والاحتكار وفيه: «لا يحتكر إلا خاطئ» (مسلم)، لأنه يبني ربحه على ضيق الناس ويحوّل قوتهم إلى ورقة مساومة. والنجش وهو أن يزيد في الثمن من لا يريد الشراء ليغرّ غيره، وقد نهى عنه النبي ﷺ ، والتطفيف الذي افتُتحت به سورة كاملة بصيغة الوعيد: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾[المطففين: 1]. وهذه المحرمات تجتمع على معنى واحد: ربح يُبنى على غفلة الآخر أو حاجته أو جهله.

الربا وهو أصل الباب كله فالمحق ورد فيه نصاً قرآنياً صريحاً: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ…﴾[البقرة: 276]. وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا…﴾[البقرة: 275] ، تلقّي الركبان وفيه قوله ﷺ: «لا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ» (متفق عليه)؛ وهو استغلال جهل البائع القادم بسعر السوق ليُشترى منه بأبخس الأثمان، ولذلك جعل الشرع له الخيار إذا هبط السوق وعلم الغبن. 

بيع الغرر وفيه: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر» (رواه مسلم)؛ وهو كل بيع مجهول العاقبة يشبه القمار، وصوره المعاصرة كثيرة في العقود المبهمة والاشتراكات غامضة الشروط. البيع على بيع الأخ وفيه: «ولا يبع بعضكم على بيع بعض» (متفق عليه)؛ إفساد صفقة قائمة لخطفها. وبيع ما ليس عندك وفيه قوله ﷺ لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» (أبو داود والترمذي)، وله حضور معاصر لافت في بعض صور البيع الإلكتروني بلا ملكية ولا ضمان.

والقاعدة الجامعة ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ…﴾ [البقرة: 188]، فهي القاعدة التي تندرج تحتها الصور كلها.

 

أخلاقيات البيع في أسواق اليوم

انتقلت التجارة من صُبرة الطعام إلى المتجر الإلكتروني، وبقيت القواعد النبوية تحكم الصورتين. فالإعلان الذي يجاوز حقيقة السلعة هو الحلف الكاذب في ثوبه الجديد، والعلة واحدة ترويج البضاعة بما ليس فيها. والتقييمات المزيفة هي النجش بعينه فهي ثناء مصنوع يصنع إقبالاً وهمياً يغرّ المشتري. والصور المعالجة والعروض التي تخفي شروطها في سطور دقيقة إخفاءٌ للعيب بطريقة العرض، وقد استحق صاحب الطعام الوعيد بهذا وحده. وحبس السلع في المستودعات وقت الأزمات صورة معاصرة حرفية للاحتكار.

وقد وضع الفقهاء قاعدة تحسم هذه الصور كلها العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني؛ فكل وسيلة تُظهر السلعة بغير حقيقتها غش مهما تطورت الأداة. والتاجر المسلم اليوم يملك ما لم يملكه تاجر قبله قدرة على أن يصل صدقُه إلى آلاف الناس بضغطة زر، فإن جعل منصته صادقة كما كان دكان جدّه صارت التقنية شاهداً له عند الله.

 

كيف أنافس في سوق لا يرحم؟

يواجه التاجر الصادق معضلة عملية حقيقية كيف يصمد بأخلاقه في سوق يكافئ الغش بالانتشار ويعاقب الصدق ببطء النتائج؟ والجواب أن الأخلاق ذاتها تصلح استراتيجية تنافسية إذا أُحسن توظيفها، وقد فعلها التجار المسلمون قبل أن تسميها كتب الإدارة الميزة التنافسية.

أولىها تحويل الصدق من التزام صامت إلى عرض معلن؛ فالتاجر الذي يكتب عيوب بضاعته بجانب مزاياها يقدّم للسوق ما يعجز منافسوه عن تقليده، لأن تقليده يكلفهم كشف أنفسهم. وثانيها التخصص في الثقة طويلة الأمد بدل صفقة اللحظة؛ فالغاش يربح الصفقة الأولى ويخسر الزبون، والصادق قد يخسر الصفقة الأولى ويكسب الزبون وأهل بيته وجيرانه، وهذا هو المعنى العملي للبركة التي وعد بها حديث «فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما» (متفق عليه). وثالثها الصبر بوصفه أصلاً استثمارياً؛ فالسمعة تنمو نمو الزرع البطيء، وقد قال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: 128]، والعاقبة في لسان القرآن ثمرة تُقطف آخر الطريق يفوز بها من ثبت حين تعجّل الآخرون.

ويبقى للتاجر الصادق سلاح لا يملكه سواه أنه يعمل ومعه شريك لا تدخل حساباته دفاتر السوق. فالنبي ﷺ يروي عن ربه عز وجل: «أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجتُ من بينهما» (أبو داود). والسوق الذي لا ينافس بالأخلاق يظل خاضعاً لمن يقلّب الأرزاق؛ فمعادلة المنافسة الظاهرة تحسب البضاعة والسعر والإعلان، ومعادلة الرزق الكاملة فيها طرف غيبي يمحق ويربي، والتاجر الذي يستحضر هذا الطرف ينافس مطمئناً في سوق يظنه الآخرون غابة.

 

الربح الحقيقي... حسابات الدنيا والآخرة

يحسب التاجر أرباحه بميزان واحد هو ما دخل وما خرج. والتاجر المسلم يملك ميزاناً ثانياً تظهر فيه أرباح لا تسجلها الدفاتر البركة التي تجعل القليل الطيب يكفي وينمو، مصداق قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276]. والسمعة التي تُورَّث كما تُورَّث العقارات، فاسم التاجر الصادق يبقى في السوق بعد موته يفتح لأبنائه أبواباً موصدة وأثرٌ يتجاوز التجارة إلى الدعوة؛ فقد وصل الإسلام إلى جنوب شرق آسيا وشرق أفريقيا على أيدي تجار رأى الناس أمانتهم فسألوهم عن دينهم قبل بضاعتهم وهو قمة الربح الذي سماه القرآن الكريم:﴿تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: 29].

 وختامًا فالكرامة في السوق اختيار يومي يصنعه التاجر في كل صفقة بصدقٌ يكشف قبل أن يُسأل، وسماحةٌ تيسّر على الناس، وعفةٌ عن كل كسب لا يطيب مصدره. ومن ظن أن هذه الأخلاق تُبطئ خطاه فليتأمل سير الذين جمعوا الثراء والتقوى معاً؛ فقد شهدت لهم الأسواق قبل المساجد أن الأمانة أنفقُ بضاعةً وأبقاها أثراً. إن التاجر المسلم يربح مرتين ربحاً يظهر في حساباته وربحاً يدّخره عند ربه، ومن باع بأخلاقه ما خسر صفقة قط وإن بدا في عين السوق أنه ترك ربحاً على الطاولة؛ فالذي تركه هناك يجده كاملاً في ميزانه يوم يقوم الناس لرب العالمين.

 

 

اقرأ أيضًا: الدفتر الكحلي — وصية أب في زمن الغش (حكايات تربوية)

 

شارك المقال إن أفادك، وتابعنا على منصات تربية.كوم للمزيد.

.

د. علي شيخون

عضو هيئة التدريس بجامعات عربية وإسلامية - مستشار المالية الإسلامية والتطوير المالي والإداري.

قراءة المزيد من مواضيع

متعلقة بالقسم